Translate

الثلاثاء، 23 يونيو 2020

العلاقات اليمنية الارتيرية

زيد يحيى المحبشي، مركز البحوث والمعلومات، 24 يونيو 2020
ترتبط اليمن مع دول القرن الإفريقي بعلاقات ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، واستقرت في تلك الدول الكثير من الأسر والعوائل اليمنية، وصار منهم التجار والمسؤولين والدعاة الى الإسلام، ونشأت بين الضفتين زيجات وعائلات مختلطة، وبسطت مملكة "أوسان" اليمنية سيطرتها على الساحل الإرتيري والجيبوتي والصومالي، وعُرف تاريخياً بالساحل الأوساني كما ذكر صاحب كتاب "الطواف حول البحر الإرتيري"، وشكلت إرتيريا تحديداً الحاضنة الجغرافية والتاريخية، التي حفظت لنا عنصر وثقافة سكان جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، خاصة السبئيين والحميريين، الذين تلاشى وجودهم في مواطنهم الأصلية وازدهروا في مواطنهم الجديدة في كل من إرتيريا وإثيوبيا، وكانت إرتيريا منذ ما قبل الإسلام تمثل همزة الوصل بين الجزيرة العربية والحبشة وما ورائها.
واتسمت العلاقة بين الشاطئين في جنوب البحر الأحمر خلال تلك المرحلة بصفتين متمايزتين، حيث اتسمت في تحركها من الشاطئ الشرقي إلى الغربي بطابع السلم وكانت تتحرك باستمرار بمؤثراتها الحضارية، بينما كانت في تحركاتها من الشاطئ الغربي إلى الشرقي يغلب عليها طابع الغزو والهيمنة والاعتداء، وبسبب هذه النزعة تعرضت اليمن حينها لست حملات عسكرية حبشية، كانت باستمرار ولا تزال الى يوم الناس بالتحالف مع طرف ثاني يمثل القوة الدولية، وتُعد إرتيريا كنموذج مبسط للعلاقة المزدوجة بين الضفتين في العقدين الأخيرة بمثابة الشوكة في خاصرة الأمن القومي اليمني.
بعد الإسلام وظهور إمارات الطراز الإسلامي في الساحل الأوساني، لم يكن العامل الدولي بعيداً عن هذه المنطقة المنكوبة من العالم، بما لها من أهمية جعلتها على الدوام محط أنظار الغزاة والطامعين، وبالتالي تحولها الى قوس أزمات وصراعات وحروب واضطرابات، وصارت حياة أبناء المنطقة جحيم لا يطاق، وهو ما جعل عامل الصراع السمة الغالبة على علاقات دولها، بعد أن أصبحت مصالح الغزاة والمحتلين الأكثر حضوراً وتأثيراً من المصالح الوطنية لشعوب القرن الإفريقي الغارقة في الفقر والجوع والمرض.
في هذه القراءة السريعة نتحدث عن مدخلات ومخرجات العلاقات اليمنية الإرتيرية خلال الفترة 1961 – 2020  وتداعياتها على أمن الدولتين والبحر الأحمر وباب المندب ومنطقة القرن الأفريقي، وموقع مصالح الكيان الصهيوني من هذه العلاقة الأكثر غموضاً بين نظيراتها في المنطقة رغم عمقها التاريخي والاجتماعي والثقافي والحضاري، لكن للمصالح القطرية والإقليمية والدولية لغة أخرى، على أن نتحدث في مبحث أخر عن دور إرتيريا في عدوان تحالف العاصفة على اليمن، خصوصاً وأنها كانت من السباقين للانضمام اليه.

* الدعم اليمني للثورة الإرتيرية:
انقسم الموقف اليمني من الثورة الإرتيرية خلال مرحلة النضال ضد الاستعمار الإثيوبي "1961 – 1993" الى مؤيد ومعارض، حيث أيدت عدن النظام الإثيوبي، بينما أيدت صنعاء جبهة التحرير الإرتيرية وحقها المشروع في نيل الحرية والاستقلال، وكان الكثير من البحارة الإرتيريين يستخدمون شمال اليمن حينها كقاعدة خلفية للتزود بالأسلحة والمؤون والمعدات، كما سمحت صنعاء للثوار الإرتيريين باستخدام بعض الجزر اليمنية في البحر الأحمر، ومنها جزيرة حنيش الكبرى، كمركز للتدريب ومواقع لتخزين الأسلحة وقواعد لانطلاق الثورة، وكانت اليمن من أكثر الدول العربية انخراطاً في صراع الثورة الإرتيرية بحكم اقتراب السواحل.
موقف صنعاء انطلق من مساعيها لتحقيق الأمن والاستقرار اليمني، وأمن واستقرار البحر الأحمر والمنطقة العربية في القرن الإفريقي، فأيدت حركة التحرير الوطني الإرتيرية حتى نهاية ستينيات القرن العشرين، بصورة غير رسمية، ثم أيدت الحكم الذاتي الإرتيري في منتصف السبعينيات في إطار إثيوبيا الموحدة.
لكنها أخذت تتجه بقوة الى دعم ومساندة الشعب الإرتيري في تقرير مصيره، وذلك بالنظر الى النفوذ الإسرائيلي المتنامي في إثيوبيا ومدخل باب المندب، واستمر التأييد الى العام 1974، بعد أن تغير نظام الحكم في إثيوبيا بنظام معادٍ لإسرائيل في البداية.
وبعد استفتاء 23 – 25 أبريل 1993، والذي نالت بموجبه إرتيريا الاستقلال في 25 مايو 1993، كانت اليمن في طليعة الدول المعترفة بها، ومشاركتها أفراح الاستقلال بوفد رفيع المستوى.
 ومن أهم النتائج المترتبة على استقلال إرتيريا:
1 - إلغاء الوجود الإثيوبي الجغرافي في البحر الأحمر، وإعادة إثيوبيا تنظيم قواتها – وكانت حينها تمتلك أحد أقوى جيوش إفريقيا – لتقتصر على قوات برية وجوية، بمعنى خروج قواتها البحرية عن الخدمة، وتسبب هذا الخروج في أزمة بين جيبوتي وإرتيريا حول قطع القوات البحرية الإثيوبية، والتي كانت ترابط في أحد موانئ جيبوتي، ورفضت جيبوتي تسليمها لأسمرة، وكانت جيبوتي مستعمرة أيضا من قبل إثيوبيا.
وما يهمنا هنا هو إحداث خروج القوات البحرية الإثيوبية عن الخدمة، تغيير جذري في التوازنات العسكرية البحرية لمنطقة القرن الإفريقي، من المنطقي أن يكون لصالح السعودية واليمن، لكن لمفرزات الواقع قراءة أخرى، خصوصاً في الجانب اليمني، والذي لم تكن قواته البحرية بعد الوحدة تتجاوز الـ 15 زورق بحري، تستخدم للدوريات و3 كاسحات و4 برمائيات وقطع بحرية أخرى، وما عساها أن تفعل أمام ساحل مترامي الأطراف وعشرات الآلاف من الجزر اليمنية، وهو ما جعلها عُرضة للاستفزاز والاختراق الإرتيري، وليس أخرها محاولة إرتيريا احتلال جزيرتي حنيش وزقر في 30 مايو 2020 للمرة الثانية بعد الاحتلال الأول في 1995.
2 – خلق هذا التطور السياسي والأمني بؤرة صراع وتوتر جديدة في البحر الأحمر، تستهدف النفوذ العربي والمصالح العربية الاستراتيجية، خصوصاً في باب المندب ومنطقة القرن الإفريقي، بسبب نجاح إسرائيل في ملئ الفراغ العربي هناك.
3 - سعي القوى الدولية والإقليمية الى تفعيل الدور الإرتيري، للقيام بدور الوكيل في إشعال المنطقة من خلال احتلال حنيش والتحرش بجيبوتي والسودان، بهدف تقوية نفوذها وتفوقها، وتهيئة الفرصة لإسرائيل للسيطرة على باب المندب والقرن الإفريقي، وهذا يشكل تهديد مباشر للأمن اليمني بالمقام الأول.
ولتل أبيب طموح قديم في هذه المنطقة، وقد سبق وأن طلبت من بريطانيا بعد منح جنوب اليمن الاستقلال 1967، استمرار الملاحة البحرية الاسرائيلية في باب المندب، وبالفعل أبقت بريطانيا قواتها البحرية في جزيرة "بريم/ ميون" اليمنية، والتي تعد بمثابة شرطي المرور في باب المندب، بحجة المحافظة على عدن من أي تدخل خارجي، بينما كان الهدف الحقيقي تنفيذ وعدها الذي منحته لإسرائيل باستمرار السيطرة على باب المندب.
كما عقدت إسرائيل اتفاق مع إثيوبيا نص على وضع قوات صهيونية في الجزر الإرتيرية، وفي 11 سبتمبر 1971 زار رئيس الأركان الإسرائيلي "أسمرة"، بعدها احتلت إسرائيل جزيرة "دهلك" الإرتيرية، وعلم العرب بذلك بعد إذاعة أميركا الخبر في مارس 1973، على إثرها صرّح مسؤول "يمني" بعدن بضرورة إقفال باب المندب في وجه الملاحة البحرية بواسطة جزيرة "بريم/ ميون"، مما أثار أزمة اقتصادية وخيمة، وبالمقابل سمحت اليمن للمصريين خلال تحضيرات حرب أكتوبر 1973 بالتواجد العسكري على جزيرة حنيش، ما آثار مخاوف إسرائيل من تكرار سيناريو إغلاق باب المندب.

