Translate

الأحد، 7 يونيو 2009

كركوك : برمودا العراق الجديد


08 مايو, 2009 م
لرابط : دراسات
بقلم//زيد يحيى المحبشي
قديماً كتب المؤرخ الروماني بلوتارك في مذكراته رسالة إلى الإسكندر الأكبر يخبره فيها بوجود واد من النيران السائلة بالقرب من مياه سوداء متسخة وهو ما صار يعرف اليوم بكركوك المدينة والمحافظة التي أصبحت منذ العام 2400 قبل الميلاد حلبة صراع وساحة تنافس بين القوى الإقليمية الكبرى أي منذ تأسيس مملكة أرافكا بها.
قديماً كان الصراع بين الإمبراطورية الآشورية والبابلية والميدية، وحديثاً بين الأكراد والعرب والأتراك وإيران وإسرائيل وأميركا وما بينهما، نجحت المدينة في أن تكون مدينة للتعايش بين مختلف مكوناتها القومية والعرقية لاسيما في القرن السابع إثر ضمها إلى الحاضنة العربية ، إلا أن الاستعمار الحديث وتحديداً قبل 200 عام عندما نجح الجيش التركي في استخراج النفط منها لاستخدامه في الإضاءة, حولَّها إلى واحدة من أهم وأخطر بؤر التوتر الداخلية والإقليمية والدولية والواصل ذروته اليوم بالتناغم مع تهديد رئيس الحكم الذاتي لإقليم كردستان العراق مسعود بارزاني بضمها رسمياً إلى الإقليم ودفعه قبل أسابيع مئات من البشمركة إلى المدينة على مقربة من فشل الحكومة العراقية في تمرير قانون انتخابات مجالس المحافظات وانفجار ملفات الأكراد في تركيا وسوريا وإيران.
ست سنوات مرت منذ احتلال أميركا للعراق كانت فيها كركوك بعيدة عن نيران الحرب الطائفية فإذا بها فجأة تطفو على السطح كقنبلة موقوتة تشير التفاعلات المحيطة بها إلى صيرورتها عنواناً لصراع قادم عنوانه الرئيسي القوميات وعامل تغذيته الأحلام الكردية المرتفعة وتيرتها بدعم إسرائيلي في بلد هو في الأساس عبارة عن شعوب توافدت وتعايشت عبر آلاف السنين مكونة فيما بينها فلكاً مشحوناً بالقوميات والأديان والمذاهب والأعراق ومتحفاً عقائدياً لا يحتمل بعث أمة دون سواها ، خصوصاً في هذه المرحلة الفارقة من تاريخه المعاصر.
لماذا كركوك؟استمدت كركوك أهميتها من توافر عدة عوامل أكسبتها أهمية استراتيجية خاصة داخلياً وإقليمياً ودولياً أهمها: المخزونات النفطية الهائلة المتجاوزة 10 مليارات برميل من الاحتياطي الخام المحقق إلى جانب اكتشاف مادة اليورانيوم مؤخراً ، ناهيك عن موقعها الجغرافي ذي الأهمية الاستراتيجية, كون المدينة وفقاً لخارطة العام 1957 تقع في قلب العراق ؛ ولذا فهي قريبة من كل العراق حيث يحدها من الشمال أربيل ومن الشمال الغربي الموصل ومن الشرق السليمانية ومن الجنوب ديالي ومن الغرب بغداد وتكريت ، ما يعني أن من يسيطر عليها سيتمكن من التحكم بمصير العراق حاضره ومستقبله الأمر الذي دفع القيادات العراقية المتعاقبة إلى تقطيع أوصالها والتلاعب بتركيبتها الديموغرافية ومن ثم استبدالها بمحافظة التأميم عام 1969 المفضي إلى تدمير قراها وتبديل تركيبتها السكانية تحت ذريعة الهاجس القومي والأمني والخوف من العرقيات غير العربية في شمال العراق بما فيها تلك القاطنة كركوك.
بالعودة إلى التركيبة السكانية للمدينة يمثل الإحصاء الأممي لعام 1957 المعتمد رسمياً اليوم كونه جرى قبل تولي صدام حسين السلطة بما تخلل فترته من عمليات نقل للسكان العرب إلى كركوك حيث يظهر أن سكانها الأكراد يمثلون الثلث فقط بواقع 187593 نسمة وهي النسبة الأعلى في الأطراف والعرب 37 بالمائة بواقع 109620 نسمة والتركمان 28 بالمائة بواقع 83371 نسمة يمثلون النسبة الأعلى بالمركز والسوريان – الكلدان 1605 نسمة ، فيما أظهرت نتائجه على مستوى لواء كركوك أن الأكراد أقل من النصف ، وبالتالي فالأغلبية للعرب والتركمان إلا أن الأكراد بعد الاحتلال الأميركي للعراق قاموا بجلب 600 ألف كردي إليها تحت شعار التكريد وعلى مدى خمس سنوات من الاحتلال لم تكن هناك أي بوادر لاحتمال ظهور الصراع في كركوك فما الذي أدى إلى انفجاره اليوم وما هي دوافع الجهات المغذية له؟
أجندة الصراع الداخليبدا الصراع واضحاً بين سكان كركوك العرب والأكراد حيث يحاول كل منهما تقوية وجوده عن طريق تعزيز وزنه الديموغرافي واستمالة الأقليات التركمانية والآشورية ، وصولاً إلى زج المئات من البشمركة الكردية إلى المدينة في الأشهر الثلاثة الأخيرة ، معززةً بتوجيهات من الطالباني والبارزاني للتهيؤ للاستيلاء عليها وقمع أي مقاومة تعترضها كخطوة أولى لضمها إلى إقليم كردستان بعد النجاح في وضع إطار دستوري يدعم الجهود الميدانية الكردية لضم الإقليم إلى كردستان، وقد تم تضمينه دستور العراق الجديد كما جاء في المادة 140 منه حول المناطق المتنازع عليها وإعلان الأكراد أن كركوك خط أحمر كون المادة 140 تمنحهم الحق في ضمها بموجب نتائج الاستفتاء الذي تضمنته لاسيما بعد إحكامهم القبضة على مجلس المدينة.
التحرك الكردي يأتي بالتناغم مع مشروع برلمان كردستان كان قد تبناه في السابق تضمن تألف محافظة كردستان من المناطق ذات الغالبية الكردية حسب إحصاء عام 1957 أي محافظتي كركوك والتأميم، علماً أن مطالبهم قبل الحرب العالمية الأولى كانت مقتصرة على مدينة السليمانية فقط إلا أن نجاحهم في ضمها عام 1991 فتح شهيتهم نحو كركوك رغم أن نصفها تقريباً اليوم تقع خارج منطقة السيطرة الكردية، ولذا فهم يرون أن ضمها معناه الاحتفاظ بدور حيوي ومؤثر في إدارة الشأن العراقي المنبثق عن الاحتلال الأميركي والمضمن الدستور العراقي من خلال نص قانوني تقدموا به حول المناطق الكردية الشاملة محافظات دهوك وأربيل والسليمانية وكركوك والتأميم وأنحاء كردية في محافظتي ديالي والموصل.
مضامين المادة 140 تكونت من ثلاث مراحل لحل أزمة المناطق المتنازع عليها والمشكل لتنفيذها لجنة خاصة من قبل حكومة المالكي في شباط/ فبراير 2007 تمهيداً لإجراء انتخابات مجالس المحافظات المقررة في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2008 وهي تطبيع الأوضاع وإجراء إحصاء سكاني في المناطق المتنازع عليها وإجراء استفتاء حول هويتها ومصيرها كان مقرراً قبل 31 كانون الأول/ ديسمبر 2007 ليتم تحت وطأة احتدام الخلافات الداخلية تأجيله ، خصوصاً بعد إقرار البرلمان العراقي مشروع قانون الانتخابات لمجالس المحافظات في 22 تموز/ يوليو 2008 دون مصادقة الطالباني وعادل عبدالمهدي عليه وإرجاعه إلى البرلمان لتعديله بسبب تضمنه فقرات تعيق ضم كردستان لكركوك الأمر الذي جعل الأكراد يصرون على الاستفتاء حول مصير كركوك قبل التوافق على التعديلات الدستورية للقانون في حين يصر العرب والتركمان على التعديلات قبل الاستفتاء وما بينهما وقفت الكتلة الصدرية إلى جانب تنفيذ المادة 140 في حين رأت الأمم المتحدة ضرورة إجراء الانتخابات واستثناء كركوك والتأميم والمناطق المتنازع عليها إلى حين البت في أمرها.
كل هذا يشي بأن الأزمة في طريقها نحو التصاعد وأن الانتخابات المحلية سيكون مصيرها التأجيل شأنها شأن التأجيل المتكرر للاستفتاء في ظل تحذير مجموعة الأزمات الدولية من عواقب وتداعيات الصراع على كركوك في إشعال حرب أهلية طاحنة أو حدوث تدخل عسكري خارجي قد يحولها إلى بؤرة لصراع وحرب إقليمية- دولية, ناصحةً بتأجيل الاستفتاء وتصنيف كركوك منطقة فيدرالية قائمة بذاتها وهو اقتراح لاقى استحسان العرب والتركمان المقترحين بدورهم تقسيمها إلى أربع دوائر انتخابية بواقع 32 بالمائة لكل من العرب والأكراد والتركمان و 4بالمائة للكدو- آشوريين أو الاحتكام إلى تعداد عام 1957 في حين يرى الأكراد أن ذلك مولداً للشكوك حول عدم قناعة العرب والتركمان بشراكتهم في العراق الجديد قد يدفعهم نحو تفضيل الخيار الانفصالي ما لم يتم إشعارهم بالأمان والاطمئنان والمواطنة الكاملة المتمثل في تعجيل الاستفتاء لإثبات حسن النية.
ومع ذلك فقد فات الجميع أنهم بالإجماع قد أقروا المادة 140 اللغم المهدد بتفتيت العراق بغية استغلال الظروف الاستثنائية لتثبيت مصالحهم الطائفية والعرقية على حساب وحدة واستقرار العراق.
أجندة الأطماع الخارجيةكركوك اليوم أشبه ما تكون بمثلث برمودا وبلغة أخرى مثلث الموت القادم في العراق الجديد ، قاعدته الصراعات السكانية الداخلية وضلعاه الأقلمة والتدويل ونقطة التقاطع الثروات المعدنية والأهمية الموقعية بما لها من أبعاد تاريخية مصحوبة بآثار كارثية صارت معها المدينة مرتعاً للتهجير القسري والتعريب تارة والتكريد أخرى ، والاختطافات والاعتقالات في ظل الشحن القومي والعصبوي المنفلت من عقاله والصائرة معه ساحة ساخنة للتجاذبات السياسية بين الدول الكبرى في المنطقة ساعدهم على ذلك ضعف الدولة المركزية العراقية وسيطرة الطائفيين الجدد على مفاصلها المتداعية فيما الجميع يشحذ سكاكينه استعداداً لتقطيع أوصال كركوك لتسهيل التهام قطعة منها.والملاحظ تقاطع محركات الأطراف الداخلية في كركوك وتحديداً العرب والتركمان، حول الخوف من اندفاع الأكراد نحو تحقيق أحلامهم القديمة المتجددة في إقامة دولتهم المستقلة عن العراق بما يترتب على ذلك من تذكية لطموحات الأقليات العراقية الأخرى ناهيك عن الطموحات الطائفية المعلنة من قبل الشيعة لإقامة دولتهم المستقلة أيضاً في جنوب العراق وهو ما يقود في نهاية المطاف إلى تقسيم العراق إلى دويلات متقزمة .
