Translate

‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 9 أبريل 2023

غزوة بدر الكبرى معركة الوجود الأولى للمسلمين


بقلم زيد يحيى المحبشي، السبت 17 رمضان 1444هـ الموافق 08 أبريل 2023.


في تاريخ المعارك والغزوات، هناك مرحلة فاصلة ومصيرية في المواجهة العسكرية بين قلة مُستضعفة مُطاردة مُشردة مُعذبة مظلومة مسلوبة حقوقها المادية والسياسية وأكثرية طاغية مستبدة متفرعنة متجبرة، ما يجعل تلك القلة المُستضعفة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تكون وتسترد حقوقها وترفع راية دولتها وتكسب نفسها وقضيتها وهويتها وكينونتها وذاتها، أو تتلاشى وتنتهي، وتنتهي كل أحلامها، وتتبخر قضيتها، وتسقط رايتها، ولا تقوم لها بعدها قائمة، ما يجعل من المنازلة بين الفريقين مستميتة.

وهذا ما جرى في غزوة بدر الكبرى، صحيح أنه سبقتها غزوات وسرايا، لكنها كانت محدودة الأهداف ورقعة المواجهة، بمعنى أنها كانت تتجه نحو فئات وأهداف بسيطة، عكس غزوة بدر الكبرى، فقد كانت مفصلية من حيث نوعية الهدف ورقعة المواجهة، وقف فيها ثُلة المؤمنين في مواجهة جبروت وطغيان قريش لأول مرة، وكانت قريش من القوة والمنعة والجبروت والبطش والطغيان بمكانة ترهبها وتهابها كل قبائل جزيرة العرب، ولها سجل أسود مع المسلمين في بدايات الدعوة الإسلامية بمكة المكرمة.

تفنن طُغاة قريش خلال مرحلة الدعوة المكية في تعذيب المسلمين والتنكيل بهم، ومارسوا كل أساليب وألوان الترهيب ضدهم لإجبارهم على ترك دينهم والتخلي عن نبيهم، وسلبوا كل ممتلكاتهم ومدخراتهم، وشرّدوهم من بلادهم، ما جعل من المعركة مصيرية وفاصلة في تاريخ دولة الإسلام الوليدة، فإما أن ترتفع راية الإسلام وتقوم دولة العدل الإلهية أو تتلاشى وتتبخّر معها الدعوة المحمدية الخاتمة للرسالات الإلهية الإنقاذية لبني البشر.

إذن فهي معركة فاصلة بين الإسلام والكفر، وقف فيها الهدى والحق والحقيقة والنور والعلم والخير في مواجهة الضلال والباطل والزيف والظلام والجهل والشر، ووقفت فيها الحرية والكرامة والمساواة والإخاء والعدل والفضيلة والنجاة، في مواجهة العبودية والجاهلية والاستعباد والاستبداد والطغيان والظلم والقهر والطبقية والرذيلة والهاوية.

لقد كانت بوجيز العبارة أول معركة وجودية للمسلمين بعد انتقالهم إلى المدينة المنورة وشروع خاتم الأنبياء والمرسلين في وضع اللبنات الأولى لدولة الحق والعدل الإلهية، وأول اختبار عملي لحصاد 15 عاماً من جهود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في البناء الروحي والمعنوي لطليعة المؤمنين الملتحقين بدين الإسلام المنقذ للبشرية من الغواية والظلال، لذا فهي منعطف تاريخي فاصل، وجد المسلمون أنفسهم فيها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يكونوا أو لا يكونوا، وأراد الله لهم الكينونة والعزة والرفعة، بعد أن تحققت شروط الإيمان والثقة المُطلقة بنصر الله وتأييده، والتوكل الممهور بتشمير سواعد الجد والعمل والصمود والثبات، لا التواكل والتواني والتراخي كما جرى في غزوة "أحد".


حيثيات المعركة:

بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قافلة تجارية لقريش قادمة من الشام تضم 1000 بعير مُحمّلة بضائع تُقدّر قيمتها بـ 50 ألف دينار ذهبي، يقودها "أبو سفيان بن حرب"، ومعه "30 - 40" رجلاً.

الهدف ثمين، وفيه تعويض لبعض ما سلبه كفار قريش من المسلمين في مكة من أموال وعقارات ومُدّخرات، والأهم من هذا يُمثّل ضربة قاسية لعصب اقتصاد طُغاة قريش.

طلب صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه التجهز للخروج من أجل الاستيلاء عليها، فخاف بعضهم، وثقُل بعضهم، لأنهم لم يظنوا أن النبي يلقى حرباً.

كلّف صلى الله عليه وآله وسلم "أبو لبابة" بإدارة شؤون المدينة كي لا يحدث فراغ خلال غيابه يتسلل منه الكفار والمنافقين واليهود، و"إبن أم مكتوم" لإمامة الصلاة فيها.

عندما دنا "أبو سفيان" من "الحجاز" تحسس الأخبار فعلم بما عزم عليه رسول الله، فغيّر وجهة القافلة للتمويه، واستأجر "ضمضم بن عمرو الغفاري"، وأرسله إلى مكة لاستنفار أهلها وطلب النجدة.

وكان خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لاعتراض القافلة بوادي "ذفران" طريق مرورها، في منتصف جمادى الآخرة 2 هـ.

أقبلت قريش بكل قوتها وكبريائها وجبروتها، لإدراك وحماية قافلتها، لم يتخلّف منهم أحد سوى "أبو لهب"، لكنه استأجر مكانه "العاصي بن هشام بن المغيرة".

ورغم نجاة "أبو سفيان" بالقافلة، وطلبه من أصحابه العودة إلى مكة، رفض "أبو جهل" ذلك، وأخذته العزة بالإثم، ورأى وجود إمكانية للقضاء على المسلمين أو توجيه ضربة مُوجعة إليهم، فقرر خوض المعركة، وأصرّ على مواصلة المسير إلى "بدر"، والإقامة فيها 3 أيام، يشربون ويمرحون ويغنون وينحرون حتى تسمع بهم وبمسيرهم كل العرب فتهابهم.

أرسل رسول الله رجلين إلى "بدر" للوقوف على أخبار قريش، وعندما بلغه أنهم مصممون على المواجهة، فضّل في البداية عدم الاصطدام العسكري المباشر، فتوجه إلى قريش، قائلاً: "إني أكره أن أبدأكم فخلُّوني والعرب وارجعوا"، لكنها رفضت دعوته وآثرت الحرب، فلم يكن أمام المسلمين سوى المواجهة العسكرية.

وجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه أمام خيارين أحلاهما مُرّ، إما القتال رغم فارق العدد والعتاد، أو الرجوع إلى المدينة المنورة، وهذا يعني انهيار كل ما كسبه المسلمون من الهيبة والمهابة، بفضل المناورات العسكرية، والعروض النظامية السابقة، وبخاصة إِذا تقدم العدوّ نحو المدينة في ظل هذا الانسحاب واجتاح مركز الإسلام "المدينة المنورة".

لذا اختار صلّى اللّه عليه وآله وسلم خيار المواجهة والمنازلة والمقاومة حتى اللحظة الأخيرة والنفس الأخير.


تاريخ المعركة:

وقعت في يوم الإثنين 17 رمضان 2 هـ، الموافق 13 مارس 624 م، وقيل يناير 624 م.

واستمرت من صباح ذلك اليوم إلى ساعات الظهر الأولى، وهي من المعارك القصيرة في الإسلام، حيث لم تتجاوز عدة ساعات.


مكان المعركة وتسميتها:

تُسمّى غزوة بدر الكبرى أو الثانية، وقد سبقتها عدة غزوات وسرايا، لكنها كانت محدودة، وتذكر كُتب السير غزوتين أُخريين باسم بدر، هي بدر الأولى وبدر الموعد أو الثالثة، لكن الأكثر شهرة غزوة بدر الكبرى.

اعتاد العرب على تسمية المعارك التي خاضوها بأسماء المناطق التي دارت فيها، لذا أطلقوا على هذه الغزوة اسم "بدر" نسبة لبئر ماء يعود لشخص يحمل نفس الاسم، دارت حوله المعركة.

يقع هذا البئر في وادي "بدر"، بين مكة والمدينة المنورة، وهو من أسواق العرب في الجاهلية وأحد مراكز تجمُّعهم للتبادل التجاري والمُفاخرة، كانوا يقصدونه كل عام، لذا فهو عندهم بنفس مكانة وأهمية سوق "عكاظ".

ويقع الوادي على بُعد نحو "140 - 160" كيلو متراً جنوب غرب المدينة المنوّرة، و"300 - 343" كيلو متر شمال مكة المكرمة.

وأُطلق على المشاركين من المسلمين في هذه المعركة اسم "البدريين"، وهو وسام تكريمي لثُلة المؤمنين المشاركين في ذلك الحدث العظيم والمفصلي في تاريخ الإسلام والمسلمين، وتخليداً لما سجّلوه من بطُولات، وأصبح المسلمون من بعدهم يتمنون مناداتهم بالبدريين.


المعركة في القرآن:

وصفها الله في محكم التنزيل بيوم "الفرقان"، وورد ذكرها في عدة مواضع، منها الآيات "1 - 19" و"36 - 51" و"67 - 71" من سورة الأنفال، و"12 - 13" و"123 - 127" من آل عمران، و "77 - 78" من النساء.

وسبب وصف الله سبحانه وتعالى لها بيوم "الفرقان": "يوم الفرقان يوم التقى الجمعان"، لأنها كانت يوماً فاصلاً بين الإسلام والكفر، لذا فهي من المعارك الخالدة التي تركت بصماتها على مسيرة الدعوة الإسلامية ومستقبل الرسالة.


قوات الفريقين:

1 - المسلمون: 313 رجلاً، و70 بعيراً، وفرسان، أحدهما للزبير بن عوام، والآخر للمقداد بن عمرو الكندي، وقيل 3 أفراس.

توزعت قواتهم بواقع 82 من المهاجرين، و230 من الأنصار منهم 170 من الخزرج و61 من الأوس.

2 - الكفار: 900 - 1000 مقاتل، و700 بعير، و200 وقيل 400 فرس.


أجواء المعركة:

نزلت قريش بالعدوة القصوى من وادي "بدر"، وبعث الله السماء - أمطرت السماء، وكان الوادي ليِّناً، فأصاب الرسول وأصحابه منها ما لبَّد لهم الأرض، ولم يمنعهم عن السير، وأصاب قُريشاً منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه، فنزل الرسول بأدنى ماءٍ من القوم، وهنا تتجلى الحكمة النبوية، في أهمية الاختيار المكاني، للضغط على العدو، وتأمين عوامل القومة والمساومة قبل المواجهة.

دفع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم راية المعركة إلى الإمام علي عليه السلام، وهي راية سوداء اسمها "العقاب"، ولواء المهاجرين إلى "مصعب بن عمير"، ولواء الخزرج إلى "الحباب بن المنذر"، ولواء الأوس إلى "سعد بن معاذ".

ورفع كفه داعياً ومُناجياً ربه، ومستمداً منه العون: "اللَّهُمَّ إنْ تُهلِك هذه العِصابة لا تُعبد في الأرض".

أرسل الكفار 3 من أشرس مقاتليهم، هم: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وطلبوا من المسلمين المنازلة، فبرز لهم بنو عفراء "معاذ ومعوذ وعوف بن الحارث"، وكانوا من الأنصار، لكن قادة المشركين أنفوا ورفضوا مواجهتهم، لأنهم رأوا فيهم قُدرات قتالية لا ترقَ إلى مستواهم، وطلبوا من رسول الله إرسال 3 أخرين من كبار مُقاتليه يكونوا أكِفاء وأنداداً لهم، فاختار 3 من أقاربه، هم: الإمام علي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب، وحمزة بن عبدالمطلب.

نازل عبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب - 63 عاماً، عتبة بن ربيعة - جد معاوية بن أبي سفيان لأمه، وكانا أسنّ القوم.

وواجه حمزة بن عبدالمطلب - 57 عاماً، شيبة بن ربيعة، وكانا أوسط القوم سِناً.

وتولّى الإمام علي عليه السلام - 20 عاماً، مهمة منازلة الوليد بن عتبة - وهو خال معاوية بن أبي سفيان، وكانا أصغر القوم سِناً.

ضرب الإمام علي الوليد على يمينه فقطعها، فأخذ يمينه بيساره، فضرب بها هامة الإمام عليه السلام.

ويصف سلام الله عليه ذلك: "ظنَنتُ أنَّ السماءَ وقعت على الأرض"، ثم ضربه ضربة أخرى على أم رأسه فقسمه نصفين.

وبرز له حنظلة بن أبي سفيان، فضربه، فسالت عيناه ولزم الأرض، وأقبل العاص بن سعيد، فلقيه سلام الله عليه فقتله.

وسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من له علمٌ بنوفل بن خُويلد".

أجاب الإمام علي عليه السلام: أنا قتلتُه.

فكبَّر صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: "الحمدُ للهِ الذي أجاب دعوتي فيه".

بعد مقتل قادة قريش الثلاثة اشتبك الجيشان، وتسبب مقتلهم في انهيار معنويات الكفار وتفرُّق وانهزام جيشهم، وتسهيل المهمة على المسلمين للإجهاز على ما تبقَ منهم.

ويذكر المؤرخون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ كفاً من الحصى ورمى بها على المشركين، وقال: "شاهت الوجوه"، فلم يبعد منهم أحد إلا بفرك عينيه، فكانت هزيمة قريش.


الشورى والتشارك في القيادة:

بعد وقوفه صلى الله عليه وآله وسلم على نية قريش بالمواجهة، ومعرفته قوام قوتهم وعتادهم، استشار الصحابة في الإجراء الواجب اتخاذه، وكان يقصد الأنصار، لأنهم الأكثر عدداً في جيش المسلمين، ولأنهم بايعوه قبل الهجرة إلى المدينة على المُؤازرة والنُصرة والحماية.