 * اتفاقيات تعاون غير مُفعّلة:
اقتصرت علاقات البلدين بعد استقلال إرتيريا على التبادل الدبلوماسي وتبادل الزيارات واللقاءات بين مسؤولي البلدين خلال الفترة مايو 1993 – ديسمبر 1995، ومشاركة اليمن بوفد رفيع المستوى في احتفالات الاستقلال الإرتيرية 25 مايو 1993، والتوقيع في 18 نوفمبر 1994 على أول مذكرة تفاهم للتعاون المشترك في مجالات الثروة السمكية والصيد البحري والتعاون التجاري والاستثمار والنقل البحري والتعاون الأمني، وكلها ركزة على الجانب الاقتصادي.
في حين شهدة علاقتهما قطيعة تامة خلال الفترة ديسمبر 1995 – أكتوبر 1998 بسبب احتلال إرتيريا لجزيرة حنيش وروافدها، وبعد صدور حكم محكمة العدل الدولية بـ "لاهاي" في قضية حنيش 9 أكتوبر 1998، استأنف البلدان الاتصالات الرسمية والرحلات الجوية وتبادل الزيارات، وعودة العلاقات الدبلوماسية الى ما كانت عليه في ديسمبر 1995، والتوقيع على عدة اتفاقيات للتعاون المشترك، منها:
16 أكتوبر 1998 تأسيس اللجنة الوزارية المشتركة.
17 – 18 أبريل 2001 توقيع 4 اتفاقيات للتعاون الاقتصادي والفني والتجاري وتشجيع وتنمية الصادرات والتعاون في مجال النقل والشؤون البحرية.
11 ديسمبر 2004 الاتفاق على إنشاء شركة مختلطة للصيد/ شراكة في مجال الصيد.
24 ديسمبر 2004 التوقيع على 8 اتفاقيات للتعاون المشترك.
10 مارس 2005 التوقيع على محضر الدورة الأولى للجنة اليمنية الإرتيرية المشتركة.
14 أغسطس 2006 التوقيع على اتفاقية تضمنت تكوين اللجنة التنفيذية اليمنية الإرتيرية العليا المشتركة ذات الصلاحيات النافذة والمختصة بالعلاقات الثنائية بين البلدين والمسؤولة عن سير التعاون المشترك في كافة المجالات.
ومع ذلك فقد ظلت كل تلك الاتفاقيات مجرد حبر على ورق، باستثناء وجود تبادل تجاري محدود ومتواضع.

* فزّاعة تجمع صنعاء:
تم إنشائه في 13 – 15  أكتوبر 2002 بمبادرة من صنعاء، وضم في عضويته الى جانب اليمن، إثيوبيا والسودان، والهدف منه استتباب الأمن والاستقرار، وإطلاق عنان التنمية لشعوب جنوب البحر الأحمر والقرن الأفريقي "قوس الأزمات"، وتحييد باب المندب عن الصراعات الإقليمية والدولية.
وقد لقي التجمع ردة فعل عنيفة من القيادة الإرتيرية، حيث رأت أن القاسم المشتركة من وراء قيامه هو معاناة الدول الثلاث منها، وأنها الهدف الأساسي منه، لعدة مبررات:
أ- تزامن ميلاد التجمع بعد اسبوع من سقوط مدينة "همشكو ريب" بشرق السودان في أيدي المعارضة السودانية المدعومة من أسمرة.
ب- وصول الخلاف اليمني الإرتيري حول حنيش إلى محكمة العدل الدولية.
ج- حرب الـ 26 شهراً بين إريتريا وإثيوبيا، والتي بدأت في 6 مايو 1998، ولا زالت تلقي بظلالها على علاقة البلدين.
هذه الأمور جعلت أسمرة تصنف التجمع ضمن قائمة الأخطار المهددة لأمنها القومي، بينما أرادت اليمن من خلاله تعزيز أمن البحر الأحمر وباب المندب، وتهدئة أعاصير الصراعات العاصفة بمنطقة القرن الإفريقي، وهو ليس أول تجمع يمني إفريقي، فقد سبق للرئيس الشهيد "إبراهيم الحمدي" الدعوة لعقد قمة رباعية بمدينة تعز تحت شعار "التضامن العربي وأمن البحر الأحمر" 22 مارس 1977، بمشاركة رؤساء شطري اليمن والصومال والسودان، ناقشت الاوضاع في البحر الأحمر، ودعت لإبقائه خارج دائرة صراعات الدول الكبرى، ورفض تواجد القوات الأجنبية فيه، والحفاظ على حركة الملاحة، وجعله بحيرة للسلم.
وقال الحمدي حينها أن القمة ليست مظاهرة ضد أحد ولا من أجل التآمر على أحد، وأن الجمهورية العربية اليمنية تدرك أن هناك من يحاول زج الدول المطلة على حوض البحر الأحمر في حلبة الصراع الدولي، في إشارة واضحة الى الكيان الصهيوني، وهو ما أعاد تأكيده تجمع صنعاء، لذات الغاية ولذات السبب.