الطموح الأميركي الإسرائيلي منذ الوهلة الأولى أيضاً ركز على ضرورة إقامة نظام فدرالي شكلاً وكونفيدرالي عملياً إلا أنه لا يزال مصطدم بالهواجس القومية والأمنية لدول الجوار وتحديداً تركيا وسوريا وإيران المتفقة في مخاوفها مع عرب وتركمان كركوك حيال الطموحات الكردية والتي من شأنها إشعال الامتدادات الكردية فيها للمطالبة بالحصول على ذات المكاسب التي حققها أكراد العراق ما يعني في خاتمة المطاف توحيد المطالب لأكثر من 30 مليون كردي شتتهم لعنة سايكس بيكو لإقامة دولتهم العرقية الخالصة الأمر الذي قد ينذر بإشعال الشرق الأوسط برمته لاسيما وأن الحلقات المحلية والإقليمية والدولية في طريقها إلى الاكتمال فهل يعني ذلك أن كركوك في طريقها لسلوك خطى فلسطين المحتلة وصولاً إلى جعلها عنواناً للصراعات القادمة في المنطقة لاسيما وأن كل المؤشرات القائمة والمختمرة تصب في اتجاه صيرورتها مجمعاً لصراعات تقارب الانفجار بفعل تداخل وتشابك المحن فيها بشكل أهلَّها لأن تكون محطة ساخنة لبانوراما برمودية شرق أوسطية قادمة وفي نفس الوقت رقماً مهماً وصعباً في استقرار ووحدة العراق والمنطقة برمتها؟.إن قراءة سريعة لمعطيات الأطماع الخارجية المختلفة في كركوك وحولها سواء تلك المتحركة تحت شعار تداخل المصالح والديموغرافيا كما هو حال الموقف التركي المتحرك بدواعي الخوف على مصير التركمان، أو التوجس من تحريك أي نجاح قد يحرزه أكراد العراق في كركوك لثورة قد يقودها حزب العمال الكردستاني التركي بغية تحقيق أكراد تركيا الممثلين أكثر من ثلث سكانها ذات المكاسب أو تلك المتحركة تحت شعار القنبلة الديموغرافية كما هو حال الموقف السوري والإيراني من امتداد نيران الثورة الكردية إلى امتداداتها الخارجية.. فيما كانت تحركات أميركا وإسرائيل تحت غطاء المصالح الاقتصادية والعسكرية الرامي في حقيقته إلى جعل كركوك مفتاح سر وبوابة عبور جديدة نحو الشرق الأوسط الجديد ممثلاً في الخطة الإسرائيلية البديلة والجاري تنفيذها حالياً بعد فشل خطة المحافظين الجدد الأميركان في العراق والمنطقة معززاً بفشل إسرائيلي أميركي ذريع لجعل لبنان بوابة العبور فلم يكن أمامها من سبيل سوى كركوك .
الأجندة التركية يذهب الصحفي التركماني العراقي صبري طرابية إلى أن تقدير التركمان في العراق لا يقل عن مليون نسمة يعيش غالبيتهم في كركوك والتي كانوا دوماً يشكلون الأغلبية فيها، وهو التبرير الدافع بأنقرة إلى مواجهة طموحات أكراد العراق في كركوك والتلويح بالتدخل العسكري لإيقافها ولذا فهي تعتبر كركوك من الخطوط الحمراء التي لا يجب على الأكراد تجاوزها لما يترتب على ذلك من تداعيات قد تطال جنوب شرق تركيا ذات الغالبية الكردية أيضاً وهو ما يهدد في النهاية وحدة الأراضي التركية ما دعاها إلى استباق ذلك بالتلويح بتوجيه ضربات استباقية للاستفتاء حول مصير كركوك.الصراع التركي الكردي على هوية كركوك في حقيقته محكوماً بالاختلافات الشخصية بين قادة الطرفين وهو صراع كان ومازال منذ انهيار الدولة العثمانية وظهور الجمهورية التركية على أنقاضها حيث كان العراق بكامل حدوده الحالية يدخل وحتى العام 1921 ضمن الحدود العثمانية وكان التداخل العرقي في ولاية الموصل وعاصمتها كركوك أكثر وضوحاً.
لكن حدود التنازع لا تقف عند الأبعاد السياسية بل تتعداها إلى الأبعاد الاقتصادية وهو ما قد يُعقِّد الأزمة مستقبلاً ، خصوصاً وأنه في حال ضم كردستان لكركوك ستفقد أنقرة أول منفذ يتم من خلاله تصدير النفط العراقي إلى ميناء جيهان التركي وهو ما دفعها إلى تنظيم مؤتمراً إقليمياً حول كركوك خلال الفترة 15- 16 كانون الثاني/ يناير 2007 عدته كردستان العراق بمثابة أول تدخل سافر في الشأن العراقي في حين اكتفت أنقرة بإجراء رئيس وزراءها أردوغان مؤخراً اتصالاً هاتفياً مع رئيس العراق أبدا خلاله قلقه من مطالب سلطات أكراد كردستان العراق بضم محافظتي التأميم وكركوك مصحوباً بالتهديد العسكري للحيلولة دون حصول ذلك.
ومن الثابت أيضاً وجود مطالب تركية تاريخية لأجزاء من الموصل والسليمانية والتأميم وكانت كركوك محور اهتمامها الأول قبل أن يسيطر عليها الإنجليز وقد قضى قرار عصبة الأمم في 1925 بتبعية الموصل وعاصمتها كركوك للملكة العراقية على إثر ذلك تنازلت تركيا عنها رسمياً في 1926 مقابل الحصول على 10 بالمائة من عائداتها النفطية لمدة 25 عاماً ثم عدلت بعدها إلى سعر مقطوع لمدة واحدة ..كما هددت أنقرة في 1959 بالاستعداد العسكري لاقتحام كركوك وبعد العام 1991 إثر إقامة منطقة أمنه للأكراد في شمال العراق توصلت أنقرة إلى تفاهم مع أميركا على ألا تشمل المنطقة الأمنية كركوك.
إذن فهي جادة اليوم عندما لوحت بالتهديد العسكري لكن ما تداعيات ذلك على تحالفاتها الاستراتيجية مع كل من إسرائيل وأميركا؟ خصوصاً وأنها ترى في الطموحات الكردية تهديداً وجودياً لأمنها القومي؟ وهو شعور تشاركها فيه كل من إيران وسوريا بفعل تواجد القيادات الكردية المناوئة لكل من طهران ودمشق في كردستان العراق في وقت تتصاعد فيه التوترات بين طهران والحركات الكردية الإيرانية على مناطق الحدود مع تركيا والعراق إثر نجاح جماعة بيجاك الكردية الإيرانية بإسقاط مروحية للجيش الإيراني نهاية شباط/ فبراير 2007 م مسنودة من حزب العمال الكردستاني التركي وإسرائيل الأمر الذي أدى إلى فتح ملف أكراد إيران مجدداً بالتزامن مع إشتعال الاضطرابات في المناطق الكردية السورية تحت ذريعة المطالبة بالمواطنة المتساوية والأهم من هذا إعلان حزب العمال الكردستاني التركي مؤخراً عن انتهاء الهدنة التي استمرت خمس سنوات مع الجيش التركي.
الأجندة الإسرائيليةيعتقد الأكراد بأن مطية الوصول إلى طموحاتهم بحاجة إلى دعم خارجي، وهنا يطل البطل الإسرائيلي بقوة بوصفه اللاعب الأساسي والسري في لعبة الأمم الكبرى الراهنة المتمحورة حول الأكراد بعد التوصل إلى قناعة نهاية العام الماضي بعدم جدية أميركا للوقوف في وجه طهران وأنها لن تكون قادرة على تحقيق الاستقرار أو الديمقراطية في العراق، لذا رأت ضرورة التوجه إلى نسج خطة بديلة تضمنت حصر الأضرار التي سببتها الحرب العراقية للموقع الاستراتيجي الإسرائيلي من خلال توسيع علاقاتها القديمة القائمة مع أكراد العراق ونشر وجود إسرائيلي بارز في مناطقهم أولاً لاتخاذه كقاعدة لتنفيذ عملياتها السرية داخل المناطق الكردية في سوريا وإيران ، أملاً في تحقيق ما عجزت عن تحقيقه القوات الأميركية بالسلم والدبلوماسية ووصولاً إلى خلق واقع فيدرالي شكلي وكونفدرالي عملياً في العراق من خلال خلق حرب أهلية يكون فتيلها تغذية النوازع الانفصالية لدى الأكراد لإقامة دولتهم كون الأمر لم يعد مستحيلاً والتكفل بتوفير الضمانات الأميركية وهو ما يسمح في الأخير بفتح الباب واسعاً أمام إسرائيل لنهب ثروات العراق ولم يعد خافياً اليوم وجود الكثير من شركاتها الاستثمارية تحت مسميات متعددة في الشمال العراقي خصوصاً في مجال التنقيب عن النفط و اليورانيوم في كركوك وهو حلم قديم تحرص اليوم على تحقيقه من خلال إعادة تأمين خط أنابيب كركوك- حيفا.
اللعب الإسرائيلي اليوم بالصاعق الكردي العراقي من شأنه إشعال ردود فعل تركية وربما حرباً ما يعني نسف تحالفاً مهماً وتاريخياً يربطهما لاسيما بعد الفشل في إقناع أنقرة بأن المستهدف هو إيران وسوريا وليس تركيا كما أنه قد يضطر أميركا إلى المفاضلة بين كردستان حرة وبين تركيا الحليف الاستراتيجي بما لذلك من خطورة في حال اختارت الخيار الأول لاندفاع تركيا نحو الانفجار وربما توحد الأصوليين في الشرق مع الجيش التركي العلماني ما لم تنجح واشنطن في إيجاد صفقة مرضية حول كركوك لكل الأطراف بعيداً عن الاندفاعات الإسرائيلية الجنونية.
الأجندة الأميركيةفي طابعها العام بعد فشل ضغوطها على القادة العراقيين للتوصل إلى تسوية تسمح بإجراء انتخابات مجالس المحافظات كخطوة أولى تدعم العملية السياسية تمهيداً لإجراء انتخابات عامة لم تخفي خشيتها من أن تستغل الجماعات المسلحة مثل القاعدة والميليشيات الشيعية الجدل المحتدم حول كركوك لتنفيذ مخططات تضر بالمكاسب الأمنية المتحققة مؤخراً حسب زعمها.
كما أن واشنطن تدرك بأن انفصال كركوك وضمها لكردستان من شأنه فتح أبوب من التوتر والانقسام هي في غنى عنها حالياً ، كما أنها ليست في وارد التضحية بثروات كركوك وليست لديها الرغبة في خسارة تركيا وما بينهما تحاول الإمساك بخيوط اللعبة السياسية وهو ما يحتم عليها امتلاك أوراق ضغط إضافية لاستغلالها في الوقت المناسب خصوصاً كركوك الورقة الرابحة في المستقبل القريب والبعيد تجاه تركيا وسوريا وإيران.
إذن فهي تعتمد استراتيجية كسب الوقت إذ الملاحظ أنها عندما تتصاعد الأزمات تقوم باختيار الحل المناسب لمصالحها الخاصة وتحاول تطبيقه وإذا كانت معطيات الواقع لا تقبل ذلك تسعى إلى تغييره وتطويعه وهو المنهج المتبع حالياً حيال ملف كركوك القائم بصورة أساسية على: تأجيل الاستفتاء حولها لإرضاء أنقرة..و تأجيل العملية العسكرية لإرضاء أربيل وجعلها تقبل بتأجيل الاستفتاء على أمل إجرائه لاحقاً.
ومن ثم الحيلولة دون وقوع صراع عربي- كردي- تركي من خلال سيطرة الجيش الأميركي مؤخراً على كل الجسور والممرات الموجودة في كركوك كمقدمة للسيطرة عليها وصولاً إلى خلق واقع جديد يمكنها من استخدام ملف كركوك في المساومات السرية مع أنقرة والزعماء الأكراد والعرب مصحوباً بخطوات ميدانية متسارعة من أجل بناء قاعدة عسكرية جوية في كركوك هي الأهم والأكبر من نوعها في الشرق الأوسط ودفع الشركات الأميركية لتوقيع المزيد من عقود احتكار حق تنقيب وحفر وتوزيع وبيع نفط كركوك.
كلها في نهاية المطاف تقود إلى خلق واقع جديد في هذه المنطقة المنكوبة بحيث لا يكون أمام الأطراف المتصارعة سوى تقديم المزيد من التعاون لواشنطن من أجل الحصول على نصيب أكبر من كعكة كركوك وربما الفتات كون الجزء الأكبر قد أضحى في جيب الشركات الأميركية والإسرائيلية.------------------------------المصادر- تيلي أمين- محامي كردي، كركوك.. مدينة التعايش السلمي، جريدة الزمان العراقية، 13 أيار/ مايو 2004.- رشيد الخيون، كركوك.. رفقاً بالفلك المشحون، جريدة الشرق الأوسط، 30 تموز/ يوليو 2008.- د. مصطفى اللباد، الصراع على كركوك بين التاريخ والمصالح، موقع جريدة الجريدة.- عماد الدبك، الصراع يحتدم في العراق للحصول على نصيب أكبر من كعكة كركوك، موقع شبكة البصرة، 29 كانون الثاني/ يناير 2008.- أكراد العراق: الدستور مقابل المادة 140، الأخبار اللبنانية، 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2007.- العراق: الصراع على كركوك يعرقل إجراء الانتخابات المحلية، موقع بي. بي. سي، 3 آب/ أغسطس 2008.- محمد أمين، كركوك: برميل بارود يشتعل، موقع مفكرة الإسلام، 6 أيار/ مارس 2007.- الجمل، صراع الذئاب على بقرة كركوك الحلوب، موقع أحرار سوريا، قسم الدراسات والترجمة.- سعد محيو، كركوك أولاً.. كركوك أخيراً، الكفاح العربي، 9 آب/ أغسطس 2008.
هذا المقال من قبل صوت العروبة
http://www.arabvoice.com/ رابط هذا المفال:http://www.arabvoice.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=14839