والاستشارة إجراء غير مألوف في ذلك الزمان، أراد منه معرفة مدى استقامة أصحابه من ألسنتهم، وإشعارهم بأهمية رأيهم عنده، وأنه ليس سُلطاناً مُستبداً يُصادر آراءهم وحريتهم، وإعطائهم درساً عملياً على الاشتراك في القيادة.

وهي أول خطوة في برنامج التعبئة الروحية والمعنوية والعسكرية.

كانت كلمات الصحابة فواحة بالشجاعة والعزة والإباء والاستقامة والثقة بنصر الله والثبات.

تذكر كتب السيرة أنّ المسلمين بعد وصولهم إلى "بدر"، ومعرفتهم بمجيء قريش وقوتهم وعتادهم، جزعوا وخافوا، فاستشارهم النبي في الحرب، قائلاً: "أشيروا عليّ"، فأشار بعضهم بعدم المواجهة، لأن هذه "قريش وخُيلاؤها ما ذُلّت منذ عزّت"، وأشار آخرون بخوض المعركة، وقال المقداد بن الأسود يومها كلمته الشهيرة: يا رسول الله والله لا نقول لك ما قالت بنو اسرائيل لموسى "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون"، ولكن نقول: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون".


الطابور الخامس:

كان الطابور الخامس حاضراً بقوة في تلك المعركة المصيرية، وكعادة هذه الفئة المخذولة والمُثبِّطة في كل زمان ومكان، استغل المنافقين واليهود المتخلفين في المدينة فارق العدد في المقاتلة بين المسلمين والمشركين، وخشيتهم من انتصار الرسول والمسلمين، لبث الشائعات والفزع والرعب في أوساط سكان المدينة المنورة، فأشاعوا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قُتل، وهُزم أصحابه في المعركة، وذلك من أجل نشر الفوضى والاضطراب واليأس، لكن مراميهم خابت وخسرت.

ولخطورة ذلك سارع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد انتهاء المعركة مباشرة بإرسال "عبدالله بن رواحة" و"زيد بن حارثة" إلى المدينة، لإخبار سُكانها بنصر الله لعباده المستضعفين، ليقطع الطريق على ذلك الطابور الشائه.


نتائج المعركة:

لحقت بالكفار هزيمة مُنكرة، وفقدوا فيها كبار القوم وصناديدهم وأشجع شُجعانهم وأعزّ أبنائهم، وبلغ عدد قتلاهم 70 وقيل 72 قتيلاً، وأُسر منهم 70، ومن أبرز قتلاهم: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وأبو جهل عمرو بن هشام.

وقتل الإمام علي "22 - 35" شخصاً من صناديدهم، منهم:

1 - حنظلة بن أبي سفيان

2 - العاص بن سعيد بن العاص.

3 - عبدالله بن المنذر.

4 - حرملة بن عمرو.

على الصعيد الإسلامي، ارتقى 22 شهيداً، 14 من الأنصار و8 من المهاجرين، وقيل ما بين "9 - 14" رجلاً، ولم يُؤسر منهم أحد.


التعامل الراقي مع الأسرى:

عاد المسلمون بالأسرى إلى المدينة، وتعاملوا معهم بطريقة إنسانية راقية كتعاملهم مع أي واحدٍ منهم، على عكس عادة العرب في التعامل مع أسرى الحروب، ثم قبلوا منهم الفداء، ومن لم يكن لديه ما يفدي به نفسه طلبوا منه تعليم 10 من أولادهم مقابل إطلاق سراحه.

ومن أهم المبادئ التي أرساها الإسلام في هذا الجانب:

1 - احترام الأسرى والرحمة بهم وعدم إيذائهم.

2 - عدم التنكيل بجثث قتلى العدو.


عوامل وأسباب النصر:

هناك عدة عوامل ساعدت مُجتمعة في صناعة سيمفونية النصر البدرية، أهمها:

1 - الإيمان المُطلق بالله، والتوكل عليه، والثقة بنصره وتأييده لعباده المستضعفين في أرضه.

2 - عشق الشهادة وإخلاص النية للجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله.

3 - الإيمان بالقضية والمظلومية، والاستعداد الكامل للتضحية بالغالي والنفيس في سبيل هذه الغاية السامية، والإخلاص والصدق في مواجهة العدو حتى لو كان من أقرب المقربين.

يقول الإمام علي عليه السلام: كنا مع رسول الله نُقاتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً وجِدّاً في جهاد العدو، فلمّا رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر حتى استقرّ الإسلام.

كما وجد الأنصار أنفسهم أمام أول تجربة في حماية رسول الله ونُصرته، والوفاء بما قطعوه على أنفسهم في بيعة العقبة، فكان قتالهم شديد الضراوة.

4 - التسديد واللطف والعناية الإلهية، بما في ذلك إمداد الله لعباده المؤمنين بالملائكة، وإرسال النُعاس والمطر، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وتقليل عدد المشركين في عيون المؤمنين.

5 - التخطيط والتدبير الحربي الجيد، وإعداد العدة والرصد الواعي، ومعرفة نقاط ضعف العدو.

6 - وضع رسول الله أقاربه في الخط الأول للمواجهة، فاختار الإمام علي وحمزة وعبيدة بن الحارث للمبارزة الأولى، ليُبرهن للمسلمين والمشركين على حدٍ سواء أنه صاحب رسالة إلهية، وليس صاحب مشروع شخصي، لذا فهو يبدأ بأهل بيته، ولا يستغلّ الناس للوصول إلى أهداف دنيوية خاصة، مُحيّداً أهل بيته وأقاربه عن المخاطر، كما يفعل الكثيرون من الملوك والزعماء السياسيين ممن يرسلون أبناءهم إلى خارج البلاد في أوقات الحروب ويقاتلون بأبناء الآخرين، وهذا الفداء والتضحية من أهم عوامل النصر.

7 - إدارة رسول الله المعركة بطريقة تُراعي العوامل المادية والمعنوية، وعبّأ أصحابه تعبئة إيمانية فائقة، وأحسّ بهم وأحسّوا به وامتزج بهم، وأصبح أغلى من أنفسهم، واستشارهم وطَّيب خواطرهم، وجعلهم هم الذين يقررون الإقدام على القتال.

8 - تحكُّم المسلمين في مُجريات المواجهة فكانوا أبطال ضرباتهم منذ بداياتها، وسبقوا العدو إلى الميدان والسيطرة على أرض القتال المناسبة، وتحكّموا في الماء، ووراء ذلك كله عناية الله بهم.


القيم والدلالات:

أسس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المعركة جملة من المفاهيم والمبادئ والأسس المهمة، منها:

1 - التأكيد على أن الغلبة للقوة الروحية وليس للقوة العسكرية كما يتوهّم أباطرة العالم المادّي، متى توافرت شروط الإيمان.

2 - أهمية دور القائد في احتواء المقاتلين ودعمهم مادياً ومعنوياً بالتشجيع والدعاء.

3 - التأكيد على أن أخوّة المسلمين الحقيقية بالعقيدة والإيمان، وجعلها أهم من الأخوّة في الدم إن كان الأخ كافراً بالله.

4 - التأكيد على أن الشورى أمان من الخطأ، وحرز من الخطر، وأن الاستبداد سبب كل الكوارث العاصفة بالبشرية عبر التاريخ.


المراجع:

1 - الدكتور المرتضى بن زيد المحطوري، السيرة النبوية، مكتبة بدر للطباعة والنشر، نسخة إلكترونية.

2 - أسعد عبدالله علي، قراءة في أبعاد نتائج معركة بدر، شبكة النبأ المعلوماتية، يونيو 2019.

3 - حاتم إسماعيل، دور علي عليه السلام في معركة بدر، موقع شبكة المعارف الإسلامية الثقافية.

4 - عبير المنظور، غزوة بدر الكبرى، انتصار ومنهج حياة، موقع مدونة الكفيل.

5 - علي الصلابي، غزوة بدر الكبرى .. حدث عظيم في شهر رمضان وبداية لانتصارات المسلمين، الجزيرة نت، 23 مايو 2019.

6 - محسن باقر محمد صالح القزويني، بدر: معركة الوجود، جامعة أهل البيت - كلية العلوم الإسلامية.

7 - محمد أحمد حسين، غزوة بدر الكبرى: دروس وعبر، موقع بوابة السيرة النبوية.

8 - محمد طاهر الصفار، معركة بدر .. بوصلة السماء، موقع العتبة الحسينية، 15 مايو 2019.

9 - موقع العلامة حسين الخشن، معركة بدر.. دروس وعبر.

10 - موقع حسين أنصاريان، بطولة الإمام علي عليه السلام في معركة بدر.

11 - موقع محمد نبي الرحمة، معركة بدر، 10 نوفمبر 2019.

12 - موقع مركز الاشعاع الإسلامي للدراسات والبحوث الإسلامية، معركة بدر الكبرى.

الأربعاء، 23 فبراير 2022

مزارع شبعا أرضٌ صغيرة يتصارع عليها الكبار


مركز البحوث والمعلومات: زيد المحبشي


برزت أهمية مزارع "شبعا" على المسرح الدولي لأول مرة عقب انسحاب الاحتلال الصهيوني من جنوب لبنان عام 2000، بفضل المقاومة الإسلامية اللبنانية، وكان قبلها الجنوب اللبناني مُستباحاً من العدو الصهيوني.

بعد استعادة الجنوب وتنظيفه من أوساخ اليهود، كانت هناك ضغوط دولية كبيرة على لبنان من أجل تجريد المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله من السلاح، فرفض الحزب تسليم السلاح والتخلي عن المقاومة، بسبب استمرار العدو الصهيوني في احتلال "مزارع شبعا" و"كفر شوبا"، واختراقه الدائم للحدود الدولية مع لبنان، والتعدي على حقوق لبنان في الثروة الغازية والنفطية في مياهه الإقليمية بحوض البحر الأبيض المتوسط.

 وفي العام 2008 حاولت الولايات المتحدة الأميركية اقناع الكيان الصهيوني بالانسحاب من المزارع، من أجل سحب ذرائع "حزب الله" في التمسك بسلاحه، لكن تل أبيب رفضت ذلك.

ومن يومها مارست واشنطن ولا زالت كل الأساليب القذرة من أجل سحب سلاح حزب الله، لأنها ترى فيه خطراً وجودياً على الكيان الصهيوني الغاصب، دون أي تعاطي جاد مع قضية "مزارع شبعا" و"كفر شوبا" بل مجرد توهيم وتعويم وبيع كلام.

وعملت واشنطن في السنوات التالية على تمييع قضية المزارع، ومحاولة طمس "الحق التاريخي" للبنان فيها بالتواطؤ مع موالي الصهاينة في البيدر اللبناني، الذين عملوا بكل صفاقة على نفي لبنانية المزارع خدمة لأسيادهم في البيت الأسود وتل الربيع "تل أبيب".

ورغم عدم حسم جدلية "الحق التاريخي" في المزارع تعتبر الحكومات اللبنانية المتعاقبة "مزارع شبعا" و"كفر شوبا" أراضي محتلة، وتعترف في مواثيقها بشرعية المقاومة المسلحة لاسترجاعها، وهو ما أعطى المقاومة حصانة في وجه المخططات الصهيونية والأميركية، وحال حتى الآن دون سحب سلاحها.

وتأتي أهمية الحديث عن المزارع اليوم، بسبب المفاوضات التي يخوضها لبنان مع الكيان الصهيوني بواسطة واشنطن لترسيم حدوده البحرية الجنوبية، وبموازاتها مفاوضات أخرى مع قبرص كانت قد قطعت شوطاً كبيراً ثم توقفت بسبب الأحداث التي شهدها لبنان في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وتسريبات عن تدخل تركي خفي في الملف أدى الى تجميده.

ويهدف لبنان من وراء هذه المفاوضات ترسيم حدوده البحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط، كي يتمكن من استخراج الثروات الكامنة في مياهه الإقليمية وأهمها الغاز، من أجل معالجة أوجاعه الاقتصادية المتفاقمة والمتناسلة من رحم الصراعات السياسية والتدخلات الخارجية.

بينما تأمل واشنطن من وراء رعايتها لهذه المفاوضات أن تفتح المجال للتفاوض حول ترسيم الحدود البرية بين لبنان والاحتلال الصهيوني، واستكمال تنفيذ أهدافها القديمة الخاصة بسحب ذرائع حزب الله للتمسك بسلاحه، وليست المفاوضات الجارية لترسيم الحدود البحرية سوى مقدمة لترسيم الحدود البرية، وأي تحرك في هذا الملف لا بُد أن يمر عبر "مزارع شبعا"، بما لها من أهمية جيوسياسية، تجعل العدو الصهيوني مع مرور الزمن أكثر تمسكاً بها.

والنتيجة إبقاء ملف الحدود البرية مفتوحاً على كافة الاحتمالات وفي مقدمتها الاحتمال العسكري، وسنحاول الوقوف على مدخلات ومخرجات المفاوضات الحدودية البحرية في قراءة أخرى إن شاء الله، ونكتفي في هذه القراءة بالوقوف على ملف المزارع وما تشكله من أهمية لأطراف الصراع ومستقبلها في خضم هذا الصراع.


الأهمية الجيوسياسية للمزارع

تكتسب المزارع أهميتها من بُعدين:

1 - أمني عسكري:

انتشار المزارع في موقع جغرافي بالغ الحساسية، وعلى ارتفاعات تتراوح بين 1200 - 2700 متر، جعل منها منطقة رقابة عسكرية بالغة الأهمية لمتابعة كل ما يجري في المنطقة، بدءاً من هضبة "الجولان"، ومروراً بـ"حوران" سورية و"الجليل" و"الخليل" وسهول "الحولة" وجبل "عامر" و"البقاع" في لبنان، وصولاً الى محافظة "أربد" في شمال الأردن. 