* الأجندة الإسرائيلية في حنيش:
أثار سعي إرتيريا بعد استقلالها لتثبيت حدودها مشكلة جزر حنيش ومسألة الحدود الجيوسياسية البحرية مع اليمن، ما جعل اليمن أمام تحدي صارخ لأمنها القومي، وتعاملت مع مشكلة حنيش بالطرق الدبلوماسية، فلجأت الى التحكيم الدولي، وبالفعل تمكنت من استعادة سيادتها على جزرها.
بينما حاولت التعامل مع إشكالية الحدود البحرية من منطلق المفهوم اليمني للأمن القومي العربي المستمد من مخرجات قمة تعز 1977 والقائم على تحييد البحر الأحمر عن الصراعات الدولية والإقليمية، إي إبقائه بعيداً عن الصراعات الإقليمية والدولية، وللأسف لا زالت هذه الإشكالية قائمة الى اليوم.
يضم أرخبيل حنيش الواقع على البحر الأحمر جزر "حنيش الكبرى والصغرى وزقر"، ويعد جبل زقر الاستراتيجي بمثابة القلعة الحامية لباب المندب، كما يضم جزر صغيرة، هي: "القمة وسيل حنيش وأبوعيل"، ويبعد عن الساحل اليمني بنحو 17 ميلا / 27.3 كيلومتر، ومساحته الاجمالية نحو 185 كيلومتر مربع، وهو اليوم تحت سيطرة الاحتلال السعودي الإماراتي.
ويوجد بجزيرة حنيش الكبرى مركز تجمع الصيادين اليمنيين، وفي 1995 سمحت اليمن لشركة ألمانية ببناء فندق، ومدتهم بـ 200 من قواتها، فاعتقدت إرتيريا أن ما تقوم به اليمن هو نوع من السيطرة على الأرض، وفي نوفمبر 1995 أرسل رئيس الوزراء الإرتيري تحذيراً إلى القوات اليمنية، وأمرها بالانسحاب في مهلة أقصاها ديسمبر، وفي 15 ديسمبر 1995هجمت القوات الإرتيرية على حنيش وطردت الحامية العسكرية اليمنية منها، فتوجهت اليمن الى محكمة العدل الدولية، وحصلت منها في 9 أكتوبر 1998 على حكم أعاد لليمنيين سيادتهم على الأرخبيل، وانسحاب إرتيريا في مطلع نوفمبر 1998.
يتمتع الأرخبيل بأهمية عسكرية كبيرة، بسبب تحكمه وإشرافه على طرق الملاحة البحرية في جنوب البحر الأحمر، لذا كان على الدوام محط أطماع الغزاة والمحتلين، فاحتله البرتغال عام 1513، بعد فشلهم في احتلال مينائي عدن والمخا، ثم الفرنسيون عام 1738، وفي 1799 تعرضت جزره للاحتلال البريطاني، وتخلّى عنها، ثم عاد وسيطر عليها عام 1857، لتعود الى السيادة اليمنية في العام 1967.
واللافت هنا احتلال إرتيريا أرخبيل حنيش وروافده في 1995، من اتجاهين:
1 - من الجزر الشمالية الإرتيرية تحديداً جزيرة "دهلك" التي بها قواعد عسكرية إسرائيلية.
2 - من الجنوب عبر جيبوتي رغم احتجاج الأخيرة.
ما يعني أن المستفيد الأول من وراء احتلال إرتيريا لأرخبيل حنيش 1995 وتحرشاتها وقرصنتها المتكررة على جزره هو الكيان الصهيوني، وله أطماع قديمة، فقد سبق لتل أبيب إرسال أول بعثة عسكرية الى جزر جنوب البحر الأحمر في أبريل 1970، أكدت في توصياتها على ضرورة توسيع النفوذ العسكري الإسرائيلي ليشمل الجزر اليمنية: "زقر، جبل الطير، حنيش، ميون"، وتحدثت مصادر تاريخية متعددة عن تمكن قوة استطلاعية اسرائيلية مسنودة بوحدة من الكوماندوز الاسرائيلي وعدد من الخبراء والمهندسين من الوصول الى جزيرة "زقر" خلال الفترة 1971 – 1972 ومرابطتها فيها وتركيب أجهزة حديثة للرادارات والرصد والاستطلاع عليها، وهي تبعد عن الساحل اليمني بنحو 32 كيلو متر.
وخلال عدوان 1995 أكد الباحث الصهيوني "مارتن كرامر"، وهو مدير معهد "موشى ديان" في تل أبيب، على أن انتزاع جزيرة حنيش الكبرى من الجيش اليمني من خلال إرتيريا، يندرج في اطار استراتيجية إقليمية وقائية تنفذها إسرائيل تحسباً لأي تهديدات عربية يمكن أن تحدث مستقبلا من خلال اعتراض حركة الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر.
وكشف حينها المركز العربي للدراسات الاستراتيجية عن تقديم إسرائيل معدات حديثة لإريتريا تمثلت في 6 زوارق بحرية طراز "ريشيف"، وقيادة الطيار الإسرائيلي "مايكل دوما" عملية السيطرة على أرخبيل حنيش، بعد عدة محاولات إرتيرية فاشلة، كما أكد تقرير لجامعة الدول العربية نوفمبر 1995 وجود اتصالات إسرائيلية إرتيرية حول جزيرة حنيش الكبرى؛ بهدف إنشاء محطة مراقبة لاسلكية فيها، لمراقبة حركة السفن في الممرات الدولية القريبة من مضيق باب المندب.
وعموماً فما تريده إرتيريا من وراء التحرشات المستمرة والمحاولات المستميتة للسيطرة على أرخبيل حنيش سواء تحت مظلة دولتها المستقلة عام 1995 أو تحت مظلة تحالف عدوان العاصفة ما بعد 2015 هو إظهار نفسها كقوة إقليمية صاعدة، قادرة على القيام بدور مهم في البحر الأحمر، بهدف كسر العزلة الدولية عنها واستدرار المساعدات الأميركية والإسرائيلية والخليجية، مقابل ما تقوم به من جهود لإحباط فكرة أن البحر الأحمر عربي، وتمهيد الطريق لعبرنته وإخضاعه مع مدخله الجنوبي للسيطرة الصهيوني.
* إشكالية الحدود البحرية والصيد التقليدي:
رغم التوقيع على مذكرة تفاهم 18 نوفمبر 1994، واتفاقية لترسيم ما تبقى من الحدود البحرية 18 نوفمبر2001، وتطبيق نظام الصيد البحري التقليدي وفقاً لقرار هيئة التحكيم الدولي 17 ديسمبر 1999 واتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار 1982، لا تزال مشكلة الحدود البحرية وتحت مظلتها الصيد التقليد من أكثر الإشكاليات العالقة بين البلدين حتى اليوم.
وكان حكم هيئة التحكيم قد أعطى للصيادين اليمنيين والإرتيريين حق الاصطياد التقليدي من الساحل اليمني الى الساحل الإرتيري، عدا المياه الداخلية، بالنسبة لإرتيريا جزر "دهلك"، وبالنسبة لليمن جزيرة "كمران"، والمياه المرتبطة بهما، كما أن التعريف القانوني للصيد التقليدي حدد حجم القارب ونوع محركه وطريقة الاصطياد، بحيث يشمل فقط الصيادين الذين يصطادون لكسب قوت يومهم، بينما قال الحكم الدولي أن على حكومتي اليمن وإرتيريا حماية الصيد التقليدي، والصيادين، بمعنى أن هذا حقٌ للصيادين، وليس للحكومات.
وهو ما أدى في المحصلة الى تباين التفسير القانوني اليمني والإرتيري لقرار التحكيم الدولي حول مناطق الصيد التقليدي، والتي ما تزال تشكل بُعداً صراعياً في علاقة الطرفين، وتندرج في إطار قضية "الحدود وترسيمها" التي لم تحسم بعد.
وبسبب هذا التباين لا زال الصيادون اليمنيون حتى يوم الناس يتعرضون للكثير من المضايقات الإرتيرية، وتتعرض أحواض الصيد في المياه الإقليمية اليمنية لعمليات تسلل الصيادين الإرتيريين بقوارب صيد غير رسمية، وممارسة الصيد بطرق عشوائية، تؤثر على حجم الثروة السمكية اليمنية، ناهيك عن الاعتقالات المتكررة من الجانب الإرتيري للصيادين اليمنيين خلال العقدين الأخيرة وسجنهم وتعذيبهم وموت بعضهم تحت التعذيب في المعتقلات الإرتيرية ومصادرة زوارقهم، دون أن تحرك الأنظمة اليمنية المتعاقب ساكناً.
ووصل عدد من افرجت عنهم السلطات الإرتيرية خلال الفترة "يونيو 2012 -  أغسطس 2013" نحو 1400 صياد يمني، وفي 18 سبتمبر 2013 كشف البرلماني في مدينة الحديدة "عبده محمد ردمان"، عن وجود أكثر من 475 صيادا، معتقلين لدى إرتيريا، واحتجاز 1000 قارب، وتحدثت وسائل اعلام محلية مؤخراً عن 172 صياداً يمنياً في سجون إرتيريا، منهم:
 88 صياداً من أبناء مديرية الخوخة مع 18 قارب محتجزين منذ 3 يونيو 2020
60 صياداً مع 16 قارب صيد محتجزين منذ مايو 2020
24 صياداً من أبناء مديرية حيس وقاربين محتجزين منذ ديسمبر 2019
وازداد وضع الصيادين مأساوية بعد إيقاف السلطات الإرتيرية في 4 نوفمبر 2016 العمل بتراخيص الصيد المشترك الموقعة بين صنعاء وأسمرة، والتي بموجبها تسمح القوات البحرية الإرتيرية للصيادين اليمنيين بممارسة نشاط الصيد في جزر أرخبيل دهلك.