الاحتباس الحراري وشبح الطوفان القادم

بقلم// زيد يحيى المحبشي/ صوت العروب، واشنطن 28 أبريل 2009
منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين تحول الأوزون من مجرد غاز يوجد في الغلاف الجوي بكميات قليلة إلى مشكلة مؤرقة إثر اكتشاف العلماء أن المعدل الطبيعي لتركيزه في الغلاف الجوي قد أصبح معرضاً للخطر وتحديداً عام 1985 عندما عُثر على ثقب فوق القارة القطبية الجنوبية قطره نحو 9 كم نتيجة انخفاض كثافة الأوزون عن معدله الطبيعي بنحو 50 في المائة.
وفي مطلع التسعينيات برزت على السطح مشكلة أخرى أكثر خطورة هي الاحتباس الحراري، تاركةً بصماتها في سلسلة من الكوارث الكونية المتسارعة, والفيضانات المدمرة كنتيجة طبيعية لتأثيراتها المختلفة في حدوث الانفلاتات والانقلابات المناخية العنيفة وغير المسبوقة المهددة حاضر البشرية ومستقبلها.إذن نحن أمام ظاهرة رغم ما يلفها من غموض وجدل علمي وسياسي، إلا أن الجميع بات مقتنعاً بأنها تفوق في خطورتها وحجمها أي مشكلة أخرى تهدد العالم، بل وتفوق مشكلة الإرهاب الدولي حسب السير ديفيد كينج كبير مستشاري الحكومة البريطانية العلميين.
ومن المتوقع صيرورة الاحتباس ابتداءً من العام المقبل أكثر جلاءً من خلال تسجيلها درجات حرارة قياسية بعد أن خضعت في العامين الأخيرة لظواهر طبيعية موازية خفّفت من حدتها ما جعل منها قضية القرن بامتياز، مدشنةً بذلك مرحلة انتقالية جديدة من صراع الإنسان المعاصر مع بيئته.
والمثير رغم تحذيرات العلماء من عواقبها الوخيمة، وتصدرها اهتمام المحافل الدولية، انسحاب العديد من الدول وفي مقدمتها أميركا من اتفاقية كيوتو الخاصة بحماية البيئة العالمية والمطالبة بخفض الانبعاث المتسبب في الاحتباس الحراري بحلول العام 2012 بنحو 7 بالمائة عن مستوياته لعام1990، فهل يعني هذا أن زمن وفاق قوى الطبيعة مع الجنس البشري قد انقضى بلا رجعة، وأن الإنسان أصبح عدو محيطه بل وعدو نفسه الأول.
إن ما نعايشه من قيظ قاس وبرد قارص وفيضانات غامرة وجفاف حارق وأعاصير جامحة وحرائق غابات مهلكة وغيرها من الظواهر العنيفة والفجائية والخارجة عن سياقاتها التاريخية تشير إلى أن التفسير الوحيد لكل هذه الفوضى والعذابات هي بفعل احتباس الحرارة داخل غلاف الأرض الجوي و سخونة سطحها بصورة غير اعتيادية كنتيجة طبيعية لممارساتنا الخاطئة والجائرة الدافعة ببعض النظم البيئية إلى إعلان الحرب علينا بعد طول مهادنة في القرون السابقة لعصر الثورة الصناعية
الاحتباس الحراري، دفيئة الأرض، الاحترار العالمي، التغير المناخي،  الصوبة - البيوت - الزجاجية الحرارية، مسميات لقضية واحدة هي ارتفاع درجة حرارة الأرض عن معدلها الطبيعي – اختلال التوازن البيئي- نتيجة انبعاث الملوثات في الجو سواء كانت ملوثات طبيعية كالبراكين وحرائق الغابات والملوثات العضوية أو غير طبيعية بسبب نشاط الإنسان واحتراق الوقود الأحفوري كالنفط والغاز الطبيعي والفحم المؤدي بدوره إلى الارتفاع التدريجي لدرجة حرارة الطبقة السفلى من الغلاف الجوي بصورة ملحوظة ومتنامية،
 وبمعنى أقرب للفهم: ارتفاع درجة الحرارة في بيئة ما نتيجة تغير في سيلان الطاقة الحرارية من البيئة وإليها حيث تقوم الغازات الدفيئة بالقسط الأكبر من مهمة حبس الأشعة المنبعثة من سطح الأرض وعدم السماح بتسريبها إلى الفضاء الخارجي ما يؤدي إلى حدوث الكثير من التغيرات المناخية الكارثية.
ومعلوم أن الغلاف الجوي أحد أهم ما يميز كوكبنا عن كواكب المجموعة الشمسية الأخرى، ولذا فوجوده وثبات مكوناته يعني استمرار الحياة المتعارف عليها، والعكس في حال شهدت هذه المكونات بعض الإضافات أي اختلال المعادلة البيئية المعتادة كالحرارة والرطوبة والضغط الجوي وأنماط الرياح والمتساقطات المطرية بما لها من تأثيرات هائلة على الأنظمة الحيوية الطبيعية برمتها.
الغلاف الجوي:
غلالة شفافة تحيط بالأرض وتحفظها وتؤمن استمرار الحياة فيها، ويتكون من عدة غازات منها: النيتروجين (الآوزت) بواقع 78 في المائة من الغلاف الجوي حسب الحجم , الأوكسجين 21 بالمائة ,الغازات الخاملة 0.09 بالمائة ,الأرغون 0.93 بالمائة.
غازات الدفيئة: أقل من 1 بالمائة إلا أن زيادة تركيزها ونسبها منذ بدء الثورة الصناعية (1750م) بات يشكل خطراً حقيقياً على المعادلة المناخية الأرضية.
مكوناتها:
 ثاني أكسيد الكربون: يشكل نحو 0.035 من حجم الغلاف الجوي
 ومع ذلك فهو المتهم الرئيسي في سخونة الأرض بسبب تزايد النشاط الإنساني بعد الثورة الصناعية وتزايد كميات الملوثات المنبعثة عنه ما أدى إلى زيادة متوسط تركيز ثاني أكسيد الكربون في الجو من 275 جزء إلى 380 جزء بالمليون بزيادة 25 بالمائة سنوياً بفعل إزالة وقطع الغابات – مغسلة الكربون – والشعب المرجانية.
وإذا ما استمر هذا الارتفاع بصورته الحالية سيرتفع تركيزه مابين 460 – 560 جزء بالمليون بحلول العام 2100م والأخطر من هذا أن معالجته قد تحتاج إلى قرون.
- الميثان : هو الأخر زاد تركيزه الضعف من 70 جزء إلى 1760 جزء بالمليون بفارق سنوي قدره 0.9 جزء بالمليون ومعدل بقائه في الجو 10 سنوات.
- أكسيد النيتروز: زاد تركيزه من 270 جزء إلى 316 جزء بالمليون بفارق 18 بالمائة عن متوسطه قبل الثورة الصناعية ومعدل بقائه في الجو عشرة آلاف عام.
- مركبات كلوروفلورو كربون : وهي لم تكن موجودة قبل الثورة الصناعية وتكمن خطورتها في خلخلة طبقة الأوزون في حين يزداد تركيزها بواقع 4% سنويا وتحتاج معالجتها إلى 50 - 100 عاماً.. وغيرها من الغازات المتسببة في رفع درجة حرارة الأرض واختلال المعادلة المناخية القائمة على تساوي معدل ما تكتسبه الأرض من طاقة شمسية لما تفقد بالإشعاع الأرضي إلى الفضاء والذي يعني ثبات الاتزان ومعدل حرارة سطح الأرض عند مقدار ثابت هو 15 درجة مئوية،
إلا أن ما حدث بعد ظهور الثورة الصناعية هو تسارع وتيرتها بفعل تجاوز نسب الغازات الدفيئة لمستوياتها الطبيعية الثابتة منذ آلاف السنين، نتيجة زيادة الانبعاثات الملوثة للهواء والمتوقع تجاوز الزيادة لنسبتها الإضافية مع حلول العام 2010م معدل 5.2% عما كانت عليه عام 1990، وهي زيادة فاقت ما يحتاجه الغلاف الجوي للحفاظ على درجة حرارة سطح الأرض ثابتة، ما أدى إلى زيادة مماثلة في درجة حرارة الأرض توازي الزيادة المطردة لتلك الغازات، مما تسبب في حدوث الكثير من الكوارث غير المسبوقة، أي تحولها من نعمة صالحة إلى نقمة طالحة.
ومعلوم أن الطبقة الداخلية للغلاف الجوي بفعل هذه الغازات أضحت محاطة بطبقة عازلة أخرى من الغازات الدفيئة تقوم بعمل زجاج الصوبة مسببة بذلك الاحتباس الحراري المؤثر بدوره على الدورة العادية لتحرك التيارات الهوائية حول الأرض والأمواج في البحار والمحيطات واضطراب مساراتها بما ينذر بكارثة طوفان ثانية حتى ولو تمكن الإنسان من إيقاف كافة الانبعاثات الملوثة للجو اليوم فستظل تأثيراتها المتبقية من النشاطات الإنسانية خلال ال150 عاما الماضية قرونا طويلة قبل أن يتمكن الإنسان من السيطرة على تغيير المناخ.
الظواهر المرتبطة بالاحتباس
 بعيدا عن الجدل العلمي المحتدم حول علاقة الاحتباس الحراري بالكوارث البيئية التي نعيشها والتي لا زالت في رحم الغيب وما إذا كانت أسبابها طبيعية أم غير طبيعية تقع على الإنسان مسؤولية كبيرة منها بفعل تزايد الاستهلاك غير الرشيد والمضر بالبيئة وتقلباتها الحاصدة سنويا نحو 150 ألف شخص ناهيك عن الآثار والتداعيات الأخرى العاجزة حتى الآن أرقى الكمبيوترات تطوراً عن التنبؤ بنتائجها البعيدة المدى.
الظواهر المسجلة خلال القرن الماضي
- ارتفاع مستوى المياه في البحار من 0.3-0.7 قدم وارتفاع حرارتها بواقع 0.06 درجة لكل ألف متر سطحية.
- زيادة ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض بين 0.4- 0.8  درجة مئوية والهواء بمعدل  1.2 درجة سلزيوس.
- زيادة مواسم الشتاء دفئا وقصر فترتها واخذ الجليد في القطبين وفوق قمم الجبال في الذوبان بشكل ملحوظ وحدوث أعاصير في أماكن لم تكن متوقعة وظهور ما يسمى بالعنف المطري..الخ.
الظواهر المحتملة على المدى البعيد
تخلص البحوث العلمية والتقارير الدولية من خلال قراءتها لما يجري من تقلبات مخيفة إلى وجود الكثير من الآثار المتوقعة والمرجحة جراء ارتفاع الحرارة البسيط والمتوسط بفعل زيادة الغازات الدفيئة ما لم تتدخل القدرة الإلهية في إعادة التوازن الطبيعي إلى دورته العادية، وهي وإن كانت تنبأت استقرائية إلا أنها باتت مجمعة على أن الطوفان بدأ يطلّ برأسه من جديد لعدت مؤشرات منها اختصارا:
1- زيادة معدلات البخر وكميات السحب وتغير توزيعها ونسب وتوقيت سقوط الأمطار والضغط الجوي ومسارات الرياح السائدة، وكلها تؤدي إلى الجفاف والتصحر في مناطق دون أخرى ونقص الموارد المائية ومياه الشرب في بعض المناطق ونماءها في مناطق أخرى والمتوقع أن يصل عدد المعانيين من نقص مياه الشرب بحلول العام 2050م ما بين 5- 8 مليار إنسان واختلال تركيبة المحاصيل الزراعية وتراجع خصوبة الأرض وتفاقم التعرية وانتشار الآفات المرضية وتغير خريطة الإنتاج الغذائي ما يعني حروب ونزاعات إقليمية ضحيتها الأولى الدول الفقيرة.
2- ذوبان أجزاء كبيرة من الثلوج المتراكمة ما يودى إلى ارتفاع مستوى البحر 9 أمتار، وبالتالي غرق الكثير من الجزر الساحلية والمدن المنخفضة وحدوث الانهيارات الصخرية والجليدية وانقراض نحو 20% من الكائنات البرية وذوبان نحو ثلاثة أرباع الثلوج في حلول العام 2050 وتجاوز الخسائر المالية مع حلول العام 2080 أجمالي الناتج المحلي العالمي الأخطر من هذا تجاوز زيادة حرارة الأرض 10.5 درجة بحلول العام 2100 وهي زيادة لم يشهدها تاريخ الأرض منذ عشرة آلاف سنة.
في ظل هذه المعطيات وما تبعها من إجراءات وقائية للحد من انبعاثات الملوثات لازالت رهينة الدول الكبرى وفي مقدمتها الصناعية خصوصا أميركا باعتبارها الباعث الأكبر لهذه السموم في حين أن الحل الوحيد والأكثر فاعلية متمثلاً في العودة إلى الفطرة الإنسانية الأولى المتجسدة في تقليص اعتمادنا على النفط كمصدر أساسي للطاقة غير المتجددة، والاستعاضة عنها بالطاقة المتجددة كالشمس والهواء والأمواج والكتل الحيوية وهي مصادر فاعلة وموثوقة وتحترم البيئة ولا تتطلب منا أي تنازل، بل من شأن ذلك دفعنا نحو عصر جديد من الازدهار الاقتصادي وفرص العمل والتطور التكنولوجي والحماية البيئية.

هذا المقال من قبل صوت العروبةhttp://www.arabvoice.com/ رابط هذا المفال:http://www.arabvoice.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=14745