2 - مائي:

تشكل المزارع المصدر الرئيسي لمعظم روافد نهر "الأردن" – "بانياس"، "اللدان"، "الوزاني" - وجريان نهر "الحاصباني" في ناحيتها الجنوبية، واختزانها كميات كبيرة من المياه المُتوالدة بفعل ثلوج جبل "الشيخ"، ناهيك عن كونها تُمّثل الامتداد الطبيعي لخزان المياه الجوفية في المثلث "اللبناني - الفلسطيني - السوري"، وفي قسمها الشمالي ناحية السفح الغربي لجبل "الشيخ" أماكن للتزلج على الثلوج لا نظير لها في المشرق العربي.

في ضوء ما سبق لم يعد غريباً أن هذا "الجيوبوليتيك" اللبناني المنسي غالباً في ظل الأحداث الكثيرة والكبيرة التي مرّ بها البيدر اللبناني في العقدين الأخيرة، يظل من أهم بؤر التوتر الساخنة في خارطة الوضع الإقليمي والمُهدد بالانفجار في أية لحظة أمام عجز الأمم المتحدة في تطبيق قراراتها على كيان الاحتلال الصهيوني، وإصرار كل من لبنان وكيان الاحتلال الصهيوني وما بينهما سورية وحزب الله على مواقفهما، ما يجعل الصراع مفتوحاً على كل الاحتمالات، لاسيما وأن أهمية المنطقة في القاموس اللبناني تُماثل، وهذا ما لا يُدركه الكثيرون ربما، أهمية خط حدود 4 يونيو 1967 لدى سورية، بينما تُماثل أهمية القدس في القاموس الصهيوني.


 شبعا قلب لبنان وستر سورية

تتخذ مزارع شبعا شكل "لسان" ممتد على مُنحدرات وتلال مُتدرجة في الارتفاع عن سطح البحر يبدأ من ثاني قمة في جبل "الشيخ" – "زلقا" 2669 متر - وينتهي عند "النخيلة" و"مغر شبعا"، وصولاً إلى وادي "العد" وسهل "الحولة" وبحيرة "طبرية" جنوباً، وجبلي "السماق" و"رويس" شمالاً، ولذا فحدُّها الفاصل في الجنوب الطريق العام الوحيد الرابط "سورية" بـ"لبنان" - "المجيدية" اللبنانية بـ"بانياس" السورية.

والمزارع الرئيسية حسب القائمة السورية لعام 1960 والتقرير الأممي الصادر في 30 أكتوبر 2007، هي: مغر شبعا، زبدين، قفوة، رمتا أو مشهد الطير، برختا التحتا والفوقا، مراح الملول، فشكول، خلة غزالة، رويسة القرن، جورة العقارب، الربعة، بيت البراق، ظهر البيدة، كفر دوره أو كفر الحمام، بسيطرة.

وتبلغ مساحة المزارع 600 كيلو متر مربع، موزعة بين لبنان وسورية وفلسطين المحتلة، منها نحو 250 - 270 كيلو متر مربع أرض لبنانية مُحتلة هي قلب بلدة "شبعا" وشريان اقتصاد "العرقوب" اللبنانية، تشكل المزارع منها نحو 80 % أي ما يزيد عن 264 كيلو متر مربع، مقسمة على 18 مزرعة كبيرة تمتلكها عائلات لبنانية منذ العهد العثماني، وفي نطاقها 100 مزرعة صغيرة مُحاطة بثلاثة فواصل شائكة.


أصل الصراع

 احتل الكيان الصهيوني اللقيط المزارع على 8 مراحل، كانت الأولى في 21 يونيو 1967 تحت مبرر إرسال رئيس وزراء لبنان السابق "رشيد كرامي" رسالة تضامنية إلى دول المواجهة، وانتهت الأخيرة في أبريل 1989، وبذلك بسط الاحتلال على 80 % من خراج بلدة "شبعا".

أي أنها كانت إحدى تداعيات حرب 1967، رغم عدم مشاركة لبنان فيها، ووجود "معاهدة هدنة" مع الاحتلال، أعلن الاحتلال يومها إلغائها من جانب واحد، فيما أصر لبنان على التمسك بها.

واللافت هنا تعامل الحكومة اللبنانية مع المزارع قبل العام 1967 وكأنها خارج سيادتها، واعتبارها ضمن الأراضي السورية، فيما كانت بعدها تضع الجنوب بصورة عامة في سلة المُهملات، باستثناء مناشدة يتيمة أرسلها "سليم الحص" في العام 1988 إلى الأمم المتحدة.

انسحاب الاحتلال الصهيوني في 25 مايو 2000 من جنوب لبنان، والمندرج حينها تحت يافطة القرارين الأمميين 425 – 426 فيما يتعلق بالأراضي المحتلة في العام 1976، والصادرة في العام 1978، فجّر صِراعاً حاداً حول المزارع، حيث اعتبرها الاحتلال الصهيوني والأمم المتحدة ومجلس الأمن ضمن القرار 242 الصادر في العام 1967 فيما يتعلق بالأراضي السورية المحتلة، إلا أن الحكومة اللبنانية وحزب الله رفضا ذلك كما رفضا الإقرار بالخط الأزرق كحدود دولية مع الاحتلال مطالبين بالانسحاب إلى ما وراء الحدود الدولية لعام 1923 وشُمولية ذلك أجواء لبنان ومياهه الإقليمية.

ومنذ إعلان السيد "حسن نصر الله" في العام 2000 أن المزارع هدفه القادم، يُصرّ الاحتلال الصهيوني على أنها جزء من الجولان السورية المحتلة بموجب اتفاقية "فك الارتباط" مع سورية في العام 1974، ولذا فهي مُتعلقة بالقرار الأممي 242 وليس القرار 425، وهو موقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وربط مصيرها بمستقبل التسوية بين الاحتلال الصهيوني وسورية، بينما اكتفى البند العاشر من القرار الأممي 1701 الصادر في أغسطس 2006، بدعوة لبنان والاحتلال الصهيوني إلى احترام الخط الأزرق، وتكليف أمين عام الأمم المتحدة بوضع تصور لحل قضية مزارع "شبعا" وترسيم الحدود، والقرار الأخير ربط مصير هكذا تخريجة بوجود اتفاق "سوري – لبناني" على ترسيم الحدود الدولية، مُصادق عليه، ومُودع بهيئة الأمم المتحدة، ويحسم بصورة نهائية تبعية "شبعا"، وتالياً تسوية سلام "سورية – صهيونية". 

يأتي القرار 1701 على خلفية العدوان الصهيوني على لبنان في يوليو 2006 وما ترتب عليه من مطالب بتسليم المزارع للأمم المتحدة، لكن حزب الله رفض ذلك وكذا سورية والعدو الصهيوني، وتشهد المرحلة الحالية إعادة بحث متجدد حول مصير مزارع "شبعا".


التعاطي السياسي اللبناني

من أجل استرداد المزارع، عمل لبنان على خطين، هما:

1 - الاستشهاد بالوثائق والأدلة القاطعة، والاعتراف السوري بلبنانية المزارع.

2 - دعم المقاومة كعمل مشروع لتحرير الأرض.

لكن ذلك ظل محكوماً بالتقلبات السياسية الداخلية والإقليمية المتباينة فيما يتعلق بسلاح حزب الله، وصولاً إلى اقتراح حكومة "السنيورة" الموالية للسعودية في حينه وضع المزارع وتلال كفر شوبا تحت الرعاية الأممية، لسحب الذرائع من يد المقاومة، وهو ما رفضه الاحتلال الصهيوني، ما يعني وجود تباين لبناني حول تبعيتها أولاً، وآلية تحريرها التي باتت تحكمها التجاذبات السياسية السورية الصهيونية أكثر من ارتباطها بـ"الحق" و"القانون".

وفي الحالتين، فالأمر يتطلب اتفاق سورية ولبنان على ترسيم الحدود، مع الاختلاف حول "شبعا"، إذ ترى سورية أن حسم أمر المزارع لا يكون إلا بعد انسحاب الاحتلال، فيما يرى حزب الله أن تحريرها لا يكون إلا بالمقاومة.


أي مصيرٍ ينتظر شبعا؟

في منطقة مضطربة كالمشرق العربي تبدو المناطق المتنازع عليها بين لبنان والاحتلال الصهيوني هادئة نِسبياً على الأرض، وساخنة في البازار السياسي اللبناني تحديداً، وشبه محسومة في "تل أبيب"، خصوصاً وأن التصريحات والمواقف الصهيونية في العقدين الأخيرة مُجمعة على عدم الاعتراف بكل الاتفاقات السابقة للعام 1967، بمختلف مسمياتها حول ترسيم الحدود التي صارت في قاموس الاحتلال الصهيوني أثرية، كونها حدوداً لا يمكن الدفاع عنها ولا العودة إليها، بما فيها أيضاً الخط الأممي الأزرق لعام 2000، أي أنها ترسيمات مؤقتة فيما الترسيمات النهائية لازالت تنتظر الوقت المناسب.

ولعل هذا ما يفسر لجوء الاحتلال في جميع اتفاقياته ومعاهداته مع دول الجوار الإقليمي إلى عدم التنصيص على حدود العام 1967 بهدف إدخال التعديلات التي يريدها في أي اتفاق مستقبلي، وبما يضمن حماية كيانه أمنياً ومائياً.

أما المشهد اللبناني فإنه على ما يبدو لازالت تحكمه المناخات الإقليمية فيما يتعلق بالآلية الأكثر فعالية لاستعادة أراضيه والمتمحورة حول الدبلوماسية الضاغطة والقوة المقاومة، في حين أن الواقع يستدعي اقتران شرعية الحق بالبندقية، وهو أمر يتطلب الكف عن السجالات الداخلية حول تبعية تلك المناطق والتوقف عن تحميل سورية مسؤولية لا تتحملها.

فمصير المزارع في المحصلة يحتاج الى صفقة إقليمية كبيرة تشمل كافة الأطراف، وهناك مساعٍ أميركية روسية لتقسيم المزارع بالتراضي بين أطراف الصراع، ومحاولة لأقناع أطراف الصراع بانسحاب الاحتلال الصهيوني من 50 كيلو متر مربع لصالح لبنان، و50 كيلو متر مربع لصالح سورية، مقابل 50 كيلو متر مربع لصالح الاحتلال، ووضع المساحة المتبقية تحت رعاية الأمم المتحدة.

والى حين نضوج صفقة مُرضية، بما لا يُفرّط بالحق التاريخي للبنان، فالمطلوب لبنانيا على المستوى الحكومي والشعبي الاستمرار في دعم المقاومة اللبنانية والحفاظ على مشروعيتها وسلاحها حتى تحرير مزارع "شبعا" وكفر "شوبا"، ودعم استقرار لبنان، ورفض التدخل في شئونه الداخلية ورفض أي طرح يتعلق بتدويل مشاكله.

وتظل المقاومة وسلاحها صمام الأمان الوحيد لهذا البلد الصغير في مساحته، والكبير بمقاومته.

الأحد، 20 فبراير 2022

سرطان المستوطنات يخنق الفلسطينيين

 



 مركز البحوث والمعلومات: زيد المحبشي

 

تتراوح مساحة فلسطين التاريخية تحت الانتداب البريطاني بين "26400 – 27000" كيلو متر مربع، يقسمها خط وهمي بحسب هدنة 1949، يُعرف بـ"الخط الأخضر"، بموجبه يسيطر الاحتلال الصهيوني على القسم الأول المعروف بفلسطين القديمة "أراضي 1948"، وهذه مساحتها نحو 20990 كيلو متر مربع ومن ضمنها القدس الغربية، والشطر الثاني المعروف بفلسطين الجديدة "أراضي 1967" ومن ضمنها القدس الشرقية، وهذه لا تتجاوز مساحتها 6010 كيلو متر مربع، وبالتالي فالتفاوض في مراحله المختلفة بات مقتصراً عليها، أي على الضفة والقطاع والقدس الشرقية.

ميدانياً، المناطق المتبقية للفلسطينيين مخنوقة بالمستوطنات وجدار الفصل العنصري، ففي الضفة وحدها تستحوذ المستوطنات على "35 – 58 %" من أراضيها، وفي القدس المحتلة لم يتبقَ للعرب سوى الأحياء العربية الواقعة خارج حدود الجدار، وهذه قد تم ملئها بالمستوطنات.

إذن ما الذي تبقى للفلسطينيين في حال كانت هناك توجهات دولية حقيقية لتنضيج خيار الدولتين كمخرج وحيد لحلحلة عُقد الصراع "الصهيوني - الفلسطيني".

ملف "المستوطنات" من أكثر ملفات التسوية تعقيداً، بسبب هالة الألغام المُحيطة به، وحجر عثرة أمام رهانات التسوية" بالنظر إلى الأهمية التي يحتلها في قائمة أجندة الاحتلال وضعف الموقف العربي وعدم جدية الإدارات الأميركية المتعاقبة في التعامل معه من منظور الحقوق والاستحقاقات، وبالنظر إلى نجاح الاحتلال في فرض وقائع ميدانية لم يعد بالإمكان تجاوزها أو إيجاد مخارج لها.

 

مخططات متوالدة:

تعود بداية تكريس الاستيطان بالقوة إلى العام 1920، ومن حيث التنظير والاهتمام إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وما شهدته من حراك عالمي واسع للحركة الصهيونية تمثّل في إقامة المراكز البحثية المعنية بدراسة مشاريع الاستيطان في فلسطين، وحشد الموارد الكفيلة بترجمتها على الأرض بدءاً بالعمل الميداني تحت حماية قوات الانتداب ومروراً بحربي 1948 و1967، وما صاحبهما من عمليات تهجير وتطهير واسعة للفلسطينيين، أدت إلى نزوح أكثر من 6 ملايين فلسطيني، وتغليب الوجود اليهودي على الوجود العربي في أراضي 1948، وانتهاءً بتوظيف أجواء المفاوضات منذ أوسلو 1993 وما تلاها لفرض المزيد من الحقائق والوقائع الاستيطانية، التي تحول دون حلم الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة.