* المراجع
1 - زيد يحيى المحبشي، الأهمية الجيوسياسية لتجمع صنعاء، مركز البحوث والمعلومات، 2004
2 - زيد يحيى المحبشي وأخرون، اليمن ودول القرن الأفريقي، مركز البحوث والمعلومات، صنعاء، الطبعة الأولى، نوفمبر 2003
3 - محمد صالح حاتم، جزيرة حنيش والاطماع الاسرائيلية، المشكاة نت، 8 يونيو 2020
4 - محمد شرف، السعودية تلتهم 50 جزيرة ضمن مساعي إحكام السيطرة على الجزر اليمنية، صحيفة الثورة، 13 يونيو 2020
5 - عبدالله بن عامر، التواجد العسكري الإسرائيلي جنوب البحر الأَحْمَر وباب المندب، صدى المسيرة، 3 ديسمبر 2019
6 - الدكتور عمر زرآي، العلاقات الإرتيرية العربية قراءة تاريخية ورؤية مستقبلية، مركز دراسات القرن الأفريقي، يناير 2018.
7 - أحمد عبدالله، ما دوافع هجوم إريتريا على الجزر اليمنية؟، المشاهد، 13 يونيو 2020

الجمعة، 19 يونيو 2020

العلاقات الاسرائيلية الارتيرية

 زيد يحيى المحبشي، مركز البحوث والمعلومات، 20 يونيو 2020
الاهتمام الإسرائيلي بمنطقة القرن الإفريقي والبحيرات العظمى، منسجم كليةً مع الاهتمام الأميركي، كون هذه المنطقة تشكل أهم موقع استراتيجي من الناحية الأمنية منذ ولادة الكيان العبري، ونقطة الارتكاز لتحقيق الاتصال بوسط وجنوب إفريقيا، وتحقيق مصالح إسرائيل السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية.
 ولهذا كان الكيان الصهيوني شديد الحرص على إيجاد عمق له في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، منذ ولادة كيانه الغاصب في فلسطين المحتلة في العام 1948، مستخدماً العديد من الأساليب لتمرير أجندته وترسيخ وجوده في منطقة القرن الأفريقي، مستغلاً وجود أقليات يهودية هناك، كان لها دور مهم في تغذية الصراعات العرقية والطائفية والحدودية، وتوظيفها لصالح السياسات الإسرائيلية، واللعب على المتناقضات الفجة بين مجتمعات هذه المنطقة، واستغلال كل الثغرات حتى يبقى قادة الأقليات الحاكمة فيها مرتبطين بتل أبيب وسياساتها.
 كما استغل الصهاينة علاقاتهم مع إثيوبيا وإريتريا على سبيل المثال ضد السودان واليمن، ودعم طموحات الانفصال كما في "بونت لاند" الصومالية، والعمل للحيلولة دون وجود حكومات قوية، خاصة ذات التوجه العربي أو الإسلامي، والترويج لوجود علاقات وثيقة بين الإسلاميين والقاعدة والقراصنة، وتشكيل ورقة ضغط على السودان ومصر من خلال مساعي تدويل منابع نهر النيل وضرب القوى الإسلامية، واستكمال مخطط نقل يهود "الفلاشا" من المنطقة، وسط رغبة جامحة في السيطرة والتغلغل الكامل في شؤون دول شرق إفريقيا والبحر الأحمر وتأمين نطاق الأمن الحيوي الجنوبي لإسرائيل، حيث المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، واكتساب وسيلة ضغط جديدة على الدول العربية لدفعها نحو التطبيع المجاني والسلام الاقتصادي، ومواجهة "إيران"، والقضاء على قوى وفصائل المقاومة العربية ..ألخ.
عملياً، نجح الصهاينة في تربيط دول القرن غير العربية بشبكة معقدة من العلاقات الخادمة لمصالح الكيان الغاصب وطموحاته القديمة لتهويد البحر الأحمر وتأمين مدخله الجنوبي وتهيئة البيئة لإقامة دولة إسرائيل الكبرى من النهر الى النهر، وفي مقدمة تلك الدول "إرتيريا" بموقعها الاستراتيجي المطل على باب المندب، وسواحلها الواقعة في مواجهة السواحل اليمنية والسعودية، بما يجعل منها جزءٌ مهم من المعادلة الأمنية للبحر الأحمر، والتحكم في باب المندب، والبيئة الأنسب لتمرير المشاريع والأجندة الصهيونية في الشرق الأفريقي ومنطقة الخليج العربي والجزيرة العربية، ولهذا كانت العلاقة معها لا تقل أهمية عن الزواج الكاثوليكي بما له من قداسة ومكانة، ولذا سنكتفي في هذا المبحث بتقديم قراءة سريعة لأهم مدخلات ومخرجات العلاقات المثيرة للجدل بين الكيان الصهيوني وإرتيريا.
تعد إرتيريا تاريخياً امتداد للعمق العربي، الى جانب الصومال وجيبوتي، ولهذا وضع الصهاينة في بنك أهدافهم منذ وقت مبكر من خمسينيات القرن العشرين، ترسيخ التواجد اليهودي في منطقة القرن الأفريقي، فكانت إثيوبيا والتي تعد إرتيريا حينها جزءاً منها، البوابة الأولى لإسرائيل والمعترف الأولى بدولة الاحتلال الصهيوني.