أجندة الانسحاب الامريكي من العراق


, 08 أبريل, 2009 م
الرابط : جرحنا في العراق
بقلم// زيد يحيى المحبشي
أميركا، اليوم ليست أميركا بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 مباشرة، عندما بدأت القوة العظمى الوحيدة الثأر والحروب الاستباقية لتغيير الأنظمة
الرابط : جرحنا في العراق بقلم// زيد يحيى المحبشيأميركا، اليوم ليست أميركا بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 مباشرة، عندما بدأت القوة العظمى الوحيدة الثأر والحروب الاستباقية لتغيير الأنظمة، ونقل المعركة إلى أرض (العدو)، فيما هي اليوم تريد خصخصة الحروب والجيوش التي باتت تكبلها بتركة اقتصادية ثقيلة, على وقع شظايا العراق وأفغانستان, المكبدة الخزينة الأميركية 140 مليار دولار سنوياً, ناهيك عن إفساحها المجال لبروز قوى إقليمية ودولية، لم يعد بالإمكان تجاوزها لحلحلة العقد الشرق أوسطية المستعصية.
أجندة أوباما اليوم, تأتي في سياق محاولة إعادة الإمساك بخيوط المبادرة, أملاً في الخروج من المستنقعات المتشظية التي فجرتها إدارة بوش، وإنقاذاً لسمعة بلاده المنهارة عالمياً, واقتصادها المتداعي, وفق رؤية جديدة لإعادة إنتاج صناعة الحروب, بصورة تضمن تقليص حجم الخسائر المادية والمعنوية, وإعادة ترتيب الأولويات, في وقت يعتقد فيه أن جوهر المشكلة كامِنٌ في الأزمة الأفغانية, بعد أن كانت الأزمة العراقية تحتل المرتبة الأولى في عهد سلفه, ما يعني نقل الملف العراقي إلى ذيل القائمة بعد الأزمة المالية وأفغانستان.
خطة أوباما للانسحاب الأحادي الجانب من العراق, المعلنة في 27 شباط/ فبراير الفائت, أثارت الكثير من التساؤلات, عن كيفية الانسحاب وتداعياته والدور الأميركي المستقبلي في هذا البلد, وسط تصاعد التحذيرات مما ينتظره بعد الانسحاب, والذي لا يقل خطورة عن الكوارث التي جلبها الاحتلال للعراق وشعبه, في وقت لا يزال فيه مُعرضاً أكثر من ذي قبل للتفكك والانهيار الأمني, وعودة شبح الاحتراب الطائفي والمذهبي, في ظل غياب المعالجات السياسية الجوهرية, بما فيها من إشكاليات سياسية ودستورية, وتخندقات حزبية وطائفية, وتداخلات إقليمية ودولية, فضلاً عن نظام سياسي غير مستقر, وإرباك وقطيعة بين أطراف يمتلك كل منها القدرة على قلب الطاولة.موقع عرب أونلاين في تقرير له مؤخراً, نقل عن عدد من مسئولي إدارة أوباما, صدمتهم من حجم الفوضى التي خلفها إسقاط النظام العراقي السابق, والتي كانوا يعتقدون قدرتهم على التحكم فيها, وإحسان توظيفها, إلا أنها ارتدت عكسياً على قواتهم, وحولت العراق إلى ملتقى للتداخل الإيراني والتركي والإسرائيلي, فضلاً عن تمركز القاعدة التي عولمت المواجهة, وأفقدت السياسة الأميركية جدواها لأسباب عديدة منها:
وجود عملية سياسية مشوهة, جمعت في جعبتها فُرقاء لا مشترك بينهم, سوى محاولة ملء الفراغ, فأغلبهم بلا تجربة وتسيطر عليهم الانتماءات الطائفية والتجاذبات الخارجية والعراق آخر ما يمكن التفكير فيه, وحصر الاحتلال مناوراته السياسية على أطراف هذه العملية.. إذن فهي أطراف لا يمكن أن تضمن لأميركا انسحاباً مشرفاً, ولذا فالحل يقتضي قناعة أوباما بأن المهمة فشلت عسكرياً واقتصادياً وثقافياً, وأن الاستمرار مضيعة للوقت, ثم البحث عن الطرف الحقيقي الذي يضمن الانسحاب المشرف, وهذا يتطلب إحداث تغييرات سياسية واقتصادية وثقافية كبيرة في أميركا وأكثر منها في العراق.
إدارة أوباما العاجزة حتى الآن, عن إدعاء النصر أو الاعتراف بالهزيمة, إكتفت بالتأكيد على أن الأهداف يجب أن تُنجز, كونها أهداف مشتركة بين الشعبين العراقي والأميركي, وهي (عراق ذو سيادة, ومستقر, ومعتمد على نفسه), والاعتراف بأن العنف سيتواصل, كجزء من حياة العراقيين اليومية, وأن هناك أيام صعبة تنتظر الجميع، وهو مايثير الشك عن مدى الجِدية لترك هذا البلد الملتهب والمحتقن بالأزمات المتناسلة لشعبه, فعلاً, لا قولاً, وإنهاء الحرب عليه بطريقة مسئولة؟.
المضامين الانسحاب الجزئي بنهاية حزيران/ يونيو 2009 من المدن, وإعادة التموضع في ضواحيها, لملاحقة المسلحين خارجها, وبقاء قوات أميركية قليلة داخلها, لتقديم المساعدة والدعم للعمليات التي يقوم بها العراقيون..الانسحاب الكلي في 31 آب/ أغسطس 2010 كأقصى موعد لإعلان إنتهاء العمليات القتالية للقوات الأميركية.. الإبقاء على نحو 35 - 50 ألف جندي أميركي بعد عام 2010, للقيام بمهمات تستهدف الإرهاب والتمرد, وحماية مشاريع الإعمار المدنية والاستثمارات الدولية, وتدريب وتأهيل القوات العراقية الجديدة وتزويدها بالمعدات الحديثة حيث تم رصد نحو20 مليار دولار لهذا الغرض .. تغيير مسمى القوات الأميركية من محاربة إلى مساندة وداعمة.
الخطة في طابعها العام, حوت الكثير من ملامح عدم الانسحاب, فهي رغم عدم إشارتها إلى جدول زمني محدد للانسحاب, أو مذكرة التفاهم الأمني التي وقعها بوش قبل رحيله, أو الالتزامات الأميركية تجاه العراق, إلا أنها تذهب إلى أبعد من ذلك, عندما أكد أوباما أن قواته لن تعمل في العراق كشرطة, أي أن القوات المقرر بقاؤها بعد الانسحاب الكلي, ستظل القوة الفعلية, بدلالة عدم تضمين الخطة سحب الوحدات الجوية وسلاح الجو, بمعنى مزاولتها المهمة ذاتها عند بداية الاحتلال, طالما وأنها تحتكر لنفسها كافة أنواع الأسلحة, وتُحرم منها ما تسميه قوات الأمن والجيش العراقي الجديد المكلف بمهام هي أصلاً من مهام الشرطة.
وبذلك يكون أوباما, قد إختار السير على خط سلفه, مضيفاً بطريقة أو بأخرى الشرعية الأحادية على قرار غزو العراق, وبإختصار حسب وول ستريت "أوباما يثبت صحة موقف بوش".
أميركياً, هناك من يعتقد بأن الخطة تمتلك فرصة جيدة للعمل, كون الهدف منها: وضع جميع أطراف الصراع في العراق أمام استحقاقات جديدة, والإكتفاء بتقديم النصح والمساعدة.. فيما يرى أخرون أنها لم تنهي شيء, بل يمثل توقيت إعلانها بوابة خلفية لإعادة تنظيم الأولويات العملياتية للبنتاجون, حيث تتطلب المرحلة أولوية الحرب على أفغانستان, دون توقف مشروع احتلال العراق, ودون تغير الهدف عما كان عليه في عهد بوش, وهو تغيير الأنظمة السياسية في أفغانستان والعراق إلى أنظمة موالية, لحراسة منطقتين إستراتيجيتين, تضم أهم احتياطات النفط العالمي.. ولذا يرى البنتاجون أن الانسحاب من العراق, سيتركه مكشوفاً خصوصاً وأنه حالياً, يمثل منصة الاحتلال للتحكم في الخليج, المختزن 62 بالمائة من احتياط النفط العالمي, بعد سحب القواعد الأميركية من السعودية, وعليه فمحركات الخطة إعادة الانتشار بين أفغانستان والعراق, في إطار توجه أوباما لزيادة قواته في الأول بنحو 30 ألف جندي خلال العامين المقبلة, لتعزيز قدرة الـ31 ألف جندي أميركي الموجودة هناك, بينما تستمر الحرب الطويلة إلى مالا نهاية.. لكن توماس ركس يرى " أنها لن تكون بأفضل مما كانت عليه في عهد بوش, لأن الحرب ستغير من أوباما أكثر مما سيغير أوباما في العراق".
السيناريوهات ربط الانسحاب بضرورة الانسجام مع استراتيجية الوجود الأميركي, وربط جدولته وتسريعه أو بُطئه بموقف قادة الإحتلال الميدانيين, حقيقة غير قابلة للنقاش, وهو أمر في غاية الخطورة، فاستراتيجية الوجود تمثل اعترافاً عملياً بالمذكرة الأمنية, التي كان أوباما يرفضها, ولم تتم إجازتها في الكونجرس,أي أن العمليات ستستمر بعد الانسحاب إلى أمد بعيد, وأن أوباما ماضٍ قُدماً في تنفيذ مشروع القواعد العسكرية الدائمة الـ50 ,وهناك اتصالات جارية لاستكمال قاعدة اربيل, وهي واحدة من أربع قواعد رئيسية كبرى: قاعدة بلد في الوسط, وقاعدة السعد في الغرب, وقاعدة الجنوب لم تحدد بعد, فيما ستكون بقية القواعد فرعية مساندة.
المناورة مع القادة الميدانيين, رغم العلم المسبق أنهم بالإجماع من معارضي الانسحاب,في حين تشير المعلومات إلى أن استراتيجية صقور إدارة أوباما تقوم في الأساس على:- الاحتفاظ بالمسرحين العراقي والأفغاني: بحيث يتم تهدئة الأول وإشعال الثاني وصولاً إلى إعادة إشعال الأول بعد إعادة تهدئة الثاني.- الاحتفاظ بخطين متوازيين للجهد العسكري الأميركي: يبدأ الأول من الخليج العربي مروراً بالعراق وتركيا ومناطق القوقاز والبلقان, على امتداد طولي محاذي لغرب إيران.. والثاني يبدأ من الهند مروراً بباكستان وأفغانستان وصولاً إلى آسيا الوسطى, على امتداد محاذي لشرق إيران.- المناورة السياسية: على الخطوط الداخلية, ففي الحالة العراقية الالتزام بالمذكرة الأمنية والمشاورة مع القادة الميدانيين, والحرب على الإرهاب, وبوصلة العنف, والتجاذبات السياسية.. وعلى الخطوط الخارجية من قبيل إرسال القوات الأميركية إلى أفغانستان والإبقاء على مسار بوش فيما يتعلق بمطالبة إيران وسورية بلعب دور فعَّال في العراق وتحميلهما مسؤولية عدم الاستقرار.
واقعياً, نحن أمام عدة مؤشرات لقياس المخاطر المترتبة على أي خطوة جدية للانسحاب من العراق, كلها تصب في خانة التأكيد على أنها مجرد شعار داخلي للترويج، وأن إدارة أوباما ليست في وارد ترك العراق لشعبه,منها على سبيل المثال:- أن الأنسحاب سيمنح إيران, الإحساس بالقوة, ونشوة النصر, ما يعني زيادة نفوذها, وتقوية الأطراف الموالية لها بالعراق، وتعزيز التيارات المناهضة للمشروع الأميركي بالمنطقة, وزيادة احتمالات تهديد أمن إسرائيل, وتعزيز نظرة الإسلاميين وقدرتهم على الوصول إلى الحكم واستهداف المصالح الأميركية حول العالم.واللافت هنا وجود سيناريو أميركي, جرى العمل به خلال العامين الأخيرة, في إطار صفقة إقليمية كبرى, لإعادة صياغة المنطقة قبل الانسحاب, محركاته إعادة صياغة قاعدة توازن الرعب والقوة في العراق, وأدواته دفع المالكي إلى تجريد الميليشيات من سلاحها, مصحوباً بتزويد الاحتلال الجماعات السنية بالسلاح كمجالس الصحوة, وإجرائه اتصالات غير مباشرة مع رغد صدام حسين, للتأكيد على أن المستهدف هو نظام صدام السابق, وليس حزب البعث, وبموازاة ذلك تحركات أخرى, لإعادة توحيد البعث العراقي مع السوري, بعد حصول الأول على الشرعية, والتي كان لعزة الدوري دور محوري فيها, كما في تأسيس الصحوة, في وقت يعتقد فيه الاحتلال أن الحسم العسكري لم يعد ممكناً بدون الحوار, فيما تعتقد قوى الاعتدال بالمنطقة, أن إحياء الفكرة القومية العربية, أصبحت الملاذ الأخير ضد الهيمنة الإيرانية المتصاعدة بالعراق, وفي هذا السياق يمكن فهم الضغط على المالكي لاستيعاب الصحوة, وفتح قنوات تواصل مع أعضاء البعث والنظام السابق, إلا أن شعوره بوجود مؤامرة تهدد إستمراره في الحكم, دفعه نحو التراجع, واندلاع المواجهات مع الصحوة, في حين لا تزال المصالحة الوطنية التي لم يُبد الاحتلال أصلاً أي اهتمام بها منذ اليوم الأول للغزو تراوح مكانها, ما يعني وجود مخطط لتحويل العراق إلى نموذج تقليدي فاشل في نظر أبناء المنطقة, وجعله وقوداً للمنازلة الكبرى مع إيران, خصوصاً وأن الاحتلال لم يأتي للعراق لينسحب منه, وإنما لجعله قاعدة انطلاق لتقسيم المنطقة وتقوية نفوذ إسرائيل بين ظهرانيها.
- وضع الحكومة العراقية أمام استحقاقات جديدة, فيما يتعلق بحفظ الأمن, الذي لا يزال هشاً باتفاق الجميع, رغم تسلمها الملفات الأمنية الشكلية لـ 13 مدينة, و5 أخرى يتم تسلُّمها خلال العام الجاري, إلى جانب القصر الجمهوري والمنطقة الخضراء و15 موقعاً عسكرياً, وسط تشكيك بعض المراقبين في قدرتها على تحمل المسؤولية, ناهيك عن تطلب جيشها الجديد الذي لا تتعد قدرته القتالية 10 بالمائة, سنوات من الجهد المتواصل حسب كوردسمان, كي يكون جاهزاً لمواجهة تطورات المستقبل,كونه في شكله الحالي انعكاس حرفي لمنطق الانقسامات الاثنية والتنافسات الحزبية والميليشياتية.وهنا يأتي دور السيناريوهات البديلة لمرحلة مابعد خفض الاحتلال قواته وركائزها "القواعد, السفارة, المرتزقة":- الدور المحوري سيكون للسفارة الأميركية ببغداد – تم إفتتاحها رسمياً في نهاية العام الماضي - في رعاية وقيادة مشروع الاحتلال, وبالمناسبة فهي تمثل صورة فاضحة لمنجزات الاحتلال إذ تتجاوز مساحتها 5 آلاف متر مربع وتضم 21 بناية محصنة ومزودة بكافة مستلزمات الحياة, ويعمل فيها آلاف الموظفين والمخبرين, أي دولة مصغرة داخل الدولة بكل ما تعنيه الكلمة.
- إعادة إحياء دور المرتزقة لسد فراغ مابعد الانسحاب - عددهم بالعراق في عهد بوش 200 ألف عنصر كانت مسؤولة عن حماية موظفي الاحتلال واستخباراته والامدادات العسكرية والغذائية والسفارة- في إطار التوجه نحو خصصة الحروب والجيوش, وتطوير صناعة الحرب لتصبح أكثر ربحاً, خصوصاً وأن المرتزقة وفق مذكرة التفاهم, يتمتعون بالحصانة القضائية ضد قوانين العراق, ولا يتم إخضاعهم للإدعاء والمحاكمة في بلدانها حسب القرار الأميركي 17عام, ولا يُعلن عن قتلاها, ما يخفف من حجم الخسائر الأميركية, ويقلل من فاعلية المقاومة العراقية إعلامياً.. ولذا كان أوباما شديد الحرص على مصاحبة الإعلان عن خطته بتوقيع عقدين مع شركة "بلاك ووتر" بقيمة 92 مليون دولار والاكتفاء بتغيير إسمها إلى "إكس أي", دون أن يلقي بالاً لما إرتكبته من جرائم بالعراق في عهد بوش, ما دامت وأمثالها ستحقق النهاية السعيدة لبلاده بعد ست سنوات عجاف من سقوط بغداد في 9 نيسان/ إبريل 2003.. إذن فالعراق على موعد مع نوع جديد من الجيوش, ونوع جديد من الإستعمار.