أنشأ الصهاينة العديد من المستوطنات بعد عام 1948 على أنقاض البلدات والقرى الفلسطينية التي تشكل 78 % من أرض دولة فلسطين التاريخية المُستوّلى عليها، وبعد حرب العام 1967، استولى العدو على الـ 22 % المتبقية من أراضي دولة فلسطين التاريخية، الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، وبدأ ببناء مستعمرات استيطانية لليهود فقط على هذه الأراضي.

وأنشأ العدو "طُرقاً التفافية" لربط مستوطنات القدس الشرقية والضفة الغربية ببعضها، وبأراضي 1948، هذه الطرق تفصل الأراضي الفلسطينية عن بعضها، ويُسمح لليهود فقط باستخدامها.

ويتعمد العدو بناء هذه المستوطنات على الأراضي الفلسطينية الخصبة والمليئة بالمصادر الطبيعية، وسلب الفلسطينيين حقهم في إنشاء دولة حتى على القطعة الصغيرة المُتبقية من أرض دولة فلسطين التاريخية في الضفة والقطاع والقدس الشرقية.

وتُعتبر تل أبيب من أوائل المستوطنات التي بناها الصهاينة في أوائل القرن العشرين.

شيّد الصهاينة الكثير من المستوطنات في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وتضاعف عدد سكانها في السنوات الـ 20 الماضية بصورة مُلفتة، وتتحدث الأرقام الرسمية عن تجاوز متوسط ولادة المستوطنة الصهيونية 7.59 أطفال في الوقت الراهن، بينما لا يتجاوز متوسط ولادة النساء الفلسطينيات 3.2 أطفال.

ويحاول العدو من خلال رفع نسبة التكاثر تغليب العرق اليهودي على الوجود العربي في فلسطين المحتلة، أملاً في أن يقود ذلك في حال كانت هناك توجهات فعلية لإنجاز تسوية دائمة للقضية الفلسطينية الى اسقاط خيار الدولتين، وتحويل الفلسطينيين الى أقلية، وقذف هذه الأقلية في أحضان مصر والأردن والمنافي البديلة المخصصة للتوطين.

السرطان الاستيطاني يستحوذ على أكثر من 58 % من أراضي الضفة، أي نحو 3277 كيلو متر مربع من إجمالي مساحة الضفة (5650 كيلو متر مربع)، يتواجد بها أكثر من 300000 - 427800 مستوطن، و270 ألف مستوطن في القدس الشرقية، أي نحو 7 % من يهود الكيان العبري، ويتضاعف النمو السنوي لسكان المستوطنات بمقدار 3 أضعاف نمو السكان اليهود في أراضي 1948، ونسبتهم في الضفة نحو 20 % من عدد السكان الفلسطينيين.

وسيطر الاستيطان على نحو 163 كيلومتر مربع من أراضي القدس الشرقية بصورة أصبح معها الوجود العربي أقلية أمام أغلبية يهودية لأول مرة في التاريخ، أضف لذلك الحواجز المقطعة للضفة والتي تتجاوز أكثر من 640 حاجزاً وفقاً للإحصائيات المنشورة ما قبل العام 2010، واقتطاع الجدار العازل أكثر من 975 كيلو متر مربع من مساحتها، وحجز نحو 346 ألف فلسطيني خلفه، سيحرمون من نعمة التواصل مع ذويهم، وعزل نحو 154 ألف مقدسي عن مدينتهم، واقتطاع 200 كيلو متر مربع في العام 1950 بطرق ملتوية لصالح المستوطنات من أصل 555 كيلو متر مربع هي إجمالي مساحة قطاع غزة بموجب خطوط هدنة عام 1949، ونحو 20 % (72 كيلو متر مربع) تم اقتطاعها خلال العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين لصالح الجدار العنصري في القطاع، وكلها حقائق لم تعد قابلة للإلغاء أو المساومة بل المطلوب الاعتراف بها وبسيادتها كواقع لم يعد ممكناً تغييره.

وتتحدث الإحصائيات عن بناء العدو أكثر من 250 مستوطنة منذ العام 1967، تتوزع بين الضفة الغربية وغزة، وتحتل مساحة إجمالية من الأراضي الفلسطينية تُقدر بنحو 10183.5 هكتارات، منها 160 مستوطنة و200 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة و69 مستوطنة في القدس الشرقية، ناهيك عن 121 – 250 بؤرة استيطانية (مستوطنات بُنيت دون إذن من الحكومة الصهيونية) ما بعد العام 1993.

يعيش في الضفة الغربية المحتلة صغيرة المساحة بما فيها القدس الشرقية، نحو 427800 - 600000 مُستوطناً، في تجمعات منفصلة عن بعضها، بحسب إحصائيات العام 2014.

في العام 2010 كانت هناك مبادرة أميركية للسلام في فلسطين المحتلة، تمخضت عن اعلان الكيان الغاصب مخطط طويل الأمد يقضي ببناء أكثر من 60 ألف وحدة استيطانية في القدس الشرقية والضفة خلال الفترة "2010 – 2020".

وفي 24 أكتوبر 2021 أعلن العدو عن مخطط يتضمن بناء 3100 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة، وفقاً لصحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية.

وتتحدث بيانات حركة "السلام الآن" الحقوقية الصهيونية عن وجود نحو 666 ألف مستوطن إسرائيلي و145 مستوطنة كبيرة و140 بؤرة استيطانية عشوائية غير مرخصة من الحكومة العبرية بالضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية المحتلة.

وفي 15 فبراير 2022 كشف تقرير لمعهد الأبحاث التطبيقية (أريج) مخطط جديد للاحتلال يقضي بمصادرة " 70048 دونماً من الأراضي الفلسطينية التابعة لمحافظتي "الخليل، و"بيت لحم" في الضفة من أجل بناء مستوطنات تمتد من بلدات "سعير" و"الشيوخ" في "الخلیل"، الى "البرية الشرقية" لـ"بیت لحم"، تحت مبرر "محمية طبيعية".

وتعود بداية مخططات الاستيطان في هاتين المحافظتين الى العام 1983، وتم تجميده ووضعه في الدُرج، ليتم في هذه المرحلة توسيعه والإعلان عن البدء بتنفيذه.

ويستند العدو في مصادرة الأراضي الفلسطينية على أمر عسكري أصدره في العام 1969 يحمل الرقم 363، بموجبه يحق للسلطات الصهيونية المدنية الإعلان عن أي منطقة في الضفة الغربية المحتلة "محمية طبيعية"، وهو اسم الدلع لتبرير تمدد المستوطنات، في الوقت الذي تحظر فيه سلطات العدو على الفلسطينيين استخدام هذه الأراضي بذريعة أنها "محميات طبيعية".

كما يتذرع الصهاينة لتبرير التمدد الاستيطاني بالصلات التاريخية والتوراتية بالأرض، والدواعي الأمنية.

ويعتقد بعض المستوطنين أن "الرب" يأمرهم باستيطان هذه المناطق، وتتحدث الإحصائيات عن تحول التجمعات الاستيطانية الى بؤر للإرهاب الصهيوني، فثُلثي سكانها من اليهود المتشددين دينياً، وبقية المستوطنين يفضلونها بسبب رُخص العقارات فيها وتوافر الخدمات المُريحة، وهذا سيكون له تبعات خطيرة  ليس على الفلسطينيين فحسب بل وعلى اليهود ذاتهم من صراعات كامنة وخاملة مهددة بالانفجار في أية لحظة بين المتزمتين والمنفتحين منهم، ناهيك عما يمارسونه من جرائم ضد الفلسطينيين بمباركة سلطاتهم المدنية وحماية جيشهم، في ظل صمت مخزي من الأمم المتحدة بمنظماتها المختلفة.

ويزود العدو المستوطنات بالخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء، كما تتمتع بحماية الجيش الصهيوني، ويسمح العدو لقُطعانه في الضفة الغربية بحمل السلاح، ودفعهم للاعتداء على المواطنين والمزارعين الفلسطينيين.

وتتوزع المستوطنات في شتى أرجاء الضفة الغربية المحتلة، ولأن الكثير منها مشمولة بحماية الجيش الصهيوني ومحظورة على الفلسطينيين، فإن وجودها يفصل المدن والبلدات والقرى الفلسطينية عن بعضها البعض، ويُعقّد التواصل والانتقال والتنمية في المناطق الفلسطينية.

والأكثر خطورة مصادرة العدو الآلاف من الدونمات الفلسطينية تحت تهديد السلاح، واستغلالها كأماكن لدفن نفايات المصانع الكيميائية والنفايات النووية المتأتية من مفاعلي "ديمونا" و"ناحال سوريك"، واستعمالها كمستودع للنفايات العامة والقاذورات وأماكن تجمع الصرف الصحي بالقرب من القرى والمدن والمخيمات الفلسطينية، بما لذلك من تداعيات كارثية على الفلسطينيين، بيئياً وسُكانياً وحياتياً.

 

الموقف الفلسطيني:

رغم المقاومة الفلسطينية الشعبية المستمرة للاستيطان، فإن الاهتمام السياسي القيادي بهذا الملف أتى متأخراً جداً، وتحديداً في العام 2008 عندما قرر المفاوض الفلسطيني ربط استمراره في المفاوضات بتجميد الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية دون القدس الشرقية، أي فيما يتعلق بمستوطنات ما بعد 1967 وإزالة مستوطنات ما بعد أوسلو 1993، وهو ما أثار التساؤل عما إذا كان المفاوض الفلسطيني بات على قناعة بأن المستوطنات لم تعد تُمثّل حجر عثرة أمام السلام الذي ينشده؟.

الاحتلال بغض النظر عن مسميات حكوماته المتعاقبة غير مكترث بعملية السلام بعد أن ضمن عملياً طوي الانشغال بملف الأمن الخارجي عبر الجدار والتنسيق الأمني في الضفة والحصار على القطاع، لكنه مع ذلك يظل في حاجة للمفاوضات فقط لأنها تحميه من الضغط والعزلة الخارجية.

 

مستقبل المستوطنات:

نجح الاحتلال عملياً في حصر الخلاف حول عدد محدود من المستوطنات التي تم بنائها بعد اتفاق أوسلو 1993، لأنها تمت بصورة عشوائية وغير قانونية، وهي بمجملها لا تتجاوز 250 مستوطنة يقع معظمها خارج الخط الأخضر، وتمحور خلاف واشنطن مع تل أبيب خلال إدارتي بوش الإبن وأوباما حول 100 مستوطنة من أصل 121 مستوطنة تم الاعتراض عليها.

وتعمل الإدارات الأميركية المتعاقبة على دفع المفاوض الفلسطيني للاعتراف بإسرائيل دولة يهودية نقية خالصة، والاعتراف بالواقع الديموغرافي الاستيطاني في الضفة والقدس الشرقية، وبشرعية جدار الفصل العنصري، وإسقاط حق العودة، والاعتراف بشرعية عمليات التوطين في الدول العربية المتواجد بها الفلسطينيين.

والفلسطينيون يدركون أكثر من غيرهم بأن الإدارات الأميركية بمختلف مسمياتها لم ولن تُبدي أي جدِّية في التعامل مع ملف المستوطنات، لأن الاستيطان يمثل عصب الكيان الغاصب وصمام الأمان لاستمراره إلى جانب مشاريع التهويد والجدار العازل.

ويبقى الرهان الوحيد لتخليص الفلسطينيين من كابوس هذا السرطان الخانق لأنفاسهم في إعادة توحيد صفوفهم خلف المقاومة، وبلسمة جراح التشظي، وما عدا ذلك وهمٌ وسراب.