ومع مرور السنوات شجعت ثورات التحرر العربي الإرتيريين لإعلان النضال ضد الاحتلال الإثيوبي، فتولى الكيان الصهيوني مهمة إجهاض أحلامهم منذ اليوم الأول لانطلاق ثورتهم، ورفع ضدهم الفيتو في مختلف المحافل الدولية، حتى لا يُحرم الحليف الاستراتيجي الإثيوبي من موطئ قدم على شاطئ البحر الأحمر، ويغدو البحر الأحمر بحيرة مغلقة ممتلئة بأعداء إسرائيل، ووصل التحالف العسكري الإثيوبي الإسرائيلي إلى مراحل متقدمة، بما في ذلك تقديم السلاح والمدربين للكليات العسكرية الإثيوبية، على أمل سحق التمرد الإرتيري، لكن بلا جدوى، وفي هذا يقول رئيس الوزراء الصهيوني السابق "إسحاق رابين": لقد كان على عاتقنا النظام التدريبي الإثيوبي بالكامل.
وعندما شعرت إسرائيل بقرب سقوط نظام "منجستو" في أديس أبابا، كما يذكر مستشار الرئيس الإرتيري للشؤون التجارية "محمد أبو القاسم حاج حامد" في كتابه نحو "وفاق وطني سوداني"، رفعت الفيتو عن الثورة الإرتيرية في أهم العواصم الغربية، بداية من واشنطن، ولندن، وبون، وروما، وحتى باريس، بعد ثلاثة عقود من تكبيل هذه العواصم، والحيلولة دون تعاطيها مع الثورة الإرتيرية، على أساس أن الاستقلال الإرتيري ضمن ارتباط إريتريا بالعرب يشكل مساساً بأوضاعها الإقليمية، الاستراتيجية والأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي نهاية الثمانينيات أصيب "أسياسي أفورقي" في إحدى المواجهات العسكرية مع الإثيوبيين، فاقترحت واشنطن نقله الى تل أبيب للعلاج، وخلال تلك الزيارة تم وضع اللبنة الأولى لعلاقة الطرفين، بما فيها الموافقة على اشتراط تل أبيب بعدم ارتباط أسمرة بعد استقلالها بالأمن العربي في منطقة البحر الأحمر، وعدم الميل الى الحق العربي.
وبهذا نجح  الكيان الصهيوني بإعادة تأسيس علاقته مع إثيوبيا وإرتيريا من جديد، على ضمان المصالح الصهيونية في البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، وعدم تأثرها بانفصال إريتريا عن إثيوبيا.
ويؤكد المؤرخ الإسرائيلي البرفسور "هاجا أيرلي"، في محاضرة له في جامعة أديس أبابا، بعنوان: "الشرق الأوسط والإسلام" عام 1997، أن لإثيوبيا وإرتيريا ارتباط وثيق بالاستراتيجية اليهودية في القرن الأفريقي، ويمثلان معاً أهمية أساسية لدولة الكيان الصهيوني، في معاكسة المصلحة العربية، ولكل منهما مكانته المعتبَرة والمقدّرة في هذه الاستراتيجية: إن لكل من إريتريا الخارجة على المجموعة العربية والإسلامية، بفضل سياسات النخبة النصرانية "التجرنياوية" الحاكمة، بالإضافة إلى إثيوبيا العريقة في نصرانيتها، وظهور دولة إسرائيل اليهودية على أرض فلسطين، نصراً كبيراً في تجريد الشرق الإسلامي عن صبغته الإسلامية الصرفة.
ولهذا ظلت إسرائيل محتفظة بعلاقات طيبة مع نظام "أسياسي أفورقي" ومنع سقوطه، نتيجة محاربته لأي توجه إرتيري نحو الهوية العربية، وعمله على احتواء التوجهات السياسية التحررية من قبل المجتمع الإرتيري، وخصوصاً من يمثلون الجانب العربي الإسلامي.
المتغير الجديد في سياسة الكيان الصهيوني، جمع بين الحفاظ على العلاقة الوثيقة والمتينة مع إثيوبيا، وفي نفس الوقت دعم حركة التحرر الإرتيرية، لضمان عدم خروجها عن بيت الطاعة، بعد الفشل في القضاء عليها، كما أن إثيوبيا بعد استقلال إرتيريا ستكون دولة حبيسة بلا سواحل وبلا جزر لكنها غنية بالألماس والثروات الأخرى، وبها منابع نهر النيل ويهود "الفلاشا" بما لهم من تأثير في صنع القرار الإثيوبي، بينما ستنتزع إرتيريا من مستعمرها الجزر والسواحل التي كان يفاخر بها، بما لها من أهمية في التحكم بباب المندب ورقعة شطرنج الصراعات المتناسلة بمنطقة القرن الأفريقي والجزيرة العربية برمتها.
وهو ما دفع الكيان الصهيوني في نهاية الثمانينيات الى تعزيز علاقته بالنظام الإرتيري المتخلق، ومده بالسلاح ورفده بمئات من الخبراء والاستشاريين والتقنيين العسكريين لتدريب وتأهيل قوات الجيش والأمن والشرطة الإرتيرية، ومدهم بمختلف أنواع الأسلحة المتطورة، وهناك اليوم أكثر من 800 شركة صهيونية في إثيوبيا وإرتيريا، تعمل في مختلف المجالات، وعشرات القواعد والمراصد العسكرية والشبكات التجسسية.
ويصف أحد الصحفيين الإسرائيليين حجم الوجود الإسرائيلي في إرتيريا وعمق العلاقات "الإرتيرية – الإسرائيلية": باتت إرتيريا في السنوات الأخيرة بمنزلة "حصن" إسرائيل، عشرات الشركات الإسرائيلية تنشط في إرتيريا في مجالات كثيرة متنوعة: في الأمن، مروراً بالأدوية واستخراج الألماس، حتى الزراعة والتجارة.