العراق ( الجديد) الى اين ؟


14 أبريل, 2009 -
الرابط : جرحنا في العراق
بقلم// زيد يحيى المحبشي
ست سنوات مرت حتى الآن من تاريخ "العراق الجديد", وتحديداً منذ بدء الحرب الأميركية عليه في 20 آذار /مارس 2003 وسقوط نظامه
الرابط : جرحنا في العراق بقلم// زيد يحيى المحبشيست سنوات مرت حتى الآن من تاريخ "العراق الجديد", وتحديداً منذ بدء الحرب الأميركية عليه في 20 آذار /مارس 2003 وسقوط نظامه في 9 نيسان/ ابريل 2003، تحت ذرائع شتى أثبتت الأيام عدم صحة أي منها, مخلفةً بذلك صورة كارثية لم يعد فيها المقياس الزمني مُجدياً, حتى أن بعض العراقيين يجزمون بأن حالهم بات أسوأ مما كانوا عليه تحت حكم النظام العراقي السابق، فهم اليوم لم يعودوا محرومين من حقوقهم السياسية فحسب، بل ومن السيادة الوطنية والأمن ومن أبسط ضروريات الحياة, وسط ألغام الطائفية والتطرف الأعمى وغياب الهوية الوطنية لترتفع مكانها هويات الطائفية والمذهب والحزب والعرق.. وهو ما أشار إليه "جون والس" في تعليقه على هذه الحرب المجنونة "لقد جلبنا العذاب والبؤس باسم الحرية".ست سنوات مرت حتى الآن فُتِحَت خلالها بوابات الماضي على مصراعيها مفجرةً في طريقها قضايا طويت منذ ألف عام, ومُحدِثةً اضطراباً حاداً في مفهوم الوطن وقيمة الوطنية واتجاهات الولاء, في بلد شديد التعقيد تتداخل فيه اعتبارات قومية وطائفية ودينية وجغرافية وتاريخية في غاية الحساسية, ما أدى إلى إرساء ذاكرة جديدة فيه, واضعةً أبناءه أمام خيارات لازال معظمها غامضاً وملتبساً, ما يثير التساؤل عما ستؤول إليه الأمور في السنوات القادمة خصوصاً بعد أن كشفت إدارة أوباما في 27 شباط/ فبراير الفائت عن نيتها الانسحاب منه بحلول 31 آب/ أغسطس 2010 دون اعتذار عما خلفته من تداعيات كارثية ثقيلة وهو ما نحاول مقاربة حقيقته في هذه السطور.
حقائق وأرقام رغم ما لف ويلف الحرب على العراق من غموض إلا أن ما تكشَّف من أرقام يوضح حجم المأساة التي إرتكبتها أميركا وبريطانيا في العصر الحديث. الغارديان البريطانية في معرض هجومها على لندن وواشنطن عشِية الذكرى السادسة للحرب أشارت إلى أن "أميركا استخدمت نظاماً استعمارياً قديماً, هو التقسيم الطائفي في العراق، وجلبت للعراقيين الكثير من الدمار والحزن، وجلبت لنفسها خسارة إستراتيجية كبيرة على جميع الصُعد العسكرية والاقتصادية والأخلاقية".إذاعة صوت أميركا في قراءتها للوضع العراقي رأت عكس ذلك، فالعراق يخرج الآن من دائرة العنف الجهنمية، وجميع العناوين الرئيسية القادمة منه إيجابية ناقلة عن لويد اوستن معاون قائد القوات الأميركية بالعراق قوله "نحن قريبون من وضع أمني دائم, لكننا لم نصل إلى ذلك بعد!, ولذا فالتركيز حالياً على تثبيت إستقرار أمني طويل المدى، ولكن يوفره العراقيون أنفسهم!" –كلام جميل ولكن كيف-؟في البيدر العراقي هناك اتجاهان الأول مثله ثلة من مثقفي العراق الجديد, جندت نفسها لإلقاء اللوم على النفس وجلد الذات وتهيئة الرأي العام العراقي للتسليم بأن القسوة متجذرة فيه, ما دفع أبناءه إلى قتل بعضهم البعض, وبالتالي تسابقها في البحث بعين واحدة عن أمثلة القسوة في التاريخ لتعميمها حاضراً ومستقبلاً, وصولاً إلى تأصيل نظرية متكاملة عن تخلف العراقيين وقسوتهم وهمجيتهم لئلا يشعروا بعار التعاون مع الاحتلال.
الكاتب العراقي حازم النعيمي من جهته قال: بأن هناك متغيرا وحيدا هو أن العراقيين الآن يستطيعون رؤية ضوء في نهاية النفق لكن يبدو أن سنوات الاحتلال الست غير كافية للوصول إليه لسبب بسيط حسب الكاتب غسان العطية هو أن "المارد خرج من القمقم والمجتمع العراقي الآن مستقطب بين القوى الطائفية والعرقية" والتي أضحت سيدة الموقف بلا منازع.في حين يرى الاتجاه الثاني أن ما لحق العراق من مأساة كارثية أعادته إلى القرون الوسطى دوافعها استعمارية قديمة متجددة, ومحركاتها النفط وأمن الاحتلال الإسرائيلي, وهو ما نجد حقيقته في اتهام الغارديان الصريح لأميركا باستغلال الدين والطائفية وإثارة النعرات الطائفية, ومن ثم وهو الأخطر دأب الحكومات الأميركية المتعاقبة على استخدام ما يسمى بفرق الموت وسط التضليل الإعلامي والتقليل من أهمية التدخل في شؤون الآخرين وامتهان سيادتهم وتوفير الحماية القانونية للاحتلال ومستخدميه, لغرض تفعيل مهام تلك الفرق, حسب الطلب, وصولاً إلى تحقيق رزمة من الأهداف, بما فيها إبقاء حالة الذعر والخوف خصوصاً لدى المتعاونين للمطالبة بالحماية والبقاء وعدم الرحيل, والتذرع المستمر بهشاشة الأمن, كما صرَّح أوباما نفسه, بعد أن كان قد وعد خلال حملته الانتخابية بالانسحاب الكامل، وفي هذا السياق فقط يمكننا فهم الحديث عن التحسن الأمني المفاجئ مؤخراً وكأن هناك جهات غيبية قد أغلقت صنبور الدم والقتل المنظم في هذا البلد.بلغة الأرقام وهي وحدها الفاضحة لحقيقة التحول المفاجئ في مواقف إدارة أوباما ما يشي بأن مستقبل العراق لم يعد مرهوناً, وهو يدخل عامه السابع تحت الاحتلال, بأفق الحرية فحسب, بل بإمكانية عودته إلى هويته العربية بلداً موحداً بعيداً عن شظايا الطائفية والمذهبية والعرقية والعشائرية, وهو أمرٌ غير بادٍ في الأفق حتى الآن.أكثر من مليون ونصف شهيد أي بمعدل متوسط 150 قتيل عراقي يومياً, ومليون أرملة تحت سن الـ30 عاماً من أصل 3 ملايين أرملة, ونحو مليون ونصف المليون معاق وجريح لم يحصلوا على حقهم من الرعاية, وأكثر من 5 ملايين مُهجر ومُشرد ونَازح, و5 ملايين يتيم, واغتيال أكثر من 350 عالم نووي عراقي, و1200 أُستاذ جامعي في المعارف العلمية المختلفة على يد الموساد, واغتيال ألف طبيب و5500 أكاديمي وعالم ومثقف, وعودة شبح الكوليرا, في ظل معاناة ثلث أطفال العراق من سوء التغذية, ووجود 4 عراقيين من بين كل عشرة تحت خط الفقر, وتعرض أكثر من 400 ألف عراقي للاعتقال والتعذيب بينهم عشرة آلاف امرأة في ظل وجود 26 سجنا رسميا و600 معتقل سري, ناهيك عن حل مؤسسات دولة قائمة وجيش كان يحسب له ألف حساب في المنطقة وتحويل أسلحته إلى خردة يباع الطن الحديد الواحد منها بـ900 دولاً, وضياع 150 بليون دولار تم رصدها لإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الأميركية على مشاريع وهمية على يد نافذين أميركيين وعراقيين تحول معها العراق إلى ثالث بلد على قائمة الفساد عالمياً بعد الصومال ومانيمار, في وقت لازالت فيه بغداد تعيش في ظلال دامس وسط تذكر أبنائها كيف عادت إليهم الكهرباء في غضون أسابيع بعد حرب 1991 رغم الحصار الاقتصادي الشديد حينها.وفي المحصلة،
فالمنجز الوحيد الذي شهده العراق هو ديمقراطية الدم والقتل والفوضى والصراع الطائفي والسياسي وميليشيات الموت والخراب والفساد، وتحول أبناء أغنى بلد بترولي في العالم إلى مهاجرين ومهجرين ومشردين وامتلاء أرجائه بالمقابر.والمفارقة هنا إعدام صدام حسين لقتله نحو 148 مواطنا من بلدة الدجيل عام 1982، وعدم محاكمة الذين أشعلوا حروباً في العراق وأفغانستان وقتلوا الملايين, وهي مفارقة فاضحة لكل دعاوى الحرية والديمقراطية الغربية، فهل ثمة أي مجال يمكن الحديث عنه بصورة فيها بعض التفاؤل والإيجابية؟.على صعيد قوات الاحتلال، رغم التعتيم الشديد فالاعتراف الرسمي يذهب إلى مقتل نحو 4260 جندي أميركي وجرح 32 ألف, في حين تشير إحصاءات المقاومة الوطنية العراقية إلى مقتل 35 ألف جندي أميركي وجرح 53 ألف آخرين بمن فيهم المرتزقة والموعودين بالجنسية الأميركية إلى جانب 310 قتيل من جنود المتعددة فيما تجاوزت تكاليف الحرب 800 بليون دولار.
العملية السياسيةهي الأخرى تشي مفرداتها رغم تعاقب حكومتين أميركيتين مدنية وعسكرية, وثلاث حكومات عراقية بأن الديمقراطية في هذا البلد لازالت مقطعة الأوصال خصوصاً في العامين الأخيرين, لسبب بسيط هو تركيز حكومة المالكي على الملف الأمني باعتباره مفتاح السر لمعالجة الملفات الأخرى العالقة والمهددة بتفجير العراق مستقبلاً, دون موازاة ذلك بمعالجات سياسية جدية وجذرية, خصوصاً فيما يتعلق بالجدل المحتدم حول التعديلات الدستورية والمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار والمناطق المتنازع عليها طائفياً وصلاحيات المركز والأقاليم والصراع على النفط والسلطة ومصير المعتقلين وأعضاء البعث المنحل والمتقاعدين والجماعات المهمشة والمُبعدة عن العملية السياسية وغيرها.
وأخطرها على الإطلاق طبعاً, التوتر الدائر حول كركوك وسط تزايد اهتمام الأكراد بضم أجزاء كبيرة من المناطق النفطية خارج حدود كردستان في الموصل وصلاح الدين وبعقوبة أيضاً.ناهيك عن مشكلة مجالس الصحوة المتفاقمة إثر نقل الاحتلال مسؤولية 90 ألف من عناصرها إلى حكومة المالكي على أن يتم استيعاب 20 ألف منهم في الجيش العراقي الجديد والبحث عن وظائف مدنية للبقية, في وقت دفعت فيه الأزمة المالية العالمية إلى عدم إيفاء المالكي بذلك ومن ثم اندلاع المواجهات بين الطرفين في بغداد في الأيام الجارية والمهددة بالانفجار في ثماني محافظات أخرى.كل هذا ألقى بظلاله على إستراتيجية أوباما للانسحاب من العراق والتي سنفرد لها حلقة منفصلة، وبالتالي ربطها بمدى قدرة العراقيين على تجنب تفجر أعمال العنف مجدداً ونزع فتيل الخلافات السياسية الحادة على النفط والسلطة وسط تصاعد مخاوف خصوم المالكي وبعض حلفائه وأنصار الديمقراطية من دفع نجاحاته في العامين الأخيرين في تكريس قوة القانون التي أدت إلى فوز ساحق لقائمته في الانتخابات المحلية أواخر كانون الثاني/ يناير الماضي والتي أظهرته في موقف القوي الذي لا يتردد في ضرب حلفائه لتكريس مفهوم دولة القانون بعد أن كان غير مرغوب فيه ورفع أسهمه في الشارع العراقي، وبالتالي نجاحه في تحويل حكومته سريعاً إلى وريث لتجربة إحياء دور العشائر في مواجهة قوة الحزب التي أغنتها الإستراتيجية الأميركية.والخوف هنا من تحول زعامة المالكي المتصاعدة إلى ديكتاتورية في بلد جعلته فوضى سنوات الاحتلال مُهيئاً أكثر من ذي قبل لإعادة إنتاجها مجدداً.