الأربعاء، 16 فبراير 2022

العلاقات اليمنية الصينية في عهد الإمام أحمد




مركز البحوث والمعلومات: زيد المحبشي

شهدت العلاقات "اليمنية - الصينية" تقارباً نسبياً في عهد الدولة الرسولية، تمثّل في تبادل الزيارات والهدايا، وتنشيط التجارة البينية، وكانت الدولة الرسولية ذات شوكة وسطوة وحضور في محيطها العربي والإقليمي، وفاعل سياسي وازن في الأحداث الدولية، ما جعلها تفرض احترامها على الفاعلين الدوليين في عصرها، ومنهم الصين الطامحة حينها الى اكتشاف العالم وتنويع طرق التجارة العالمية، وكان لها قصب السبق في اكتشاف العالم، قبل أن يفكر الأوربيون بتدشين رحلاتهم الاستكشافية الجغرافية، ومثّل اليمن حينها إحدى محطات الرحّالة الاستكشافي الصيني "تشنغ خه"، "1418 - 1433م".
وفي الفترة "1616 - 1911م" شهدت العلاقات تراجعاً ملموساً بسبب الحكم الاستعماري الذي مارسته الدول الغربية الكبرى على الصين بعد حرب "الأفيون" 1840م، وتفشي أعمال القرصنة على طول طريق "البخور".
وبعد ثورة 1911 انهمكت الصين في معالجة شؤونها الداخلية، لتستعيد تنشيط سياستها الخارجية بعد تأسيس "جمهورية الصين الشعبية" عام 1949، فاتجهت الى إحياء صلاتها التاريخية مع الوطن العربي.
واكب ثورة الصين 1911، ثورة الإمام "يحيى بن محمد حميد الدين" على الاحتلال العثماني وتمكُّنه من انتزاع استقلال المحافظات اليمنية الشمالية والغربية، والتوجه الى انتهاج سياسة خارجية متوازنة مع الفاعلين الدوليين تقوم على الندية والاحترام المتبادل وتبادل المنافع والمصالح دون التفريط بالسيادة الوطنية، ودون الارتهان لأيٍ من الفاعلين الدوليين، وبالفعل نجح الإمام "يحيى حميد الدين" في توقيع العديد من اتفاقيات التعاون وتنشيط التبادل التجاري مع العالم الخارجي.
في العام 1949 شهد العالم مولد "جمهورية الصين الشعبية"، فانخرط التنين الوليد منذ أيامه الأول في مواجهة مفتوحة مع دول الاستكبار العالمي، ولعب دوراً محورياً في حركة "عدم الانحياز" الداعمة لاستقلال دول العالم الثالث، وخروجها من تحت عباءة الاستعمار الغربي بتلاوينه، وكانت هذه الحركة تضم في صفوفها العديد من الدول العربية، ما أدى الى تسهيل مهمة التقارب "العربي - الصيني".
التقارب في المواقف السياسية تحت مظلة حركة "عدم الانحياز" حول قضايا الساعة، وإن اختلفت أهدف هذا التقارب، شجع الصين في العام 1950 على التوجه الى العالم العربي من أجل إقامة علاقات دبلوماسية مع دوله الخارجة من تحت عباءة الاحتلال الغربي والعثماني.
التوجه الصيني نحو المشرق العربي تزامن مع صعود نجم الإمام "أحمد بن يحيى حميد الدين" وتسلُّمه الحكم في اليمن عقب استشهاد والده، وانتهاجه سياسة والده في التعاطي مع ملف السياسة الخارجية، بما في ذلك تدشين العلاقات الدبلوماسية مع بكين في 24 سبتمبر 1956، وما ترتب عليها من تنوع في مجالات التعاون المختلفة، بعد شهرٍ واحدٍ فقط من اعتراف "المملكة المتوكلية اليمنية" بـ"جمهورية الصين الشعبية"، في 31 أغسطس 1956، كثالث دولة عربية بعد مصر وسورية.
ومن وقتها دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة من التقدم والنماء والتطور في كافة المجالات.
وتضمن اتفاق 24 سبتمبر 1956 اقامت علاقات دبلوماسية على مستوى "وزير مفوض" بين اليمن الشمالي والصين.
وفي العام 1957، فتحت الصين الشعبية مفوضية دبلوماسية لها في مدينة "تعز"، وبالمقابل لم يتمكن اليمن الشمالي من فتح تمثيل مقيم له في "بكين" بسبب الظروف الاقتصادية، كما أن عدد الكادر الدبلوماسي اليمني وقتها كان ضئيلاً جداً، فاكتفت صنعاء بتعيين "عبدالرحمن عبدالصمد أبو طالب" "وزير مفوض" غير مقيم لدى "الصين". 
التقارب الدبلوماسي تُوِّج بزيارة الأمير البدر "محمد بن أحمد بن يحيى حميد الدين"، لـ"بكين"، في العام 1957، في حين يرى الدكتور "علي عبدالقوي الغفاري"، ان الزيارة كانت في صيف عام 1956، بعد زيارة "البدر" لـ"موسكو" و"براغ"، والراجح أنها في العام 1957، لعدة مؤشرات لعلى أهمها:
1 – استغراق زيارة "البدر" لـ"موسكو" و"براغ" وقتاً ليس هيِّناً.
2 - توافق الكثير من المصادر على أن زيارته للصين كانت في العام 1957.
وتم خلال الزيارة التوقيع على العديد من اتفاقيات التعاون المشترك.
وفي أغسطس 1960، أرسل الإمام "أحمد بن يحيى حميد الدين"، وفداً رسمياً الى "بكين" و"موسكو"، برئاسة "محمد عبدالله العمري"، إلا أن الوفد استشهد إثر حادث سقوط الطائرة الروسية المُقِّلة لهم، وهم في طريقهم الى بكين دون نجاح مهمتهم.

وقامت الصين حينها ببناء العديد من المشاريع الخدمية، أهمها:
1 - شق طريق "صنعاء - الحديدة" كأول طريق يربط بين المحافظات اليمنية، تم إنجازه خلال عامين فقط، دون ضجة، وفي جو من المودة الشعبية والرسمية، وهذا هو حال كل المشاريع الصينية المنفذة في اليمن في السنوات والعقود التالية، والتي عادة ما يضعها الصينيون موضع التنفيذ بمجرد الانتهاء من التوقيع على اتفاقياتها، والسبب إيمان الصينيين بأن نجاحهم في إقامة علاقات ناجحة مع هذه الدولة أو تلك مرهونٌ بمدى كفاءة وسرعة انجاز المشاريع التعاونية.
عكس التعامل الأميركي الفظ في تنفيذ المشارع التعاونية بما يصاحبه من تعقيدات ومشاكل مع العمال المحليين والأنظمة المحلية، وتعثر في التنفيذ، كما هو حال مشروع "خط النقطة الرابعة" في شق طريق "تعز – المخا".
2 - مصنع "الغزل والنسيج" بصنعاء.
3 - إصلاح ميناء "المخا" بعد أن ظل أطلالاً لأكثر من أربعة قرون، وتحديداً منذ العام 1541م، كما يذكر "إريك ماكروا".
وأرسلت الصين العديد من الأطباء إلى اليمن لتحسين الخدمات الصحية في القرى والمدن، وقدمت القروض المُيسّرة، واستقبلت الطلاب اليمنيين في معاهدها وجامعاتها.
على صعيد الاتفاقيات:
وقع الطرفين في 12 يناير 1958 بالعاصمة الصينية "بكين" معاهدة "صداقة وتعاون مشترك"، شملت: 
1 - اتفاقية للتعاون العلمي والفني والثقافي.
 2 - معاهدة تجارية.
 3 - اتفاقية لبناء مصنع "الغزل والنسيج" بصنعاء.
وكانت الطاقة الانتاجية لهذا المصنع تُقدّر بحوالي 7.8 ملايين متر من الأقمشة في السنة.
4 - اتفاق قرض، تضمن تقديم الصين 70 مليون فرنك سويسري لصنعاء، من أجل تنفيذ العديد من المشاريع الخدمية كالطرق والمصانع وحفر الآبار وشراء قطع الغيار وبناء الورش والصيانة، وكانت هناك قروض صينية أخرى من أجل دعم التنمية في اليمن، لكن قيام النظام الجمهوري في شمال اليمن حال دونها.
وفي 23 يناير 1959، وقعّت الصين واليمن بمدينة "تعز" على بروتوكول طريق "صنعاء – الحديدة".
وفتحت الحكومة الصينية أبواب معاهدها وكلياتها العلمية للطلاب اليمنيين، ووصلت أول بعثة طلابية يمنية الى "بكين" في العام 1959.
وفي ديسمبر 1961، تم الانتهاء من تنفيذ مشروع الطريق الاسفلتي الرابط بين الحديدة وصنعاء، بطول 231 كيلو متر.

وفيما يتعلق بعلاقات الصين مع عدن قبل الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، عملت "جمهورية الصين الشعبية" في إطار حركة "عدم الانحياز" على دعم حق الشعوب العربية في تقرير المصير ونيل الاستقلال، وأعلنت تأييدها لنضال أبناء جنوب اليمن ضد الاستعمار البريطاني، أثناء زيارة رئيس وزرائها "شوان لاي" للقاهرة في العام 1964.
استمر التأييد الصيني لنضال الشعب اليمني حتى نال استقلاله عن الاستعمار البريطاني في العام 1967.
وما بعد استقلال جنوب اليمن عن الاستعمار البريطاني، وتحول شماله من النظام الملكي إلى الجمهوري بدأ فصل أخرى من العلاقات اليمنية الصينية، مُحرِّكها الصلات التاريخية.

 


 