* المدخلات السياسية:
عوامل كثيرة دفعت إرتيريا للارتماء في أحضان الكيان الصهيوني، منها بحسب مركز "ستراتفور" الأميركي للدراسات الاستراتيجية والأمنية:
1 – استخدام إسرائيل في التأثير على الولايات المتحدة الأميركية - الدولة الحليفة لكل من إسرائيل وإثيوبيا- في القرارات المتعلقة بإرتيريا في المحافل الدولية، وهذه الجزئية تحتاج الى دراسة مستفيضة في إطار العلاقات "الأميركية - الإرتيرية".
2 - الحصول على قدرات للدفاع الجوي، من أجل صد أي هجوم محتمل عليها من إثيوبيا.
3 - التعاون مع إسرائيل يُعد وسيلة لأسمرة لتحقيق توازن لعلاقتها "المثيرة للجدل" مع طهران - ولإرتيريا علاقة موازية مع إيران وتتواجد قوات إيرانية في منطقة "أساب" الإرتيرية بموجب اتفاق أبرم في العام 2008.
بلغت العلاقات "الصهيونية – الإرتيرية" ذروتها في يناير وفبراير 1993 من خلال زيارتين للرئيس الإرتيري "أسياسي أفورقي" لتل ابيب، وقع خلالهما على العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات للتعاون المشترك، وتعيين سفير لإسرائيل في "أسمرة"، وتم فتح السفارة في فبراير 1993 قبل شهر من الإعلان الرسمي 27 أبريل 1993، وفتح سفارة لـ "أسمرة" في تل أبيب، وموقعها بالبرجين التوأمين "رمات غان".
وكان النظام الصهيوني من السبّاقين للاعتراف باستقلال النظام الإرتيري، وجعله ضمن دائرة الاهتمام والعمل في المنطقة الى جانب الحلفاء التقليديين "إثيوبيا ونيجيريا وزامبيا".
ويعود تدشين التطبيع الرسمي للعلاقات بين حكومة "أفورقي" و"تل أبيب" الى العام 1991، وأراد "أفورقي" من هكذا خطوة حينها الحصول على دعم تل أبيب لدى واشنطن، للضغط على "أديس أبابا" لتعجيل مفاوضات الاستقلال، وبالفعل سرّعت واشنطن وتيرة المفاوضات "الإرتيرية – الإثيوبية"، والتي شهدت ثلاث محطات في "أتلانتا" و"نيروبي" و"لندن"، تكللت بتسلم " أفورقي" السلطة في بلاده.

* العلاقات الاقتصادية:
1 – تسيطر شركة "أخوان هارون" الصهيونية على حركة الاستيراد والتصدير في إرتيريا منذ ستينيات القرن العشرين، أي التحكم بعصب الاقتصاد الإرتيري للعقد السابع على التوالي.
2 - احتضان العاصمة الإرتيرية "أسمرة" أكبر شركة إسرائيلية في المنطقة "أنكودا"، تنتج يومياً أكثر من 25 ألف علبة لحوم معبأة، و3 أطنان لحوم مثلجة، و 3500 قطعة من الجلود المدبوغة شهرياً.
3 - إقامة مصنع إسرائيلي لتعليب الأسماك في جزيرة "فاطمة".
4 – تقديم إسرائيل في العام 1991 معونة لإرتيريا بقيمة 5 ملايين دولار، وإرسال خبراء زراعيين وفنيين لتأهيل وإدارة مشروع "على قدر" الزراعي، ومشروع "الحزب" الاستثماري، جنوب "تسني"، ويهتم بتصدير لحوم الأبقار الى الكيان الصهيوني.
5 – منح إسرائيل 3 جزر في "دهلك" لتربية الأبقار.
6– صيانة محطات وشبكات الري، والتنقيب عن المعادن.

* التفاعل الثقافي:
وفر الكيان الصهيوني 75 منحة دراسية في إسرائيل، الى جانب تنشيط تبادل الزيارات الثقافية والسياسية بين الطرفين، ورفع مستويات التطبيع الثقافي، وتشجيع ودعم توجهات "أفورقي" في علمنة النظام ومحاربة الإسلام وتغليب الوجود النصراني وشن حملات التطهير العرقي والثقافي ضد الغالبية المسلمة في بلاده، وتكريس حكم الأقلية النصرانية، المسنودة من أتل أبيب وواشنطن، والتي أصبحت صاحبة الكلمة والقرار والثروة داخل إرتيريا.

* التشبيكات العسكرية والأمنية:
تركز اهتمام الكيان الصهيوني بصورة خاصة على تعزيز تواجده العسكري هناك، بعد أن أحكم قبصته على عصب الاقتصاد الإرتيري، من خلال إنشاء سلسلة من القواعد العسكرية، أهمها قاعدتي "رواجيات" و"مكهلاوي/ مهكلاي" على الحدود السودانية، ومنها انطلقت الطائرات الحربية الإسرائيلية لتدمير مصنع في الخرطوم عام 2012 ، زعم الكيان الصهيوني يومها أنه لتصنيع الأسلحة الإيرانية، بينما قال النظام السوداني أنه لتصنيع الأدوية، وإنشاء قواعد جوية في جزر "فاطمة" و"حالب" عند مضيق باب المندب، ومنها تم التخطيط للعدوان على أرخبيل جزر حنيش اليمنية نهاية عام 1995، ونشر قوات من البحرية الإسرائيلية في جزر أرخبيل "دهلك" - وتحديداً جزر "ديسي" و"دهوم" و"شومي"، وهي جزر تحوي أحواض سفن سوفيتية، وظّفتها العاصمة العبرية لبناء قاعدة بحرية مصغرة خارج حدودها، تُشغِّل من خلالها أحد أكثر مراكز التجسس تطوراً في القرن الأفريقي - وميناء "مصوع"، الى جانب نشر وحدات أمنية وشبكات تجسس في مختلف الجزر الإرتيرية  البالغ عددها أكثر من 360 جزيرة.