هذا المقال من قبل صوت العروبة
رابط هذا المفال:

الامريكتان : بداية جديدة ام هدنة مؤقته ؟


سياسة واخبار
التاريخ: الأربعاء, 13 مايو, 2009
زيد يحيى المحبشي - اليمن
التغيير، التعاون، الشراكة التكافؤية، إتحاد الأنداد، الإنصات والتشاور, التعلم من أخطاء الماضي، الاحترام المتبادل،
الرابط : سياسة واخبار زيد يحيى المحبشي - اليمنالتغيير، التعاون، الشراكة التكافؤية، إتحاد الأنداد، الإنصات والتشاور, التعلم من أخطاء الماضي، الاحترام المتبادل، المصالح والقيم المشتركة.. وغيرها من المصطلحات الرائج تداولها في واشنطن خلال الأشهر الأربعة الأخيرة والتي لم يكن لها أي معنى قبل وصول أوباما المفعم بالأمل والحالم بالتغيير , خلافاً لما درجة عليه الإدارة السابق لجورج بوش الابن.
هذه الروح الجديدة الطامحة إلى تغيير بحر الكراهية المحاصرة القطبية الأميركية الأحادية ليس في حديقتها الخلفية فحسب بل وفي جميع أصقاع المعمورة وإعادة بريق الزعامة والقيادة الذابلة, قد توحي في ظاهرها بحدوث نوع من التغيير النسبي في آليات التعاطي تبعاً لدورة البندول بمفردتيها من التمدد في حالة الاستقرار والتماسك والانكماش في حالة عدم الاستقرار والترهل الداخلي, لكنها في نهاية المطاف, لا تخرج عن مبدأ مونرو فيما يتعلق بسياسة الولايات المتحدة إزاء أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي, ومن ثم تعزيز القيادة الأميركية المتداعية الأركان وإعادة بعثها من جديد, وهو هدف كان ولا يزال في سُلم أولويات الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ الجمهورية الأولى (1823) وحتى اليوم جمهورية كانت أم ديمقراطية باستثناء بعض التغيير في آليات التنفيذ تبعاً لمعطيات الواقع واستحقاقاته.
حقيقة ذلك نجدها في شعار أوباما للتعاطي الخارجي بصورة عامة ومع الجنوب الأميركي بصورة خاصة والمرفوعة هذه المرة تحت يافطة "القوة الذكية" بعد أن كانت في السابق تحت يافطة العصا الغليظة,والتي أضحت المنهج العملي للتعاطي مع اللاتينيين وتحديداً مابعد تأطير الرئيس الأميركي روزفلت (1933- 1945) لمعالمها الرئيسية المستوحاة من المثل الأفريقي "تكلم بلطف، واحمل عصا غليظة، تبلغ مرادك". الأهمية الجيوسياسية التي تتمتع بها أميركا اللاتينية, جعلتها محط اهتمام الأوربيين مابعد القرن 15 ومحور اهتمام الرئيس جيمس مونرو عندما عبّر بصراحة في العام 1823 عن ذلك "أميركا للأميركيين" أي بعد نحو 47 عاماً من استقلال بلاده عن الاستعمار البريطاني في 1776 بهدف التأكيد على الرفض للاحتلال والتدخل الأوربي في شؤون الأميركيتين بينما كان الهدف الحقيقي, الحلول مكان الغرب في استغلال ثروات الأميركيتين والسيطرة الكاملة على قرارها السياسي ,والذي حول فيما بعد تحول الولايات المتحدة من قوة إقليمية إلى قوة عظمى فيما تحولت أميركا اللاتينية إلى حديقة خلفية وإخوان صغار تستخدمهم واشنطن كما يحلو لها ولذلك أسباب أبرزها:
أن أميركا اللاتينية تعد أكبر مورد نفطي أجنبي للولايات المتحدة في العالم والشريك القوي في تطوير الوقود البديل، وأهم الشركاء التجاريين نمواً، وأكبر مصدر للمهاجرين، ولذا فالعلاقة معها تعد جزءاً أساسياً للإستراتيجية الأميركية، وهي القاعدة المتحكمة في علاقة الطرفين على مدى الـ186 عاماً الماضية.إستراتيجية القوة الذكية لإدارة أوباما تقوم حسب هيلاري كلينتون على المزاوجة بين المبادئ والمنهج العلمي أي أنها لن تكون أيديولوجية جامدة تعتمد على الحقائق والأدلة، ولا هي عواطف وانحياز بله أقرب إلى الواقعية العملية بهدف تسهيل تحقيق الأجندة الأميركية الجديدة القديمة المتمحورة حول:- ضمان أمن الولايات المتحدة وشعبها وحلفائها.- تعزيز النمو الاقتصادي وتقاسيم الازدهار داخل وخارج الولايات المتحدة.- تقوية أميركا في القيادة العالمية من باب الشراكة طبعاً.
وفي هذا السياق فقط يمكننا فهم التغيير الدراماتيكي المفاجئة لإدارة أوباما إزاء الدول اللاتينية مؤخراً وليونة المواقف والتخاطب والتعامل وسيل الوعود خلال قمة الأميركيتين الخامسة المنعقدة في جزيرة بورت أوف سبين عاصمة جمهورية ترينيداد وتوباجو في 17- 19 نيسان/ إبريل الماضي وما تخللها من مصافحة ومصالحة ومشاهد أعادة فتح الملفات القديمة الجديدة للعلاقات بين أميركا وحديقتها الخلفية بعد خمسة قرون من نهب ثروات القارة اللاتينية الحلوبة و186 عاماً من السيطرة والتبعية وستة عقود من الصراع بين القوميين المواليين للحظيرة الأميركية واليساريين المتمردين الطامحين إلى الاستقلالية والحرية وعشر سنوات من تزايد موجة الثورة البوليفارية اليسارية.الصورة بمفرداتها المتنافرة والحالمة بحلول السلام والشراكة المتكافئة تضع إمكانية دخول علاقة الطرفين منعطفاً جديداً على مفترق الطرق,خصوصاً وأننا أمام طوفان جارف من انعدام الثقة والعلاقات المخربة والعداء والكراهية المتنامية لأميركا والليبرالية والامبريالية المستعصية حلحلة عقدها على العطار الأميركي الجديد المقر بدوره خلال القمة الأخيرة بالحاجة إلى عقود لإذابة جليد الجمود المتراكم والاكتفاء بالدعوة لطي صفحة الماضي والتطلع إلى المستقبل.
منظمة الدول الأميركيةظهرت أول منظمة إقليمية تجمع بين الأميركيتين في العام 1899 تحت مسمى الاتحاد الأميركي المستبدلة في العام 1948 بمنظمة الدول الأميركية المحتوية حينها 21 دولة أميركية فيما هي اليوم 34 دولة تمثل دول الأميركيتين باستثناء كوبا المستبعدة من عضويتها منذ العام 1962,ورغم مرور 61 عاماً على هذه المنظمة إلا أن بسط واشنطن نفوذها أفرغها من محتواها وحال دون تحقيق أهدافها المتمثلة في:
احترام شخصية وسيادة واستقلال دولها وقيام نظم سياسية ديمقراطية وتجريم الحروب العدوانية وفض النزاعات سلمياً ومراعاة العدالة الاجتماعية واعتبار أي اعتداء ضد دولة أميركية اعتداء على جميع دول المنظمة.وأمام اختراق واشنطن لتلك المبادئ خصوصاً خلال الحرب الباردة صارت المنظمة أداة تنفيذية بيد واشنطن وشرعنة تدخلاتها المتعددة الأوجه في شؤون أعضاء المنظمة والواصل ذروته في 1973 عندما أقدمت واشنطن على إحباط الانتخابات الرئاسية التشيلية كأول تجربة ديمقراطية لاتينية ما ساعد على تفكيك التضامن الأميركي وشل المنظمة كلياً مفسحاً المجال لبروز منظمات إقليمية أخرى بدت أكثر فعالية وحضور خصوصاً بعد انتهاء الحرب البادرة وتنامي الثورة البوليفارية.
ما بعد الحرب الباردة حملت إدارة بيل كلينتون بارقة أمل لإعادة إحياء المنطقة كانت نتيجتها انعقاد أول قمة في 1994 ومن حينها عقدت خمس قمم على مستوى القادة إلا أن ما شهده عهد بوش من إهمال لأميركا اللاتينية بفعل التركيز على حروبه الشرق أوسطية أدى إلى بروز فاعلين دوليين جدد يزاحمون أميركا نفوذها وسيطرتها في فنائها الخلفي وتحديداً الصين في حين اكتفى بوش بإعمال سياسة العصا الغليظة وهو ما أدى إلى الحيلولة دون نجاح قمم المنظمة الأربع والتي كان آخرها في 2005 ليأتي التئام القمة الأخيرة وسط آمال عريضة بإعادة إحياء المنظمة على خلفية وصف أوباما مخرجاتها بالمثمرة رغم تحول كل شيء فيها إلى نوايا حسنة ليبقى الرهان اللاتيني متوقفاً على ترجمة الأجواء الإيجابية والنوايا الحسنة والشعارات الحالمة إلى واقع عملي.
الثورة البوليفاريةسيطرة خلال الحرب البادرة (1947- 1991) على واشنطن هواجس الخوف من انتشار الثورة الشيوعية في جوارها اللاتيني خصوصاً بعد نجاح ثورة فيدل كاسترو في 1959 ومن حينها دأبت واشنطن على محاصرة هذه الثورة ومنع توسعها وإعمال كل الوسائل الكفيلة بوجود قادة موالين لها إلا أن ذلك لم يؤدي إلى فشل محاولات إسقاط نظام كاسترو ومنع الثورة الشيوعية من الانتشار بل العكس تماماً حيث شهدت أميركا اللاتينية تنامياً ملحوظاً في عدد المعتنقين لليسارية وسط تزايد تدخل أميركا وقيامها بإسقاط الكثير من التجارب الديمقراطية الشعبوية اللاتينية.ظهور تشافيز على المسرح اللاتيني أدى إلى بروز ما يسمى بالثورة البوليفارية المبلورة حينها في الرابطة البوليفارية والتي ضمت إلى جانب كوبا وفنزويلا كلاًُ من بوليفيا ونيكاراجوا والهندوراس والدومينيكان وسانت فنسنت والإكوادور وتشيلي وغيرها من الدول التي كانت قبل هذه الثورة مجبرة على تأمين مصالح أميركا والسير في ركابها على حساب دولهم وشعوبهم.
ومن حينها تصاعدت موجة الانتقاد لسياسة واشنطن المصحوب بالنجاح في إيجاد منظمات إقليمية أثبتت فاعليتها وبدأت تنافس دور منظمة الدول الأميركية وأسهمت بفاعلية في تنامي رقعة اليسار وتراجع اليمين الموالي والتحرر من التبعية الاقتصادية وتأميم ثروات بلدانها واستخدام عوائدها في تمويل المشاريع المشتركة وزيادة التبادل التجاري فيما بينها ونسج علاقات اقتصادية بديلة عن واشنطن خصوصاً مع الصين بما مكنها في نهاية المطاف من إحراز نمو بواقع 5 بالمائة وتحديداً في السنوات الخمس الأخيرة وانتشال 40 مليون لاتيني من الفقر المدقع ما جعلها في منأى عن الأزمة المالية العالمية وأكثر تحملاً لتبعاتها إذ اقتصرت تداعياتها على التهديد بتراجع نسبة النمو بواقع واحد بالمائة ما يعني إعادة 15 مليون لاتيني إلى الفقر فقط وهو ما حمل قادتها خلال القمة الأخيرة إلى الإفصاح عن رغبتهم في رؤية واشنطن تتجرع من ذات الكأس.
إذن فالتحرر بعد عقود من التبعية الاقتصادية والطموح إلى التنمية المستقلة وتنويع قاعدة التعامل التجاري مع فاعلين دوليين منافسين لواشنطن كل ذلك يعد بنظر واشنطن خطر مهدد لأمنها الاقتصادي وقيادتها الكونية.الانبعاثة اللاتينية المتصاعدة أتت بالتزامن مع تراجع نفوذ واشنطن في القارة اللاتينية الساعية حثيثاً لاستقلال حقيق يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الندية مع واشنطن ويضع حداً لـ186 من الهيمنة والسيطرة ويُوجد متنفساً للهروب من التخريب والتدخل وحرية أكبر للتبادل التجاري وتنوع الاقتصاديات الوطنية والتطلعات الشعبية والمؤمل سيرورته في المستقبل المنظور بديلاً معادلاً لاتفاقيات مناطق التجارة الحرة الموقعة مع واشنطن تحت الضغط لضمان حقوق المستثمرين الشماليين..أمام تصاعد المطالب بالتخلص من التبعية وردم الهوة الاقتصادية والاجتماعية بين الغالبية اللاتينية الفقيرة والنخبة الثرية والطبقات الحاكمة تقليدياً وتحقيق العدالة وبالتالي مطالبة أوباما بالكف عن دعم بلاده النخب القديمة وتحريك المافيات الاقتصادية والنقابية الموالية إذا كان فعلاً يريد بناء علاقات متوازنة مع الدول اللاتينية وفتح صفحة جديدة معها، خصوصاً وأن هذه الدول أضحت تمتلك خيارات باتت واشنطن مدركة أنها لم تعد تهدد سيطرتها على فنائها الخلفي فحسب بل وسيطرتها على العالم لا سيما بعد تصاعد نفوذ التنين الصيني الخطر القادم البديل.
رؤية مستقبليةصحيح أن القمة الأخيرة قد شهدت بعد المؤشرات الإيجابية من قبيل تخفيف أوباما قيود سفر الكوبيين الأميركيين وتحويل أموالهم إلى كوبا وتوجيه الشراكة الأميركية لاستكشاف أسواق الاتصالات وخدمات الإذاعة والتلفزة عبر الأقمار الصناعية في الدول الكاريبية وإبداء الاستعداد لمحاورة كوبا حول كل شيء شريطة اتخاذ خطوات ملموسة على صعيد الإصلاح الديمقراطي والتحول نحو اللبرلة وهو ما قابلته كوبا بالمثل شريطة أن يكون الحوار على قدم المساواة ولا يمس السيادة الكوبية وفي ذات النسق ظهور بوادر إيجابية أيضاً مع فنزويلا.
لكن هذا لا يعني أن واشنطن واللاتينيين قد أصبحوا سمن على عسل بدلالة عدم تجاوز مخرجات القمة بيع الوعود حول الشراكة والتي من شأنها في حال قبول الدول اللاتينية بها المصادقة العملية على قيادة واشنطن مجدداً للمنطقة بما يحقق في نهاية المطاف هدف واشنطن لمساعداتها على إعادة إنعاش اقتصادها في ضوء التحديات القارية المتناسلة كما أن هذه الرغبة في التعاون ترمي في الأخير إلى جعلها سلماً لتحقيق واشنطن ما عجزت عنه بالقوة خلال الحرب الباردة فيما يتعلق بتغيير الأنظمة المناهضة لها من الداخل وفي مقدمتها كوبا ولذا كان تشافيز جاداً عندما هدد بالانسحاب من الأنظمة الأميركية إذا لم يتم العدول عن تلك السياسة, إذن فأي تحسن في علاقات واشنطن مع الدول اللاتينية متوقف في الأساس على التحسن في العلاقات الكوبية الأميركية.
يأتي هذا في وقت تطالعنا فيه استقراءات الرأي الأميركية بتأييد 70 بالمائة من الأميركيين لتحسن علاقة بلادهم مع كوبا ولعل ذلك ما حال دون توصل القمة إلى توافق كافة دولها على بيانها الختامي لاسيما وأن الملف الكوبي ظل الفتيل المعيق دون أي تقدم أميركي- أميركي لاتيني خلال العقود الخمسة الأخيرة وهو ما دعا تشافيز إلى التأكيد على أن الروح التي أظهرها أوباما يجب أن تنتقل إلى السفارات والمؤسسات من أجل إحتضانها بشكل حقيق، فهل يفعلها أوباما إذا كان جاداً في تشكيل إتحاد أنداد مع اللاتينيين كجزء من التغيير الواعد به؟ أم أن ما يجري لا يعدو كونه هدنة مؤقتة ريثما تتمكن واشنطن من تجاوز الأزمة المالية العالمية وحينها سيكون في المسألة نظر؟.
هذا المقال من قبل صوت العروبة
رابط هذا المفال:

العلمانية العربية : هل وجدت لتبقى

الرابط : اراء حرة
زيد يحيى المحبشي - اليمن
"العلمانية كلمة لها رائحة البارود، لما تثيره من استجابات متضاربة ومتناقضة"هكذا يراها "جان ريفرو"
الرابط : اراء حرة زيد يحيى المحبشي - اليمن"العلمانية كلمة لها رائحة البارود، لما تثيره من استجابات متضاربة ومتناقضة"هكذا يراها "جان ريفرو" ما جعل منها واحدة من أهم المسائل المثيرة للجدل في الفكر العربي المعاصر منذ أن وطئت أقدام الاستعمار الغربي أرض العرب قبل 200 عام وبداية تبلور معالم صدمة الحداثة والغرب في الوجدان والفكر العربي وذلك لتلازم إدراك ثالوث العلمانية والغرب والاستعمار في المخيلة العربية كمكون منسوب إلى سياق حضاري وتاريخي ليس خارجياً فحسب بل ومعاد ما أدى إلى نقل بساط النقاش حولها إلى حيز السجالات المسيسة و المؤدلجة ومن ثم وضعها في قفص الاتهام!!.
بلغ الجدل ذروته في أواخر القرن 19 وبدايات القرن 20 مصحوباً بتصاعد دعوات الإصلاحات الاجتماعية في ظل وجود الاستعمار وعلى مشارف الحروب العالمة [الأولى والثانية] وبروز معارك الاستقلال الوطني في أكثر من قطر عربي في وقت كان فيه مشروع النهضة العربية قائم في مجمله على محاور العلمانية والحرية والديمقراطية واحترام التعدديات الثقافية والسياسية وحماية حقوق الإنسان، ناهيك عن إفرازات حقب القرن العشرين التاركة بصماتها بصورة أو بأخرى على القيم والمفاهيم بما فيها من تحديات ساكنة ومتحركة دفعة مجتمعة بالعلمانية كأهم معلم كوني في تشكيل ملامح العصر واستشراقاته إلى واجهة الجدل في جسد الاجتماع السياسي العربي الراهن خاصة بعد الصخب المثار حول الحجاب سواء في المجتمعات العربية والإسلامية أو في أوساط مهاجريها بالمجتمعات الغربية مثيرة بذلك العديد من التساؤلات حول الحياة الاجتماعية –المدنية بما فيها حدود الحرية والمسؤولية في السياق المكاني والزماني إلى جانب ثوران قضايا حقوق الأقليات الدينية والقومية والطائفية مع مطلع القرن الواحد والعشرين.
الأزمات العاصفة بالمجتمعات العربية هي الأخرى من وجهة نظر العلمانيين العرب أوجدت قضايا اجتماعية لم تعد تحتمل التأجيل لاسيما فيما يتعلق بالمواطنة والحرية والحداثة بذريعة عدم كفاية الجرعات المؤقتة من الحريات الممنوحة للشعوب العربية بين الفينة والأخرى لتجاوز الأزمات الحالية والمتوالدة لمراوحتها عند حدود مسميات وهياكل المؤسسات المتهالكة مكتفية بأن تترنح مجتمعاتها كل يوم على أن تهتز أركانها ومكتسباتها يوماً!!
نظرياً يبدو أن الأمور في طريقها إلى الحسم بفعل التوجه الأميركي نحو الشرق الأوسط الجديد لصالح التيارات العلمانية كخطوة أولية نحو الأنظمة العصرية ذات الطابع المدني بينما هي في الواقع مغايرة إذا نلمس تقهقراً وتراجعاً مستمراً للعلمانية العربية على أكثر من صعيد لصالح ترعرع وتنامي التيارات الدينية.
ومع ذلك يبقى الجدال الدائر بين العلمانيين والإسلاميين في العديد من الدول العربية نوع من السجال الموسمي خصوصاً وأن ظهوره غالباً ما يكون مرافقاً لبداية ظهور المعارك الوطنية السياسية والإصلاحية أو الجدل السياسي أو الانتخابات بأنواعها ثم ما يلبث أن يهدأ هديره مثال ذلك نجده في التعديلات الدستورية المطروحة مؤخراً في مصر.
إذاً ما هو سر هذا الخلاف هل هو سياسي أم أيديولوجي؟! وهل أضحت العلمانية قدراً كونياً لا مناص منه إذا ما أراد العرب الالتحاق بقاطرة الحضارة الكونية بدلاً من الانتظار الطويل على رصيف التاريخ؟!.

خط ساخن:
تباينت المواقف العربية من العلمانية منذ الوهلة الأولى لظهورها المفاجئ بالتزامن مع ظهور الحركات النهضوية العربية بما فيها التيارات الإصلاحية الإسلامية الداعية منذ القرن 19 إلى تحديث الدول العربية وتغيير أوضاع المجتمع العربي تحت شعار [النهضة من أجل الإصلاح] وهو شعار فجر جدلاً فكرياً واسعاً بين الإصلاحيين والمحافظين شهدت بعدها الساحة بروز المفكرين العرب المتأثرين بالمعرفة الغربية فأخذوا يطرحون على طاولة النقاش ظاهرة الخصوصية الأوربية الثائرة ومقارنتها بظاهرة الخصوصية الإسلامية المحافظة أو المشدودة للماضي بما فيها طرح إشكاليات التناقض بين الدين والعقل وبين الأصالة والحداثة وبين الدين والدولة وبين الدين والعقل والعلم لأول مرة دون أن يصطدم المجتمع بمعادلة فصل الدين عن الدولة لأن الإسلام هو الدين السائد والمتجذر بقوة في وجدان وضمير الشعوب العربية ولأن موقفه من العلم موقف المفاخر والداعي والمحبب إليه إلا أن ظهور الاستعمار وتوجهه إلى تحريك لنزاعات الطائفية والقومية دفع بمفكري الأقليات العرقية والدينية العربية إلى النفوذ من بوابة مشروع الإصلاح والتحديث ومن ثم إثارتهم لمبدأ فصل الدين عن الدولة مع نهاية القرن 19 رغم أن فصل الكنيسة في بلاد المنشأ سابق لدعوات العلمنة بينما هي في الوطن العربي متقدمة حيث كان الاستعمار يستعمل الدين أحياناً لضرب حركات التحرر العربية كما حصل في موقفه المجهض لمشروع محمد علي باشا (1805- 1840) بالقوة لسبب بسيط هو أنه أراد إقامة دولة عصرانية لا يسيطر عليها العقل الديني إلا أن ازدواجية التعامل الغربي حالت دون ذلك.
بصورة عامة إنقسم المفكرين العرب في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 إلى فريقين مثل الأول دعاة الإصلاح والتجديد وهم أغلبية ساحقة بما فيهم دعاة التجديد الديني والثاني دعاة العلمانية وهم قلة محدودة في قادتها المشهورين المتخرج غالبيتهم من الكلية البروتستانتية السورية إلا أن البعض دمج الفريقين في قائمة واحدة بذريعة أن العلمانيين العرب أول من تبنى حركة الإصلاح والتجديد ودعوا في نفس الوقت إلى العلمانية مع أن الفرق بينهما كبير.
أما الموقف الفكري الديني فمنقسم إلى أربعة تيارات دعا الأول منها إلى ضرورة أخذ الحضارة الغربية بغثها وسمينها بينما كان الثاني على النقيض إلى حد تحريمه استخدام الميكرفونات كما هو حال السلفية وفي الثالث تصدر الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني مدرسة التقريب كخط وسطي إلا أن تدخل الماسونية حالت دون ذلك ويبقى الرابع ممثلاً في الحركات الإسلامية المعاصرة الداعية إلى أخذ المفيد ونبذ المتعارض مع الإسلام باعتبار ديننا متطور في فروعه وثابت في أصوله وفي مقدمة هؤلاء المفكر العراقي الكبير محمد باقر الصدر في كتبه التجديدية [فلسفتنا، اقتصادنا، البنوك الغير ربوية في الإسلام],في حين انقسم دعاة العلمانية إلى تيارين معتدل منفتح وراديكالي متطرف.
واقعياً يسود الفضاء العربي الإسلامي في معظمه أنظمه مهجنه نصفيها الدين والعلمانية وبالتالي فالعلمانية كنظام ومشروع سياسي كامل وواع لم تدخل قط العالم العربي رغم ما قامت به أنظمته بعد اتصالها المباشر بالاستعمار من تخلي ممرحل عن بعض الجوانب المستفزة للغرب من قبيل تطبيق العقوبات الشرعية وجباية الجزية عن مواطنيها غير المسلمين باستثناء الدول العربية التي لم تعرف الاستعمار كالسعودية واليمن الشمالي تحديداً قبل الوحدة وهي كذلك بعدها.
تبقى تونس من أهم النماذج للعلمانية العربية الحية منذ أن عمد الطاهر الحداد إلى علمنة فقه القرون الوسطى فيما يتعلق بتحرير المرأة ومنع تعدد الزوجات وإلغاء عدم المساواة في الإرث بين الجنسين إلا أن تنفيذ ذلك في عهد الحبيب بورقيبه اصطدم بتهديد الملك فيصل بقطع العلاقات معها ما دفعه إلى التراجع عن إصدار قانون المساواة في الإرث وفي عهد بن علي نجحت العلمانية في شق طريقها إلى كافة مناحي الحياة.
النموذج الثاني المغرب المتميزة دولته بطابعها العلماني رغم تنصيص دستورها على المكانة الدينية للملك داخل النظام واعتبارها الإسلام الدين الرسمي إلا أنها واقعيا قامت بإقصاء التعليم الديني لصالح التعليم المزدوج العلماني وتقوية قاعدة القوانين الوضعية ومنع تأسيس جمعيات مدنية أو سياسية على أسس دينية أو إثنية ومع ذلك فالأحزاب الدينية متقدمة على العلمانية في الانتخابات حيث اجمعت الاستطلاعات على وجود توجه شعبي طاغي نحو البرامج الدينية!!.
وهو ما نجده في العراق حيث خلصت الاستطلاعات الجارية بعد عامين من احتلاله إلى تنامي النزعة الدينية وارتفاع القناعة بأن العراق يجب أن يحكم بنظام إسلامي يحقق العدالة التي أجهضتها أحلام العلمانيين خصوصاً في مدينة بغداد إلا أن المفارقة أتت من كربلاء بعد تفضيل 71% من سكانها الأحزاب العلمانية في إدارة مجلس المحافظة وفي السعودية أيضا للعلمانية دعاتها في أوساط الشيعة في الشمال للتخلص من كابوس الوهابية بينما هي في مصر بعد تجاوزها التعاطي الفكري إلى إنشاء الأحزاب العلمانية تدخل مرحلة الدفاع الممأسس بالتوازي مع التعاطي الإسلامي الحركي المناوئ
هذا المقال من قبل صوت العروبة
http://www.arabvoice.കോം
/ رابط هذا المفال:

الأربعاء، 3 يونيو 2009

سوات .. معركة على قلب باكستان


زيد يحيى المحبشي

بعد مرور 35 يوماً من اتساع رقعة المواجهات بين الجيش الباكستاني ومقاتلي طالبان بوادي سوات, تمكن الجيش في 30 أيار/ مايو الفائت من استعادة مينجورا, إحدى أهم مدن الوادي, في سياق حملته الواسعة لتطهير الحدود الباكستانية الشمالية الغربية, من الجماعات الدينية المتطرفة الموالية للقاعدة, بعد ثمان سنوات من الصراع الدامي,والذي أضحت بموجبه حركة طالبان الباكستانية خطراً محدقاً ومهدداً هذا البلد بطلبنة قاعدية جديدة.
اتجاه باكستان نحو الحسم العسكري هذه المرة يأتي بعد تردد كبير, خصوصاً وأن طالبان باتت تسيطر على 90 بالمائة من وادي سوات وسط تنامي نفوذها خارجه وتزايد عملياتها في وزيرستان أيضاً - المكونة مع سوات إقليم صوبة سرحد المتمتع بحكم ذاتي مستقل عن الحكومة المركزية- وتصاعد المخاوف الغربية من تمددها بإقليم البنجاب حيث تنشط جماعة عسكر طيبة وغيرها من الجماعات الدينية المتطرفة,وبالتالي السيطرة على باكستان, إذا ما استمرت على ذات الوتيرة, ما يعني وضع هذا البلد على أعتاب مرحلة جديدة.