السبت، 29 يناير 2022

التواصل التاريخي بين اليمن والصين


بقلم زيد يحيى المحبشي

شهدت العلاقات "العربية - الصينية" تنامياً مضطرداً منذ ما قبل ميلاد المسيح عليه السلام، فرضتها عراقة الحضارتين، وتتحدث المصادر التاريخية للطرفين عن وصول أول مبعوث صيني الى البلاد العربية في عهد مملكة "دايوتشي" عام 139 قبل الميلاد، ووصل أول مبعوث سياسي رسمي للصين الى المدينة المنورة بعد الإسلام في 25 أغسطس 651 م، وهذا التاريخ يشكل البداية الفعلية للعلاقات الرسمية بينهما.
وفي القلب من هذا التقارب كانت اليمن تحتل الصدارة في قائمة الاهتمامات الصينية، بالنظر الى موقعها الجغرافي المتحكم في خطوط الملاحة البحرية بين الشرق والغرب، وموقعها الهام في طريق الحرير البحري والبري، وطريق العطور، وما تزخر به أرضها من ثروات خصوصاً اللبان والبخور والأعشاب الطبية.
وتتحدث المصادر التاريخية عن امتداد الفتوحات الحميرية الى الصين منذ القرن الاول الميلادي، وفتح الحميريين والازديين بعض مدن الصين.
وكانت عدن همزة الوصلة بين الشرق والغرب وميناء تجاري هام لتحكمها في مضيق باب المندب، الأمر الذي أهلّها لتسيّير سفنها التجارية الى موانئ الصين منذ قديم الزمن، مما ترك أثره على تطبيع العلاقات السياسية بين الطرفين.
 ووصلت العلاقات في عهد الدولة الرسولية الى مكانة متقدمة من التفاهم والاحترام المتبادل، وتبادل الزيارات، وتتحدث المصادر التاريخية عن قبول امبراطور الصين شفاعة السلطان الرسولي "يوسف بن عمر" في السماح لمسلمي الصين بممارسة طقوسهم الدينية في ختان أولادهم خلال الفترة "647 - 694 هـ"، وكان الملك الصيني حينها قد أصدر مرسوماً يُحرِّم على مسلمي بلده ختان أولادهم، فلجئوا الى السلطان الرسولي ليراجع ملك بلادهم في ذلك.
 وشهدت فترة الدولة الرسولية "1229 - 1454 م" تبادل للهدايا، واقامة للعلاقات الدبلوماسية، وتنشيط للجانب التجاري، وزيارة قائد الاسطول البحري الصيني "تشنغ خه" الشهير بـ "ذي الجواهر الثلاث" لعدن ثلاث مرات خلال الفترة "14 يناير 1418 - أغسطس 1433م"، وما سجله من انطباعات عن زيارته، شكلت صورة جميلة عن اليمن الأرض والانسان والتاريخ لازالت مرتسمة في ذاكرة الاجيال الصينية الى اليوم.
وينحدر "شينغ خه" من أسرة مسلمة من قومية "هوي"، وتعود جذوره الى قحطان اليمانية السبائية كما يذكر البروفيسور "ليوينغ شن" رئيس معهد الدراسات الآسيوية بجامعة "نانجينغ"، مؤكداً بأنه مسلم الديانة، وأنه كان مُهتماً ببناء المساجد، مستدلاً على ذلك ببنائه أكبر مسجد في مدينة "نانجينغ"، حاضرة مقاطعة "جيا نغسو" في عهد اسرة "مينغ"، ولايزال شاهداً الى اليوم.
وعندما رأى "شينغ خه" مدينة عدن خلال زيارته الأولى وجدها صالحة لشراء النفائس وإجراء التعاملات التجارية. 
نتيجة لهذا الحراك التجاري فلا غرابة ان نجد اليوم قرية تجارية حاضرة وماثلة وشاهدة لعراقة العلاقات "العربية - الصينية" بمدينة "ايوو" بقلب مقاطعة "تشيجيانغ"، يتواجد فيها 3000 تاجر أجنبي، ينتمون لأكثر من 40 بلداً، نصفهم من اليمن والامارات ومصر، كما يوجد بها أكثر من 200 شركة تجارية من الشرق الأوسط، و2000 متجر عربي.
وتتحدث المصادر التاريخية عن وصول التوسعات العسكرية لملوك اليمن في زمن الدولة الحميرية الى "سمرقند" و"بخاري" وحدود "الصين" وفقاً لما اشار اليه "دعبل الخزاعي" في ديوانه الشهير، وأكدت بعض المصادر أن "الحميريين" و"الازد" فتحوا أبواب "الصين"، وبلغوا "خرسان" و"مكران" و"سمرقند" و"بخاري" و"التبت" قبل الإسلام بقرون عديدة خلال الهجرات العربية الأولى، ومنهم من استقر بتلك المناطق.
وفي زمن الملك الأموي "عبدالملك بن مروان"، "705 - 715 م" فتح القائد المسلم "قتيبة بن مسلم الباهلي اليماني"، مدينة "بخاري" و"سمر قنده"، ووصل الى حدود "الصين"، حالفاً بألا ينصرف حتى يطأ أرضها، ووصل الأمر الى امبراطور الصين، فأرسل اليه هدية ثمينة من الحرير وصِحاف الذهب، معبأة بالتراب الصيني، ليطأها ويتحلل من يمينه، فقبل "قتيبة" الهدية ووطأ التراب، ورجع من حيث أتى.
ويوجد في الصين العديد من الآثار التي شيدها الفاتحين من أبناء اليمن منها: "المسجد اليمني"، يقع خارج بوابة "تومن" بمدينة "الزيتون"، بناه أحد التجار اليمنيين في عهد اسرة "سونغ".
وتُؤكد الكتابات الموثقة من قبل المؤرخين العرب والصينيين تنشيط التبادل التجاري بين الصين واليمن منذ العام 1178 م، اذ كانت اليمن تُصدِّر البخور والتوابل والعطور، وتستورد من الصين الحرير والخزف والذهب والفضة والمسك التبتي. 
ويتحدث المؤرخ "صلاح الدين بن البرهان الحكيم" في كتابه "مسالك الأبصار"، أن عدن من أهم مراسي اليمن الزاخرة بممارسة التجارة منذ زمن التبابعة، وعليها كانت ترد المراكب من الحجاز والسند والهند والصين والحبشة، ولم يخلوا أسبوع من عدة سفن وتُجار واردين عليها، وبضائع شتى ومتاجر منوعة، ما أدى لاستيطان الكثير من الاقوام والاعراق فيها والتزاوج مع سكانها.
كما كان لميناء "الشحر" أهمية كبيرة في التجارة الخارجية، وهمزة وصل مهمة بين الشرق - الصين والهند والملايو وجاوه – والغرب، الى جانب ميناء "القنا" بمنطقة حصن، وميناء "شرمة"، فكان اليمنيون يحملون منها السلع الحضرمية، الى العالم الخارجي.
ومن لطيف ما يذكره المؤرخين إستهواء بعض الاقاليم الخارجية للتجار اليمنيين، ففضلوا البقاء فيها فترات، واتخذوها وطناً لهم، وعندما كسدت تجارة البخور والطيب بسبب المنافسة الهندية والصينية، عمل اليمنيون في نقل السلع الهندية والصينية على اسطولهم التجاري، كما احتكروا صناعة الشحن والتفريغ في موانئ التصدير والتوريد، وامتد نشاطهم الى جزيرة "هينان" الصينية، واقليم "ناتال" بجنوب شرق آسيا.. الخ.
ولم يكن التبادل العلمي بأقل أهمية، وتؤكد المصادر الصينية أن علم الصيدلة انتقل الى الصين من اليمن منذ القرن السابع الميلادي، على خلفية إرسال الدولة الإسلامية في المدينة المنورة اول بعثة طبية اسلامية الى الصين في 25 أغسطس 651م، وشهد التبادل الطبي تنامياً مطرداً سواء على مستوى معالجة الامراض المتفشية أو التطوير المترافق معها للأدوات الطبية المستخدمة في التطبيب، والاهم من ذلك تطور صناعة العقاقير المستخدمة في المعالجة.
وهناك مجموعة من الوثائق والمخطوطات الاسلامية الهامة في مختلف العلوم والمعارف تم العثور عليها في الصين في منتصف الأول من القرن الواحد والعشرين إن لم تخنا الذاكرة، وجد بعد دراستها من قبل المختصين ما دعى الى التأكيد بأن صيادلة الصين تعلموا علم الصيدلة على يد اليمنيين، كما أنهم نقلوا العديد من الاعشاب اليمنية الى الصين لزراعتها والاستفادة منها في علاج الأمراض المستعصية.
كما أوضحت أن أباطرة الصين أوفدوا عدداً من البعثات الطبية الى اليمن للاستفادة من خبرات علمائها في علم الصيدلة ومداواة الأمراض، بالإضافة الى تناولها براعة اليمنيين في المعالجة، كما تحدثت الموسوعة الدوائية الصينية عن الأدوية اليمنية مشيرة الى أن علماء الصيدلة في الصين نقلوا الى بلادهم 183 نوعاً من الأعشاب الدوائية اليمنية.
وليس هذا بغريب على اليمنيين والعرب، فقد كان لهم قصب السبق منذ عهد الدولة العباسية في اجراء العمليات الدقيقة ووضع أصول الطب وأخلاقياته والبراعة في طب التخدير وعلم التعقيم وصناعة الآلات الجراحية ومعالجة الأمراض النفسية، وأمراض العيون، وألفوا في ذلك العديد من الموسوعات المُشاد بها عالمياً، كما انهم قطعوا شوطاً كبيراً في استعمال العقاقير للتداوي، وهم أول من أنشأ حوانيت بيع الادوية، وأول من أسس مدارس الصيدلة، ولهم في ذلك الكثير من المؤلفات منذ العام 776 م.
المخطوطات التي تم العثور عليها في الصين، تحدثت عن 124 نوعاً من الأدوية والأعشاب اليمنية والعربية، ومن المخطوطات الصينية التي تحدثت عن ذلك كتاب بعنوان "الأعشاب الطبية" تم تأليفه في العام 659م، وآخر بعنوان "الأدوية العشبية" للصيدلي الصيني المسلم "لي شي وان"، عاش في الفترة 855 - 930م، ومن أشهر المؤلفات المتحدثة عن الصيدلة اليمنية والعربية: "ديوان الزراعة" و"الخلاصة الوافية في العقاقير الشافية".
ناهيك عن البعثات الطبية الصينية التي جلبت من اليمن 142 نوعاً من الأعشاب الطبية، ومن عدن وحدها 41 عقاراً.
كما أرسل الصينيون طلاب العلم الى اليمن والوطن العربي، بالإضافة الى وجود عدد من صيادلة الصين تعود أصولهم الى الوطن العربي، تعلموا من أهل اليمن عمليات التقطير، ومن اليمن انتقلت إليهم، ولازالت اللغة الصينية تحتفظ بأسماء العديد من العقاقير والأدوية اليمنية والعربية، مثل: الياسمين والحناء والترياق والعنبر والعصفر والثوم ونبات المُر وغيرها.
وشهدت العلاقات "اليمنية - الصينية" تقارباً نسبياً في عهد الدولة الرسولية، تمثّل في تبادل الزيارات والهدايا، وتنشيط التجارة البينية، وكانت الدولة الرسولية ذات شوكة وسطوة وحضور في محيطها العربي والإقليمي، وفاعل سياسي وازن في الأحداث الدولية، ما جعلها تفرض احترامها على الفاعلين الدوليين في عصرها، ومنهم الصين الطامحة حينها الى اكتشاف العالم وتنويع طرق التجارة العالمية، وكان لها قصب السبق في اكتشاف العالم، قبل أن يفكر الأوربيون بتدشين رحلاتهم الاستكشافية الجغرافية، ومثّل اليمن حينها إحدى محطات الرحّالة الاستكشافي الصيني "تشنغ خه"، "1418 - 1433م".
وفي الفترة "1616 - 1911م" شهدت العلاقات تراجعاً ملموساً بسبب الحكم الاستعماري الذي مارسته الدول الغربية الكبرى على الصين بعد حرب "الأفيون" 1840م، وتفشي أعمال القرصنة على طول طريق "البخور".
وبعد ثورة 1911 انهمكت الصين في معالجة شؤونها الداخلية، لتستعيد تنشيط سياستها الخارجية بعد تأسيس "جمهورية الصين الشعبية" عام 1949، فاتجهت إلى إحياء صلاتها التاريخية مع الوطن العربي.
واكب ثورة الصين 1911، ثورة الإمام "يحيى بن محمد حميد الدين" على الاحتلال العثماني وتمكُّنه من انتزاع استقلال المحافظات اليمنية الشمالية والغربية، والتوجه الى انتهاج سياسة خارجية متوازنة مع الفاعلين الدوليين تقوم على الندية والاحترام المتبادل وتبادل المنافع والمصالح دون التفريط بالسيادة الوطنية، ودون الارتهان لأيٍ من الفاعلين الدوليين، وبالفعل نجح الإمام "يحيى حميد الدين" في توقيع العديد من اتفاقيات التعاون وتنشيط التبادل التجاري مع العالم الخارجي.
في العام 1949 شهد العالم مولد "جمهورية الصين الشعبية"، فانخرط التنين الوليد منذ أيامه الأول في مواجهة مفتوحة مع دول الاستكبار العالمي، ولعب دوراً محورياً في حركة "عدم الانحياز" الداعمة لاستقلال دول العالم الثالث، وخروجها من تحت عباءة الاستعمار الغربي بتلاوينه، وكانت هذه الحركة تضم في صفوفها العديد من الدول العربية، ما أدى الى تسهيل مهمة التقارب "العربي - الصيني".
التقارب في المواقف السياسية تحت مظلة حركة "عدم الانحياز" حول قضايا الساعة، وإن اختلفت أهدف هذا التقارب، شجع الصين في العام 1950 على التوجه إلى العالم العربي من أجل إقامة علاقات دبلوماسية مع دوله الخارجة من تحت عباءة الاحتلال الغربي والعثماني.
التوجه الصيني نحو المشرق العربي تزامن مع صعود نجم الإمام "أحمد بن يحيى حميد الدين" وتسلُّمه الحكم في اليمن عقب مقتل والده، وانتهاجه سياسة والده في التعاطي مع ملف السياسة الخارجية، بما في ذلك تدشين العلاقات الدبلوماسية مع بكين في 24 سبتمبر 1956، وما ترتب عليها من تنوع في مجالات التعاون المختلفة، بعد شهرٍ واحدٍ فقط من اعتراف "المملكة المتوكلية اليمنية" بـ"جمهورية الصين الشعبية"، في 31 أغسطس 1956، كثالث دولة عربية بعد مصر وسورية.
ومن وقتها دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة من التقدم والنماء والتطور في كافة المجالات.
وتضمن اتفاق 24 سبتمبر 1956 أقامت علاقات دبلوماسية على مستوى "وزير مفوض" بين اليمن الشمالي والصين.
وفي العام 1957، فتحت الصين الشعبية مفوضية دبلوماسية لها في مدينة "تعز"، وبالمقابل لم يتمكن اليمن الشمالي من فتح تمثيل مقيم له في "بكين" بسبب الظروف الاقتصادية، كما أن عدد الكادر الدبلوماسي اليمني وقتها كان ضئيلاً جداً، فاكتفت صنعاء بتعيين "عبدالرحمن عبدالصمد أبو طالب" "وزير مفوض" غير مقيم لدى "الصين". 
التقارب الدبلوماسي تُوِّج بزيارة الأمير البدر "محمد بن أحمد بن يحيى حميد الدين"، لـ"بكين"، في العام 1957، في حين يرى الدكتور "علي عبدالقوي الغفاري"، ان الزيارة كانت في صيف عام 1956، بعد زيارة "البدر" لـ"موسكو" و"براغ"، والراجح أنها في العام 1957، لعدة مؤشرات لعلى أهمها:
1 – استغراق زيارة "البدر" لـ"موسكو" و"براغ" وقتاً ليس هيِّناً.
2 - توافق الكثير من المصادر على أن زيارته للصين كانت في العام 1957.
وتم خلال الزيارة التوقيع على العديد من اتفاقيات التعاون المشترك.
وفي أغسطس 1960، أرسل الإمام "أحمد بن يحيى حميد الدين"، وفداً رسمياً الى "بكين" و"موسكو"، برئاسة "محمد عبدالله العمري"، إلا أن الوفد استشهد إثر حادث سقوط الطائرة الروسية المُقِّلة لهم، وهم في طريقهم الى بكين دون نجاح مهمتهم.
وقامت الصين حينها ببناء العديد من المشاريع الخدمية، أهمها:
1 - شق طريق "صنعاء - الحديدة" كأول طريق يربط بين المحافظات اليمنية، تم إنجازه خلال عامين فقط، دون ضجة، وفي جو من المودة الشعبية والرسمية، وهذا هو حال كل المشاريع الصينية المنفذة في اليمن في السنوات والعقود التالية، والتي عادة ما يضعها الصينيون موضع التنفيذ بمجرد الانتهاء من التوقيع على اتفاقياتها، والسبب إيمان الصينيين بأن نجاحهم في إقامة علاقات ناجحة مع هذه الدولة أو تلك مرهونٌ بمدى كفاءة وسرعة انجاز المشاريع التعاونية.
عكس التعامل الأميركي الفظ في تنفيذ المشارع التعاونية بما يصاحبه من تعقيدات ومشاكل مع العمال المحليين والأنظمة المحلية، وتعثر في التنفيذ، كما هو حال مشروع "خط النقطة الرابعة" في شق طريق "تعز – المخا".
2 - مصنع "الغزل والنسيج" بصنعاء.
3 - إصلاح ميناء "المخا" بعد أن ظل أطلالاً لأكثر من أربعة قرون، وتحديداً منذ العام 1541م، كما يذكر "إريك ماكروا".
وأرسلت الصين العديد من الأطباء إلى اليمن لتحسين الخدمات الصحية في القرى والمدن، وقدمت القروض المُيسّرة، واستقبلت الطلاب اليمنيين في معاهدها وجامعاتها.
على صعيد الاتفاقيات:
وقع الطرفين في 12 يناير 1958 بالعاصمة الصينية "بكين" معاهدة "صداقة وتعاون مشترك"، شملت: 
1 - اتفاقية للتعاون العلمي والفني والثقافي.
 2 - معاهدة تجارية.
 3 - اتفاقية لبناء مصنع "الغزل والنسيج" بصنعاء.
وكانت الطاقة الانتاجية لهذا المصنع تُقدّر بحوالي 7.8 ملايين متر من الأقمشة في السنة.
4 - اتفاق قرض، تضمن تقديم الصين 70 مليون فرنك سويسري لصنعاء، من أجل تنفيذ العديد من المشاريع الخدمية كالطرق والمصانع وحفر الآبار وشراء قطع الغيار وبناء الورش والصيانة، وكانت هناك قروض صينية أخرى من أجل دعم التنمية في اليمن، لكن قيام النظام الجمهوري في شمال اليمن حال دونها.
وفي 23 يناير 1959، وقعّت الصين واليمن بمدينة "تعز" على بروتوكول طريق "صنعاء – الحديدة".
وفتحت الحكومة الصينية أبواب معاهدها وكلياتها العلمية للطلاب اليمنيين، ووصلت أول بعثة طلابية يمنية الى "بكين" في العام 1959.
وفي ديسمبر 1961، تم الانتهاء من تنفيذ مشروع الطريق الاسفلتي الرابط بين الحديدة وصنعاء، بطول 231 كيلو متر.
وفيما يتعلق بعلاقات الصين مع عدن قبل الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، عملت "جمهورية الصين الشعبية" في إطار حركة "عدم الانحياز" على دعم حق الشعوب العربية في تقرير المصير ونيل الاستقلال، وأعلنت تأييدها لنضال أبناء جنوب اليمن ضد الاستعمار البريطاني، أثناء زيارة رئيس وزرائها "شوان لاي" للقاهرة في العام 1964.
استمر التأييد الصيني لنضال الشعب اليمني حتى نال استقلاله عن الاستعمار البريطاني في العام 1967.
وما بعد استقلال جنوب اليمن عن الاستعمار البريطاني، وتحول شماله من النظام الملكي إلى الجمهوري بدأ فصل أخرى من العلاقات اليمنية الصينية، مُحرِّكها الصلات التاريخية.

السبت، 25 ديسمبر 2021

السياسة الجامحة: المال قبل المناخ

مركز البحوث والمعلومات: زيد المحبشي

تعود بدايات التعاطي السياسي مع قضية المناخ إلى 12 فبراير 1979 إثر انعقاد أول مؤتمر دولي حول مخاطر المتغيرات المناخية بجنيف، تتابعت بعدها المؤتمرات والقمم بالتوازي مع توسع رقعة الجدل السياسي حول حقيقة ارتباط التبدلات المناخية بالكوارث الطبيعية من عدمه، في حين اقتصرت مفرزة العمليات التفاوضية الأممية على إخراج الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة حول المناخ عام 1992، وبروتوكول كيوتو 1997، وهذا الاتفاق بالذات لا يزال محل جدل بين أباطرة العالم الى اليوم.