ومن أبرز محطات التعاون العسكري والأمني:
1 – قبل استقلال إرتيريا أرسل الكيان الصهيوني 17 خبيراً الى أسمرة في العام 1991 لتدريب الجيش الإرتيري، كما تم تدريب وتأهيل نحو 3000 مجند إرتيري في الكيان الصهيوني.
2 –  بعد استقلال إرتيريا مايو 1993 أرسل الكيان الصهيوني 350 عسكرياً و600 مستشار لتأهيل الجيش الإرتيري، ومراقبة التحركات في جنوب البحر الأحمر.
3 – توقيع صفقة عسكرية بين الطرفين في نوفمبر 1995 خلال زيارة قام بها الرئيس الإرتيري "أسياسي أفورقي" لتل أبيب، تضمنت إمداد أسمرة بـ 60 طائرة هليكوبتر و104 زوارق بحرية و7 بواخر متوسطة الحجم ومجموعة من الصواريخ والأسلحة الحديثة، الى جانب تأهيل البحرية الإرتيرية، وبعدها بأيام معدودة قامت إرتيريا بمهاجمة جزر أرخبيل حنيش اليمنية بتخطيط وقيادة ضباط من الكيان الصهيوني، وهو ما سنحاول الوقوف على تفاصيله في مبحث مستقل عن العلاقات "اليمنية - الإرتيرية".
4 – التوقيع في فبراير 1996 على اتفاقية أمنية، تضمنت تشكيل فريق عمل مشترك يضم خبراء في شؤون التسليح والتدريب والاستخبارات، ومنح الموساد حرية التنقل والحركة داخل الأقاليم الإرتيرية، وترشيح 3 قواعد عسكرية للكيان الصهيوني داخل إرتيريا، في كل من: جبل "حامد" وجبل "مهكلاوي" غرب إريتريا، وجبل "هقر" شمال إرتيريا، والسماح بوجود عسكري إسرائيلي بجزر أرخبيل "دهلك" وقاعدة "دقمحري" في الهضبة الإرتيرية، وجزيرة "مريناي" في "مصوع"، وجزيرة "رأس سنتيات" ، وجزيرة "فاطمة"، وجزيرة "حالب"، ناهيك عن الوجود الاستخباراتي الصهيوني المكثف داخل إرتيريا وعلى حدودها مع السودان.
وتم تخصيص إحدى تلك القواعد كميناء عسكري لتقديم الخدمات للأسطول البحري الاسرائيلي، والغواصات الصهيونية الألمانية الصنع الأكثر تطورا، والمسلحة كما ذكرت مصادر غربية بصواريخ ذات رؤوس نووية، والقاعدة الثانية للتنصت والتجسس على المنطقة الحساسة المشرفة على باب المندب.

* مرصد "أمبا سويرا":
أنجز الكيان الصهيوني أكبر مرصد عسكري له في حوض البحر الأحمر، وفي أهم منطقة استراتيجية داخل إرتيريا المطلة على منطقة باب المندب، تم نصبه على أعلى قمة جبلية، تُعرَف بقمة "أمبا سويرا"، القريبة من مدينة "صَنْعَفي"، الواقعة على بعد  135 كيلو متر جنوب العاصمة الإرتيرية "أسمرة"، وعلى ارتفاع 3000 متر عن سطح البحر وفقاً للمركز الفلسطيني للإعلام، نقلاً عن مصادر في المعارضة الإرتيرية، ويرى الخبير في شؤون شرق إفريقيا الدكتور "أسامة الأشقر" أن الهدف من المرصد:
أ - مراقبة منطقة باب المندب الاستراتيجية.
ب - ضمان عدم تحولها إلى تهديد للمصالح "الصهيونية" في جنوب البحر الأحمر، ولاسيما حركة السفن والتجارة "الصهيونية".
ج - مراقبة قوات التحالف العربي التي تنفذ عملياتها في اليمن، ورصد النشاط الإيراني البحري الذي، ازدادت وتيرته على خلفية أحداث اليمن – يعني تقديم المساعدات اللوجستية للتحالف السعودي الإماراتي في عدوانه الظالم على اليمن – ورصد التطور الملحوظ في العلاقات "الإيرانية – الإرتيرية" للتعويض عن خروج إيران من دولة السودان المجاورة.
د - تحليل حركة القوات البحرية والجوية في جنوب البحر الأحمر، لاسيما بعد أن تمكنت قوات التحالف - السعودي الإماراتي - من استئجار ميناء بحري في جنوب إرتيريا لأغراض الدعم اللوجستي وعمليات الإخلاء الطارئة.
هـ - مراقبة دولة السودان المجاورة، التي يتهمها الكيان "الإسرائيلي" بالمساعدة في إيصال السلاح للمقاومة الفلسطينية.
وقال الأشقر إن هذا المرصد يعدّ تطوراً في مسيرة العلاقات "الإسرائيلية – الإرتيرية"، والتي شهدت تراجعاً كبيراً على خلفية الدعم "الإسرائيلي" الكبير لإثيوبيا في مجال التسلّح، وازداد التوتر عبر اجتياحات كبيرة تقوم بها القوات الإثيوبية على طول الحدود المشتركة بعيداً عن التغطية الإعلامية، إضافة إلى التوتر الكبير في مسألة الهجرة غير الشرعية للمواطنين الإرتيريين للأراضي التي يحتلها الكيان "الإسرائيلي"، حيث تجاوز عددهم الأربعين ألفاً وفقاً لمصادر مطلعة، وعدم التعاون في حل مشكلة الهجرة والعودة الطوعية.
كما تحدث مركز "ستراتفور" الأميركي للدراسات الاستراتيجية والأمنية، في تقرير له في مستهل ديسمبر 2012، عن وجود وحدات بحرية صغيرة من القوات الاسرائيلية في أرخبيل "دهلك" وميناء "مصوع"، ومركز للتنصت في جبال "أمبا سويرا"، يقوم بجمع معلومات استخبارية، لرصد نشاطات إيران في المنطقة وغيرها من تحركات معادية لإسرائيل في البحر الأحمر، ومتابعة السفن التي تبحر نحو السودان، لتقوم من هناك بتهريب معدات حربية إلى قطاع غزة.