فزاعة الدين
الأحداث العاصفة بباكستان أعادة إلى الذاكرة مقولة أرنولد تويبي الشهيرة في كتابه أزمة الحضارة "الإسلامية مثل إنسان نائم، ولكن علينا أن نفكر في احتمال أن يستيقظ هذا النائم" وهو ما دعا هيلاري كلينتون إلى اعتبار "الشريعة في وادي سوات تمثل تهديداً مميتاً للعالم"، في وقت تعتقد فيه واشنطن بأن دوافع ذلك, التعصب الديني, فيما ترى إسلام أباد أنه التحام متفجر للحماسة الإسلامية والتوترات العرقية المتهيجة.
الصراع في الداخل الباكستاني بين النخب الحاكمة والجماعات الأصولية المتشددة ليس وليد اللحظة, وإن كان لتحالف هذا البلد مع أميركا حصة الأسد في انفجاره بعد سقوط طالبان أفغانستان في تشرين الثاني/ نوفمبر 2002.
الفزاعة الدينية بصورة عامة مثلت الورقة الرابحة بيد باكستان منذ تأسيس دولتها عام 1947, سواء لتصفية الحسابات الداخلية بين النظام والمعارضة أو للضغط الخارجي على المسرحين الهندي والأفغاني, في حين كان الهدف الأساسي من قيام دولة باكستان استيعاب مسلمي شبه الجزيرة الهندية, ما جعل العديد من المناطق تدار من قبل الراديكاليين وزعماء القبائل الأشد تمسكاً بالمبادئ الجهادية في مراحل الدولة الأولى, لكن ذلك سرعان ما تغير خصوصاً في عهد يحيى خان, حيث شهدت فترته ضم وادي سوات لباكستان عام 1969, بعد أن كان مملكة مستقلة محكومة بالشريعة الإسلامية وقوانينها ومن ثم استبدالها بالقوانين البريطانية.
هذا التحول الدراماتيكي حدا بالرئيس الباكستاني السابق محمد ضياء الحق ( 1978- 1988 ) إلى إطلاق مقولته الشهيرة الملخصة مفرداتها المعضلة الأساسية العاصفة بهذا البلد اليوم "حين قررت تركيا العدول عن الشريعة الإسلامية، بقيت تركيا، وحين قررت باكستان التحول عن الطريق الإسلامي، عادة لتصبح هندية",وبذلك قرر إعادتها دولة إسلامية, وكون ذلك مهدد لمصالح الغرب, تم التخلص منه.
رغم أن باكستان كانت تمثل قاعدة خلفية للأصوليين الذين شاركوا في تحرير أفغانستان من الاحتلال السوفياتي بالتعاون مع "السي آي إيه" والذي أثمر أيضاً في 1995 ولادة نظام طالبان أفغانستان, وإسقاطها عام 2002, في إطار التحالف الاستراتيجي مع أميركا في الحرب على الإرهاب ما بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001, لكن مع الاستمرار في اللعب بالورقة الإسلامية, إلى أن قرر برويز مشرف في 13 تموز/ يوليو 2007 التخلص منها, تحت وطأت الضغوط الغربية, فكانت نتيجة ذلك تزلزل الأرض من تحت أقدامه وإستغناء واشنطن عنه, على خلفية توقيعه ثلاث اتفاقيات مع طالبان لتطبيق الشريعة بوادي سوات, رأت أميركا أنها أتاحت لطالبان والقاعدة حيزاً من الحرية للتمدد وترسيخ الأقدام وتحويل الوادي إلى مواقد للإرهاب وصناعته وتصديره.
اليوم وبعد مرور تسعة أشهر من تولي المعارضة الحكم بزعامة زرداري لا شيء تغير, بل زادت الأمور سوءاً, كما أنه لم يأتي بجديد عندما وقع في 16 شباط/ فبراير الماضي إفاق سلام رابع لتنفيذ الشريعة في ست مدن من وادي سوات والمصادقة عليه في 13 نيسان/ أبريل 2009 أي بعد اسبوعين من إعلان أوباما إستراتيجيته الجديدة تجاه أفغانستان في 27آذار/ مارس 2009 ووضعه باكستان في قلبها وسط تصاعد الانتقادات لهذا الاتفاق المنهار هو الأخر تحت إيقاع قمة أوباما- قرضاي- زرداري بواشنطن في 7 أيار/ مايو الفائت.
الصراع في جوهره بدا وكأنه وجودي مصيري لدى كافة أطراف اللعبة, فزرداري الذي لا تزال شرعية منصبه محل نزاع مع زعيم المعارضة نواز شريف, أراد من وراء الاتفاق الحفاظ على منصبه وضرب خصوم الداخل والرغبة بعد نسف الاتفاق في دفع الحسم العسكري نحو فك الارتباط بين طالبان والقاعدة كما هي الخشية من توجه أميركا لإحلال الهند محل باكستان في التحالف ضد الإرهاب وإنفاذ تهديداتها بإعادة نواز شريف إلى الحكم إذا لم تُتخذ خطوات جِدية لاستئصال طالبان والقاعدة.
طالبان بالمقابل، رأت في تحالف إسلام أباد مع أميركا فرصتها لتهييج الرأي العام الباكستاني وتهيئة الأرضية لقيام الخلافة الإسلامية الطالبانية في هذا البلد.
في الاتجاه الآخر أعادة الحرب الأخيرة الروح لواشنطن بعد أن كانت قد أحست بأن حليفها وترسانته النووية في خطر والتعويل في أن تؤدي هذه الحرب إلى التخفيف من خسائرها في أفغانستان وتسهيل نجاح إستراتيجيتها الجديدة.
وعليه، فالفزاعة الدينية ليست سوى ذريعة للاستثمار السياسي, كون إعمال الشريعة في الأساس مطلب سكان باكستان قبل أن تكون ورقة استغلال بيد الأطراف المتصارعة وهي كانت ولازالت إشكالية قائمة بذاتها منذ قيام الدولة وحتى اللحظة, فيما لم تكن أحداث وادي سوات سوى نتيجة طبيعية وفاتورة متوجبة الدفع لما ارتكبته المخابرات الأميركية والباكستانية من أخطاء قاتلة خلال حرب السوفيات بأفغانستان وما بعدها في صناعة هذه الجماعات المتطرفة ورعايتها قبل أن تتحول إلى ورم سرطاني مميت.

السيناريوهات
صحيح أن ضم سوات لباكستان حوله إلى جنة سياحية مربحة حيث كانت تدر 25 مليون دولار سنوياً لكن بالمقابل كان هناك تذمر من سكانه قابلته حكومة الإقليم بالتجاهل التام, في حين وجد السكان في بروز نجم الملا صوفي محمد خان وتوجهه في 1992 لتأسيس حركة تطبيق الشريعة المحمدية ضالتهم المنشودة لإعادة الشريعة إلى الوادي.
صوفي إلى جانب الضغط على إسلام آباد لإعادة الشريعة إلى الوادي كان يطمح أيضاً لتعميمها على كامل باكستان,في محاولة منه لاستنساخ نظام طالبان أفغانستان وهو ما أدى إلى اعتقاله وحظر حركته في 2002 على خلفية مشاركته في الحرب ضد أميركا, قاد الحركة بعدها صهره الملا فضل الله وخلال ثمان سنوات من الصراع أنشاء سياسة أكثر نجاحاً بسوات مقارنة بتلك التي أنشأتها طالبان في المناطق الباكستانية النائية الأخرى حسب اعتراف الصحف الأميركية,وقيادته بعد مواجهات المسجد الأحمر في 13 تموز/ يوليو 2007 الجناح العسكري لطالبان.
طالبان اليوم أضحت رقم سياسي يصعب تجاوزه أو القضاء عليه أو فصله عن القاعدة وطالبان الأفغانية بعد أن وجدا في سوات الأرضية المناسبة لإعادة ترتيب أوضاعهما, ما يعني أن باكستان أصبحت في وضع مشابه لذلك الذي تعيشه قوات الناتو بأفغانستان,ولذا فهي اليوم أمام خيارات كلها مفتوحة على عواقب أقلها سوءاً انفصال إقليم سرحد في ظل سيادة الاعتقاد بأن الحرب الأخيرة هي في الأساس حرب أميركية بالوكالة محركاتها القضاء على الملاذات الآمنة التي بنتها القاعدة وطالبان في المناطق القبلية الباكستانية على الحدود الشمالية الغربية وغاياتها إعادة أميركا تشكيل التوازنات بالمنطقة برمتها .
كل هذا جعل من سوات إحدى أكثر المناطق خطورة في العالم وهو سيناريو عادة ما يتكرر لكن هذه المرة قد تكون نهايته مفصلية مع انتقال آلة الحرب الأميركية لخوض معاركها المركزية هناك في سياق إستراتيجية أوباما الجديدة لسبب بسيط هو أن قبائل سوات ووزيرستان عدا تحولها إلى قواعد خلفية للقاعدة وطالبان الأفغانية, أرهقت أيضاً أميركا وشركائها وأفشلت مخططاتهم طوال السنوات الثمان الماضية.

الحرب الأهلية
مباركة أوباما اتفاق السلام بين إسلام أباد وطالبان في البداية والضغط بعدها لجهة الحسم العسكري بدعوى أنها باتت تشكل تهديداً لأمن باكستان وأميركا معاً أتى في سياق الإجراءات المؤقتة ريثما تستكمل واشنطن استعداداتها لشن هجوم واسع على طالبان والقاعدة في أفغانستان ولئلا ينشغل الجيش الباكستاني عن هذه الجبهة بجبهة أخرى, ولذا ليس من قبيل المبالغة بأن الحرب الدائرة أميركية بامتياز لدى غالبية سكان باكستان وحرباً بالوكالة بعد أن كشفت أحداث العامين الأخيرين مدى ضعف حكومة إسلام أباد في بسط سيادتها على حدودها الشمالية الغربية وسط مخاوف الغرب من امتداد ذلك الإخفاق إلى الدول المجاورة وزيادة الأحقاد والنزاعات العرقية بالمنطقة.
بدا معه أي تقارب بين إسلام أباد وطالبان يقابله توتر متصاعد مع واشنطن وبالتالي فرض حربين على واشنطن، واحدة تورطت فيها أصلاً وأخرى لا تستطيع تجاهلها في بلد تشكل قدراته العسكرية وسلاحه النووي أكبر خطر يواجه العالم وهو ما جعل الحديث عن طالبان وكأنها تهديدٌ وجوديٌ لباكستان من الداخل.
يأتي هذا في وقتٍ فشلت فيه إسلام أباد عن التوصل إلى اتفاق مع واشنطن يسمح بإشراف جيشها على تحركات الطيران الأميركي في مناطقها الحدودية، والذي سبب لها إحراجاً كبيراً لدى شعبها أكد صحة ادعاء طالبان بأن حربها ذات دوافع عرقية بغطاء أميركي كون الجيش في غالبيته من البنجاب المتحكمة بالسلطة والثروة ومقاتلي طالبان من البشتون المهمشين عن صنع القرار الباكستاني بالتوازي مع تنامي الشعور في أوساط رتب الجيش الدنيا بأن ما يجري حرب أهلية تدفع فيها بلادهم ضريبة مشاركتها في الحرب على الإرهاب.
ولذا ففهم البعد العرقي للصراع يظل كلمة السر الوحيدة لفصل طالبان عن القاعدة وإحلال الاستقرار في باكستان متعددة الأعراق سياسياً ما يستدعي عسكرياً تجنب أميركا لفت الأنظار إليها من خلالها إنهائها ضرباتها الجوية على مناطق شمال غرب باكستان كونها تدفع نحو إذكاء روح الضحية لدى البشتون وبالتالي تنقيحها سياساتها لإثبات أنها تدعم رغبة البشتون من أجل موقف أقوى تجاه حكومة إسلام أباد خصوصاً وأن طالبان نشأت وترعرعت في أوساط البشتون تلك الأقلية المهمشة التي تعيش خارج السلطة.

شبح التقسيم
صحيح أن طالبان لا تستطيع المزايدة على عسكر وساسة باكستان المتمسكين بقضيتهم المركزية، استعادة كشمير وهذا من أهم عوامل ثقة الجيش بقدرته على التعامل مع التمرد لكن هذا لا يعني أن باكستان لا تواجه مشكلة أكثر خطورة وهي النزعات الانفصالية وسط هاجس الجيش من وجود مؤامرة هندية - أميركية للسيطرة على أفغانستان تمهيداً لتقسيم باكستان نفسها إلى أربع دويلات متصارعة ما دفعه إلى دعم طالبان سراً, لاسيما وأن للهند قنصليات في معظم المدن الأفغانية كما أنها تدعم قرضاي مالياً وسياسياً لمواجهة إسلام آباد, في وقت لا تخفِ فيه أميركا والهند قلقها من دعم الصين لباكستان بهدف جعلها نداً موازياً للقوة الهندية الصاعدة.
كل هذه العوامل أدت إلى الحد من قدرة الجيش على ضبط الحياة السياسية وإدارة توزيع الحصص وحيث ترتفع هذه النزعات تشتد الحاجة إلى حكومة مركزية قوية لا تشبه الإدارة الحالية وإلى عدو مشترك.
من هنا نفهم حقيقة الحراك الأميركي مؤخراً لإشراك نواز شريف في الحكم تمهيداً لجعله رجل المرحلة القادمة بالاستفادة من دفع الأحداث الأخيرة إلى حرق صورة زرداري الذي يبدو أن كرت صلاحيته بالنسبة لواشنطن نوعاً ما قد انتهى, كما أن ضعف حكومة زرداري وافتقارها للخبرة والإدارة في إخراج طالبان نهائياً من سوات، وتوفير الاستقرار وفرض النظام على الحدود الشمالية الغربية كلها تصب في خانة تعزيز توجه أميركا نحو دعم بروز زعماء محليين جدد أكثر حزماً ودفاعاً عن مصالحها هناك, وهو ما يظهر في التسريبات الأميركية الأخيرة حول احتمال أن يكون شريف زعيم الرابطة الإسلامية المعارض بديلاً جيداً في باكستان, والتعويل عليه في تطهير الجيش من الولاءات المزدوجة والمخابرات الباكستانية من المتواطئين مع الإسلاميين وسط مخاوف أميركا من تمكن المتشددين من إضفاء الصبغة الإسلامية على الجيش الباكستاني في المدى المنظور، لكن بالمقابل تجتاح باكستان مخاوف متصاعدة من دفع هذه الحرب البلاد نحو ديكتاتورية عسكرية جديدة.