وعود وتعهدات وكلام كثير وكبير سمعناه في قمم المناخ وما تمخض عنها من بيانات هزيلة غلبتها مسحة الألغاز والطلاسم العصية على الفهم، والتي لا تخدم الأرض، بل تزيد من اشتعال الحروب البشرية الجائرة ضد البيئة، وتُباعد الخطوات والآمال في خروج اتفاقية دولية مُلزمة تضع حداً لهذه الحروب، وتُخفف من معاناة فقراء العالم وتحد من عبثية ومظلومية استمرار دفعهم لفاتورة الطمع والغرور الرأسمالي وتحميلهم القسم الأعظم من تداعيات المناخ.

المشكلة المناخية بدأت اليوم تطرح مشاكل باتت تهدد الجميع، ومع ذلك رغم مرور 30 عاماً من المفاوضات الأممية العقيمة ما يزال دور المال في السياسة يمثل عائقاً كبيراً أمام حل معضلة الاحتباس الحراري، وما تزال الحكومات تستمع لمستشاريها السياسيين أكثر من استماعها للخبراء في العلوم، وما تزال الكارتلات الرأسمالية مستمرة في صم آذانها عما يُحدق بنا من مخاطر كونية كارثية، وترفض التعايش مع المعطيات "البيو- مناخية"، في الوقت الذي تشير فيه المعطيات إلى أن تقدميتها الرأسمالية قد تنقلب إلى رجعية مدمرة، إذا ما بدأ نمط إنتاجها يتناقض ويتضارب مع قدرة الأرض على تحمل مضاعفاته.

الحاجة اليوم ماسة لمنح مركزية الأرض والمناخ الأولوية وليس الاقتصاد والإنسان، والابتعاد عن التسويات السياسية لن الطبيعة والقوانين الفيزيائية لا تحتمل التسويات، وتبقى كما هي، وكون ذلك لا يبدو قريباً في عالمٍ البقاء فيه للأقوى، يبقى الخلاص والباب الوحيد أمام فقراء العالم هو الإكثار من الصلاة والدعاء بأن تكون الكوارث البيئية المقبلة، وهي مقبلة حتماً محدودة وغير شاملة، بحيث يتمكن من يتبقَ من البشر من إعادة بناء علاقة سوية مع الطبيعة انطلاقاً من إدراك القيمة الكامنة في العالم الطبيعي والعمل على الحفاظ عليها.

وتبقى الألطاف الإلهية وحدها لا سواها أرحم بالبشر من أنفسهم.

وبالعودة الى التفاعل السياسي فأهم المحطات في العقدين الأخيرة:


1 – قمة واتفاقية كيوتو 1997

 شهد العام 1995 تفاعل غير مسبوق لمناقشة قضية المتغيرات المناخية وإيجاد حلول تقي البشرية تداعياتها الكارثية، وتوجت هذه التفاعلات بالتوقيع على "اتفاقية كيوتو" في العام 1997، وضمت مجموعة من الدول المُلزمة قانونيّاً بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة حسب أسس وأهداف متفق عليها، وقد تمّ تقسيم الاتفاقية إلى فترتين.

أ - الفترة الأولى "2008 – 2012".

ب - الفترة الثانية "2013 – 2020".


2 - اتفاقية باريس 2015

 هدفت إلى تكثيف وتسريع الإجراءات التي تساعد على مكافحة التغيّرات المناخية، وتخفيض نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو، وتميّزت عن سابقاتها بتوحيد جميع الدول بما فيها الدول النامية في قضية التغيّرات المناخية، وإيجاد حلول مشتركة لمكافحتها، وتعزيز استجابة جميع الدول لمواجهة خطر التغيّرات المناخية من خلال محاولة منع ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض إلى أكثر من 1.5 درجة مئوية فوق معدّلها الطبيعي، ولاتزال هناك حاجة لتقليل معدل الانبعاثات على المستوى العالمي بنحو 45 %، بحلول العام 2030، بينما يجب تقليل المعدلات نفسها إلى ما يقرب من صفر، بحلول منتصف القرن الحالي 2050.


3 - قمة المناخ 2019

انعقدت في 23 سبتمبر 2019 وعملت على وضع مجموعة من الأسس والحلول المشتركة والمتعلّقة بالصناعات الثقيلة، والطاقة، وغيرها من القطاعات التي لها دور بارز في حل هذه المشكلة.


4- قمة "كوب 26" 2021

انعقدت في "غلاسكو" الإسكتلندية بمشاركة 200 دولة, واستمرت 10 أيام، 1 – 12 نوفمبر 2021، وخرجت باتفاقية "غلاسكو"، وهي أول اتفاقية دولية تتضمن تعهدات بتقليل استخدام الفحم، كمصدر للطاقة، وخطة طريق لتقليل معدل زيادة درجة حرارة الكوكب إلى ما دون 1.5 درجة مئوية، كما نصت على ذلك اتفاقية باريس 2015، ومن أهم مخرجاتها:

1 - تقليل معدل الانبعاثات الغازية، وتقليل اعتماد العالم على الفحم.

2 - الوعد بتقديم المزيد من المساعدات المالية للدول الأفقر من أجل مساعدتها على مواجهة تبعات الاحتباس الحراري.

ورغم التأكيد على تسريع وتيرة مكافحة الاحتباس، لم يتمكن المشاركون من التوافق على تقديم ضمانات عملية بتقليل معدل الانبعاثات بحيث تبقى معدلات زيادة درجة الحرارة أقل من 1.5 درجة مئوية، كما أن وعود مساعدة الدول الفقيرة على مواجهات تداعيات الاحتباس الحراري مجرد بيع كلام وحبر على ورق كالعادة.

وأقرت مسودة الاتفاقية بأن الالتزامات الحالية لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تسبب ارتفاع درجة حرارة الكوكب ليست كافية، وطلبت من الدول وضع تعهدات مناخية أكثر صرامة في العام المقبل 2022، بدلاً من كل 5 سنوات، كما هو مطلوب حالياً.

وفي حال التزمت جميع الأطراف ببنود الاتفاقية الأخيرة فإن معدل زيادة درجة الحرارة سيصل إلى 2.4 درجة مئوية، ما يعني أن الخطر لا يزال ماثل، فكيف إذا لم يلتزم أمراء التلويث وعلى رأسهم أميركا والصين والهند ببنود الاتفاقية وهو المتوقع؟!.

ويقول العلماء إن تخفيض ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعة سيحمينا من تبعات خطيرة للتغيرات والتقلبات المناخية، ولو زادت على ذلك فإن الأرض ستشهد كوارث مُفجعة عديدة منها على سبيل المثال تعرض ملايين البشر لدرجات حرارة عالية بشكل متطرف، وارتفاع شديد في مستوى سطح البحر، والجفاف الشديد، والعواصف القوية، وحرائق الغابات التي هي أسوأ بكثير من تلك التي يعاني منها العالم بالفعل.

ويتطلب تحقيق هذا الهدف تخفيض انبعاث الغازات بنسبة 45 % بحلول العام 2030، وإلى الصفر بحلول العام 2050، كما دعت الى ذلك اتفاقية باريس.

 ويرى العلماء أن ارتفاع درجة حرارة الأرض الى أكثر من 2 درجة مئوية، سيؤدي الى موت جميع الشعاب المرجانية الاستوائية، وتعرض عدة مدن وجزر عالمية للغرق في حال زادت درجة حرارة الكوكب بشكل غير منضبط، وما نراه من إعصار مدمر في الفلبين شاهد إثبات لغضب الطبيعة من عبث الرأسمالية، لكن من يهتم بما يحدق بالبشرية من مخاطر في هذا العالم الأصم؟.

ويتحمل الفحم المسؤولية عن 40 % من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون سنوياً، ما يجعله محط الأنظار لجميع جهود مواجهة التغيرات المناخية، لكن تعهدات الدول حتى الآن لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ومعظمها ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الفحم والنفط والغاز، لن تؤدي إلا إلى الحد من متوسط ​​ارتفاع درجة الحرارة العالمية عند حدود 2.4 درجة مئوية، بما يحمله ذلك للبشرية من مخاطر غير محمودة العواقب.

ودعت الأمم المتحدة للحد من استهلاك الفحم والدعم الضخم الذي تقدمه الحكومات في جميع أنحاء العالم للنفط والفحم والغاز من أجل تزويد المصانع بالطاقة وتدفئة المنازل، وهو أمر لم يتم الاتفاق عليه في أي دورة سابقة من مؤتمرات المناخ.

وترى البلدان النامية أنه يجب على الدول الغنية، التي تعتبر انبعاثاتها تاريخياً مسؤولة إلى حد كبير عن ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض، دفع المزيد من الأموال لمساعدتها على التكيف مع عواقب تلك الانبعاثات والحد من آثارها.

والمؤكد هنا أن أزمة المناخ ليست جديدة، لكنها أصبحت ملحة حديثاً نتيجة الشره الأعمى للرأسمالية العالمية المتعاظم على حساب الطبيعة وتوجهها المتعمد منذ أن صارت القوة العالمية الوحيدة في العام 1990 إلى رفض إخضاع نموها الاقتصادي للتوازنات البيئية ومستلزماتها، وهذا الموقف ليس سوى صدى لقاعدة انطلاق الرأسمالية تاريخياً والتي أقامت على أساسها صرحها الكبير منذ القرن الثامن عشر، معتبرة الطبيعة "عدواً يجب مقاتلته وإخضاعه واستنزافه حتى الموت"، واعتقادها بأن العالم يمكن فهمه وتغييره في المختبرات والمصانع، وأنه لا يعدو عن كونه مجرد آلة مادية عملاقة يمكن تفكيكها وتركيبها كما يشاء الإنسان، ولذا ليس من قبيل المبالغة أن هذه الفلسفة وليس الدول الغنية وحدها كانت المنتصر الحقيقي في مؤتمرات المناخ المتناسلة من رحم العقم الدولي.

إذن فالجدل السياسي المحتدم حول المناخ وانفصال المفاوضات حول تقلباته المخيفة طوال العقود الثلاثة الماضية، عن الواقع، هو الأكثر خطورة على حاضر ومستقبل البشرية، لاسيما وأنها وجدت لها من العلماء من يخدمها ويُشيع التفاؤل تجاه البيئة وموادعتها، إثر نجاح الكارتلات الرأسمالية الكبرى في اجتذابهم إلى صفها مقابل حفنة من المال.

إنه عاَلمٌ بلا روح وبلا أخلاق وبلا قِيم، يسبح في بحر من ظلمات الحروب والأحقاد والأمراض النفسية والجسدية، رغم تأكد الجميع مما ينتظرهم من عواقب جراء تدميرهم البيئة والطبيعة، فالهوة تزداد عمقاً بين شمال الأرض الغني وجنوبها الفقير، وبين الموت والكفاح من أجل البقاء، وبين الرأسمالية المتوحشة والسماح لها بمواصلة عربدتها القاتلة ضد البيئة والحياة والروح، وتشعّب الشرخ كالجرح العميق ليس فقط خلال مفاوضات قمم المناخ وإنما خلال المجتمع المعولم على المستوى الدولي.

جرحٌ لا نملك معه سوى الارتجاف وجلاً ونحن نرى حفنة من أنصار الجينة الأنانية تقذف بالبشرية بأسرها في أتون الاحتراق الحراري مفرزة أشد المشاعر البشرية قُبحاً: الطمع والغرور والخوف وانعدام الثقة، بيد أن اندمال هذا الجرح من العمق قبل تحوله إلى قُرحة مليئة بالصديد لا يبدو أنه بات قريباً في ظل التزايد المطرد لحجم الظواهر والكوارث الطبيعية كماً ونوعاً وقوة.

المناخ الجامح: حقيقة أم خيال؟

 مركز البحوث والمعلومات: زيد المحبشي

مناخ الأرض لم يعد يتحمل المزيد من الملوثات الصناعية القاتلة التي يتسبب بها الإنسان، ولم يعد يتحمل المزيد من العبثية السياسية وغياب الوعي السياسي بوجود أزمة بيئية شاملة باتت تخترق أكثر الأذهان انغلاقاً، ولم يعد يتحمل المزيد من العربدة البشرية الجامحة بحق الطبيعة، والتي حتماً سترد عاجلاً وليس آجلاً، على الأقل ذلك ما يعتقده البروفسور البريطاني "جيمس لافلوك".

فـ " كوكب الأرض الغاضب سيحاول إعادة التوازن إلى الطبيعة، بيد أن ذلك سيعني إزالة الحضارة ومعظم الجنس البشري، إن جنساً وضع نفسه في حال حرب مع الأرض نفسها، وحدها الكوارث الآن بإمكانها وقف حروب الإنسان الانتحارية ضد بيئة الأرض، التي يدمر فيها التلوث البشري الأعمى، المناخ وتوازنات الرياح والمحيطات"، فهل يعني ذلك أن الإنسان أصبح العدو الأول لنفسه ولمحيطه، وأن زمن الوفاق البشري مع الطبيعة قد ولّى بلا رجعة؟.

مئات الدراسات والتقارير العلمية شارك في إعدادها أكثر من 2000 عالم مناخ من أكثر من 100 دولة حول التقلبات والانفلاتات المناخية التي شهدتها البشرية في العقدين الأخيرة بصورة غير مألوفة وخارجة عن سياقاتها التاريخية، كلها تُحذر من دمار شامل ينتظر الجميع بسبب المناخ والبيئة والإحترار العالمي، وتصفه بـ"الكارثة".