* المراجع:
- المركز العربي للأبحاث والدراسات، العرب والقرن الأفريقي .. جدلية الجوار والانتماء، 2013.
- القرن الأفريقي والاستراتيجية "الإسرائيلية"، 27 سبتمبر 2007.
- زيد يحيى المحبشي، الأجندة المتصارعة في القرن الأفريقي، قراءات، ديسمبر2009.
- سهير الشربيني، انعكاس سياسات التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا على أمن وسلامة البحر الأحمر، المركز العربي للبحوث والدراسات، 11 أبريل 2019.
- محمد السعيد، من أبوظبي لواشنطن .. كيف تحولت "إريتريا" لسلاح أفريقي جديد؟، الجزيرة نت، 7 يناير 2019.
- منير الورفلي، تحركات العقيدة المشبوهة في القرن الأفريقي ونتائجها، موقع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا.
- وفاء عباس حسن أحمد، السياسة الإسرائيلية تجاه القرن الأفريقي 1990 – 2007 ، بحث جامعي، يونيو 2018.
- وائل علي، الدور الإسرائيلي في القرن الأفريقي، الجزيرة نت، 24 أكتوبر 2017.
- الموسوعة الدولية الحرة "ويكيبيديا"، العلاقات الإرتيرية الإسرائيلية.

الجمعة، 12 يونيو 2020

القاضي حسين بن عبدالرحمن بن عبدالله بن يحيى بن محسن المحبشي





قائد عسكري، إداري، أمين شرعي، مرشد، إمام وخطيب جامع.


مولده بقرية المداير من أعمال مديرية ظليمة حبور بمحافظة عمران في العام 1350 هـ، الموافق 1931، ووفاته في يوم الأحد ليلة الإثنين 8 شوال 1441 هـ، الموافق 31 مايو 2020، ومواراة جثمانه الطاهر الثرى بمقبرة بيت المحبشي في مسقط رأسه صباح الإثنين 9 شوال 1441 هـ، الموافق 1 يونيو 2020.


ينحدر من أسرة كريمة عُرِفت بالفضل والصلاح والورع والتقوى وفعل الخير والإصلاح بين الناس والكرم والجود والنخوة والسخاء والنجدة والشهامة.


التحصيل العلمي:


أخذ العلوم الشرعية عن والده وعمه القاضي العلامة أحمد بن عبدالله بن يحيى المحبشى، وكانوا من وجهاء وعِلية القوم في منطقة حبور، ومن أصحاب المكانة لدى حُكام الملكية، وكان لهم صوت مسموع لدى مشائخ القبائل ولدى أبناء منطقتهم.


 كما أخذ عم كوكبة من علماء حبور، وكان طالباً، ذكياً، فذاً، نبيهاً، حصيفاً، لبيباً.


السجل الوظيفي:


فقد والده وعمه، وهو في الثالثة عشرة من عمره، فتسلم إدارة شؤون الأسرة باعتباره أكبر إخوانه، والإشراف على أموالها.

 

في العشرين من عمره انتقل الى منطقة بني موهب بالسودة، فعمل في الارشاد والتدريس وامامة جامع المحدور، والإصلاح بين القبائل.


عينه سيف الإسلام يحيى المتوكل وكيلا على جميع أملاكه، وهو والد وزير التجارة والصناعة السابق يحيى بن يحيى المتوكل.


عمل في العهد الجمهوري بالتجارة، وبعد استقراره بصنعاء في ثمانينيات القرن العشرين شغل وظيفة الأمين الشرعي حتى وفاته.


السجل النضالي:


عند قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 انخرط في صفوف الملكيين، وكانت له صولات وجولات، وكان أحد قادتهم العسكريين في منطقة السودة.


 من أبرز الوقعات والمعارك التي شارك فيها، صد زحف الجمهوريين على بلاد السودة، وكان قائد الهجوم حينها الشيخ "عبدالله بن حسين الأحمر"، وتمت مهاجمة السودة من غربان خمر.


وخلال تلك الفترة نشأت صداقة بينه وبين الأمير "أحسن بن إسماعيل المداني"، وقاتل معه في عدة مناطق، منها:


السودة وسفيان وساقين ورازح وصعده، كما ولاه مسؤولية منطقة "قارة" من بلاد حجور، ومسؤولية المالية الخاصة بالأمير، ومسؤولية صرف اعتمادات المشائخ والجنود وتوزيع الذخائر والسلاح.

 

وخلال فترة عمله مع الأمير المداني، وكان نازلاً حينها بمنطقة الخوبة، اُستدعي لأداء مناسك الحج مع البعثة الملكية برئاسة العلامة الحجة الورع الزاهد "مجدالدين المؤيدي"، وأتت لهم طائرة خاصة تقلهم من نجران الى جده.


بعد انتصار الجمهورية عاد إلى منزله في بني موهب بالسودة، وطلب منه الجمهوريون تولي مكتب التربية بمديرية السودة، أو أي منصب أخر يريده بالدولة، لكنه رفض ذلك، واختار العودة الى مسجده وصومعته ومنبره.


مواقف لا تُنسى:


في العهد الملكي حلّ القحط بمنطقة تهامة، فنزح بعض أبنائها إلى منطقة "المداير" بظليمة حبور، وبادر عم صاحب الترجمة القاضي العلامة أحمد بن عبدالله بن يحيى المحبشي، لاستضافتهم، رغم ضيق الحال، وكانت أسرته من المشتهرين بكرم الضيافة، ففتح لهم بيته ومدافن الحبوب الخاصة بأسرته، وبعد نفاذها اضطر لرهن بعضاً من الأراضي الزراعية لدى عامل "حبور" مقابل تسليفه مدفن حبوب، كي يتمكن من الاستمرار في إطعامهم، الى أن فك الله كربهم وعادوا الى ديارهم، وهذه من صنائع المعروف والكرام، لا يقوم بها في تلك الفترة سوى قلة من الناس، ممن وهبهم الله نعمة سخاء النفس والقلب واليد.


ومما يذكره أهالي السودة وظليمة له رحمة الله عليه، وقوفه إلى جانب الضعفاء والمساكين والمظلومين، والدفاع عنهم، وحمايتهم من بطش وتسلط النافذين في السلطة القضائية والمشائخ والأعيان.


وكان محباً للعلم والعلماء وطلبة العلوم الشرعية، وباذلاً كل ما في مقدوره لهم، وديوانه في صنعاء مفتوحٌ لكل أبناء منطقته، وأوصى بأن يظل بيته مفتوحاً لكل محتاج ومنقطع.


أولاده:


علي، عبدالحفيظ، يحيى، عبدالواسع، عبدالصبور - قيادي إداري في وزارة الشباب والرياضة.