وتنبؤات بزوال مدن بأكملها وهلاك ملايين البشر وانقراض كائنات حية وأنظمة بيئية حيوية نادرة، وشهود البشرية طوفان وعصر جليدي جديد كذلك الذي أودى بحياة الديناصورات قبل 60 مليون سنة، بالتوازي مع تصاعد التحذيرات من اقتراب المناخ من نقطة الانقلاب الشامل، واقتراب نهاية الأرض، واقتراب يوم القيامة.

إن ما نعايشه من قيظ قاس وبرد قارص وفيضانات غامرة وجفاف حارق وأعاصير جامحة وحرائق غابات مهلكة وغيرها من الظواهر العنيفة والفُجائية والخارجة عن سياقاتها التاريخية، كل هذه الفوضى والعذابات هي بفعل احتباس الحرارة داخل الغلاف الجوي للأرض، وسخونة سطحها، بسبب ممارساتنا الخاطئة والجائرة الدافعة ببعض النُظم البيئية إلى إعلان الحرب علينا بعد طول مهادنة في القرون السابقة لعصر الثورة الصناعية.


الغلاف الجوي:

تتميز الأرض عن سائر الكواكب بوجود الغلاف الجوي، وهو عبارة عن غلالة شفافة تحيط بالأرض وتحفظها وتُؤمِّن استمرار الحياة فيها، لذا فوجوده وثبات مكوناته يعني استمرار الحياة المُتعارف عليها، والعكس في حال شهدت هذه المكونات بعض الإضافات، لما يترتب على ذلك من اختلال في توازن أنماط الأنظمة الحيوية الطبيعية كالحرارة والرطوبة والضغط الجوي والمتساقطات المطرية ومسارات وانماط التيارات الهوائية وأمواج البحار والمحيطات والمعادلة المناخية، بما لها من تأثيرات هائلة على الأنظمة الحيوية الطبيعية برمتها.

ويتكون الغلاف الجوي من عدة غازات، منها: النيتروجين 78 %، الأوكسجين 21 %، الغازات الخاملة 0.09 %، الأرغون 0.93 %، غازات الدفيئة 1 %.

وأهمها وأكثرها خطورة "غازات الدفيئة"، فرغم أن نسبتها لا تتجاوز 1 % من إجمالي حجم الغلاف، إلا أن زيارة متوسط تركيزها منذ انطلاق عجلة الثورة الصناعية 1860، بات يشكل خطراً حقيقياً على المعادلة المناخية، ولذا فهي تتحمل المسؤولية الأولى عن التغيرات والتقلبات المناخية المتطرفة وسخونة الأرض.

ومعلومٌ أن الطبقة الداخلية للغلاف الجوي بفعل هذه الغازات أضحت محاطة بطبقة عازلة أخرى من الغازات الدفيئة، تقوم بعمل زجاج الصوبة، مُسببة بذلك الاحتباس الحراري، المؤثر بدوره على الدورة العادية لتحرك التيارات الهوائية حول الأرض والأمواج في البحار والمحيطات واضطراب مساراتها بما يُنذر بكارثة "طوفان ثانية"، حتى ولو تمكن الإنسان من إيقاف كافة الانبعاثات الملوثة للجو اليوم فستظل تأثيراتها المتبقية من النشاطات الإنسانية خلال الـ 150 عاما الماضية قروناً طويلة قبل أن يتمكن الإنسان من السيطرة على الاضطرابات المناخية.


الاحتباس الحراري:

الاحتباس الحراري، دفيئة الأرض، الاحترار العالمي، التغير المناخي، الصوبة - البيوت - الزجاجية الحرارية، مسميات لقضية واحدة هي ارتفاع درجة حرارة الأرض عن معدلها الطبيعي – اختلال التوازن البيئي- نتيجة انبعاث الملوثات في الجو سواء كانت ملوثات طبيعية كالبراكين وحرائق الغابات والملوثات العضوية، أو غير طبيعية بسبب نشاط الإنسان واحتراق الوقود الأحفوري كالنفط والغاز الطبيعي والفحم المؤدي بدوره إلى الارتفاع التدريجي لدرجة حرارة الطبقة السُفلى من الغلاف الجوي بصورة ملحوظة ومتنامية.

 وبمعنى أقرب للفهم: ارتفاع درجة الحرارة في بيئة ما، نتيجة تغير في سيلان الطاقة الحرارية من البيئة وإليها، حيث تقوم الغازات الدفيئة بالقسط الأكبر من مهمة حبس الأشعة المنبعثة من سطح الأرض وعدم السماح بتسريبها إلى الفضاء الخارجي ما يؤدي إلى حدوث الكثير من التغيرات المناخية الكارثية.


غازات الدفيئة الفتاكة:

من أهم غازات الدفيئة المتسببة في رفع درجة حرارة الأرض واختلال المعادلة المناخية:


1 - ثاني أكسيد الكربون CO2:

وهو مسؤول عن ثلاثة أرباع الانبعاثات، والمتهم الرئيسي في سخونة الأرض رغم أنه لا يشكل سوى 0.035 % من حجم الغلاف الجوي إلا أن تزايد النشاط الإنساني والصناعي بعد الثورة الصناعية، وتزايد كميات الانبعاثات الملوثة، وزاد متوسط تركيز الكربون تحديداً في الغلاف الجوي مقارنة بما كان عليه قبل الثورة الصناعية من 1000 طن إلى 6000 طن سنوياً، أي أنه ارتفع من 275 إلى 380 جزء في المليون، بزيادة سنوية قدرها 25 %، ووصل في العام 2018 كنموذج الى 411 جزء في المليون، والمتوقع أن يصل إلى 460 - 560 جزء في المليون بحلول العام 2100، بسبب إزالة وقطع الغابات – مغسلة الكربون – والشعب المرجانية.

معدل بقائه في الجو آلاف السنين، وزيادة تركيزه بأكثر من الثُلث مُنذ بدء الثورة الصناعية، وسيكون له تأثير طويل الأمد على تغيّر المناخ.

ورغم أن معالجته تحتاج إلى قرون عديدة، إلا أن الحاجة ملحة اليوم لتثبيته عند مستوى 350 جزء في المليون، منعاً لحدوث الكارثة.

أهم مصادره: حرق الوقود الأحفوري – النفط والغاز الطبيعي والفحم - والنفايات الصلبة والأخشاب والتفاعلات الكيميائية، ثوران البراكين، إزالة الغابات.


2 - الميثان: 

ارتفع متوسط تركيزه من 700 إلى 1760 جزء في المليون، بزيادة سنوية قدرها 0.09 جزء في المليون.

زاد تركيزه في السنوات الماضية بمعدل 1% سنوياً، وهو مسؤول عن 20 % من تأثير الاحتباس الحراري.

معدل بقائه في الجو 10 سنوات.

أهم مصادره: حظائر الماشية، الزراعة، حقول الأرز، مكبّات النفايات العضوية، تفكيك النفايات العضوية، مناجم الفحم، التسرّب في أنابيب الغاز الطبيعي، عمليات الاحتراق غير المُكتملة للغطاء النباتي في الغابات.

.

3 - أكسيد النيتروز:

يشكّل نسبة قليلة من غازات الدفيئة، ولكنه أقوى ب 264 – 300 مرة من ثاني أكسيد الكربون.

 زاد متوسط تركيزه من 270 إلى 316 جزء في المليون، بفارق سنوي قدره 18 % عما كان عليه قبل الثورة الصناعية.

 ينتج بشكلٍ طبيعي في الغلاف الجوي كجزءٍ من دورة النيتروجين.

معدل بقائه في الجو 100 - 120 سنة.

أهم مصادره: الأسمدة الصناعية المستخدمة في الزراعة، معالجة مياه المجاري، حرق الوقود الاحفوري.


4 - مركبات كلوروفلوروكربون:

لم تكن موجودة قبل الثورة الصناعية، وتكمن خطورتها في خلخلة طبقة الأوزون، وأخذت أهمية خاصة في العام 1985 إثر اكتشاف العلماء وجود ثقب في طبقة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية قطره 9 كم بسبب انخفاض كثافة الأوزون عن معدلها الطبيعي بنحو 50 %، بعد مرور 15 عاماً فقط منذ بدء ظهور علامات الإحترار العالمي 1970.

يزداد تركيزها بواقع 4 % سنوياً، وتحتاج معالجتها إلى 50 - 100 سنة.

أهم مصادرها: السيارات، المكثفات، معدات التبريد، البخاخات، أجهزة الاستنشاق، المُبرّدات، محاليل التنظيف.


5 - الغازات المفلورة/ الصناعية:

تتضمّن مركبات الفلور المختلفة مثل الكربون الهيدروفلورية، ومركبات الكربون المُشبعة بالفلور، وسداسي فلوريد الكبريت، وثلاثي فلوريد النيتروجين.

تنتج من مجموعة مُختلفة من الأنشطة الصناعية، حيث تُستخدَم في بعض الأحيان كبدائل للمواد المُدمّرة لطبقة الأوزون، ورغم أنَّ نسبة انبعاثها عادةً ما تكون قليلةً إلّا أنَّ لها تأثير قوي في الاحتباس الحراري يفوق تأثير ثاني أكسيد الكربون بآلاف المرات.

تبقى في الجو مئات الآلاف من السنين، وتمثل حوالي 2 % من غازات الدفيئة.

مركبات الكربون المشبعة بالفلور: أهم مصادرها إنتاج الألمونيوم.

سادس فلوريد الكبريت: أهم مصادره: انتقال الطاقة الكهربائية، والماغنيسيوم والألمونيوم.


6 – غاز الأوزون: 

ينتج الأوزون أو الضباب الدخاني على سطح الأرض عندما تتفاعل أكاسيد النيتروجين والهيدروكربونات مع أشعة الشمس.

أهم مصادره: السيارات، محطات الطاقة، ويُعتبر غاز الأوزون الأرضي ملوّثاً خطيراً؛ كما له تأثير على الرئتين، إضافةً إلى أنَّه يُسبّب 5 % من تأثير الاحتباس الحراري.


أمراء التلويث:

68 % من الانبعاثات الملوثة السنوية تأتي من استخدام الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء والطاقة، و13 % من وسائل النقل حيث أثبتت الدراسات أن راكب القطار السريع يتسبب في انبعاث 14.2 كيلو جرام من الكربون مقارنة بـ 43.6 كجم لراكب السيارة و82.4 كجم لراكب الطائرة، و17.4 % بسبب إزالة الغابات والشعب المرجانية التي تُعد بمثابة مغسلة الكربون، و14 % من استخدام المبيدات الكيميائية في الزراعة، و74 % من الانبعاثات الزراعية تنشأ في الدول النامية.

واستحقت أميركا لقب أميرة التلوث، فهي تصدر ربع انبعاثات العالم وتستهلك ربع إنتاجه من الوقود الأحفوري، تليها الصين والهند حيث تتحمل الأولى المسؤولية عن 35 % من الانبعاثات الملوثة والثانية 22 %، والسبب في ذلك أن معظم الشركات والمصانع الأميركية والغربية الملوثة موجودة في الصين والهند تم نقلها من موطنها الأم إما لوجود قوانين صارمة تحد من حرية التلويث أو لرُخص الأيدي العاملة.

لذا فأي محاولة لمعالجة أزمة المناخ ستحتاج إلى خفض كبير للانبعاثات من أميركا والصين.

وكانت أميركا مسؤولة عن 5.7 مليار طن، 11 % من إجمالي الانبعاثات، تليها الهند 6.6 % والاتحاد الأوربي 6.4 %.

وعندما يقيس العلماء انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، فإنهم ينظرون إلى إجمالي الانبعاثات التي تسببها دولة ما في الهواء على أرضه كل عام.

في حين تزيد انبعاثات الصين عن ضعف انبعاثات أميركا، ولكن تاريخياً، أصدرت أميركا انبعاثات أكثر من أي دولة أخرى في العالم، لتشمل القائمة دول أخرى كالهند، والاتحاد الأوربي، وإندونيسيا، وروسيا، واليابان، والبرازيل، وإيران، والسعودية.

في العام 2006، تفوقت الصين على أميركا كأكبر مصدر لانبعاث ثاني أكسيد الكربون في العالم.

وفي العام 2019، شكلت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الصين ما يقرب من 2.5 ضعف انبعاثات أميركا، وأكثر من جميع دول العالم المتقدمة مجتمعة، وفقا لتحليل مجموعة Rhodium Group.

وأصدرت الصين 14.1 مليار طن متري من ثاني أكسيد الكربون في العام 2019، وهذا يشكل أكثر من ربع إجمالي انبعاثات العالم.

الحلول:

من اهم الطرق الممكنة والممنوعة من الصرف في ذات الوقت لحل مشكلة التغيّر المناخي:

1 - الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة بأنواعها.

2 - تنظيف الغلاف الجوي من غاز ثاني أكسيد الكربون، من خلال السماح للأنظمة البيئية الطبيعية المختلفة كالغابات والمحيطات بأداء عملها في امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون، فتلك النظم توصف بأنَها بالوعات أو مُصرِّفات الكربون، وذلك من خلال منع عمليات إزالة الغابات، والحد من تدمير موائل الحيوانات سواء في المحيطات أو غيرها من النظم، وتشجيع زراعة الأشجار دائمة الخضرة.

الأربعاء، 29 سبتمبر 2021

الأسرى الفلسطينيون معاناة لا تنتهي

زيد المحبشي، 29 سبتمبر 2021

أحياناً تكون لغة الأرقام أكثر دقة في كشف جرائم قوى البغي والعدوان من الغزاة والمحتلين، لا سيما فيما يتعلق بالملفات الإنسانية المنسية كملف الأسرى والمختطفين والمفقودين، وأكثر تلك القوى بشاعة الكيان الصهيوني اللقيط، وما صاحب غرس غدته السرطانية في جسد أمتنا العربية من جرائم بحق الشعب الفلسطيني، حظيت للأسف الشديد بشرعنة دولية مقيتة.

ويُعد ملف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني من الملفات الأكثر إيلاماً ووجعاً، حيث حرص الكيان الغاصب على ممارس كل ألوان العذاب ضد المعتقلين الفلسطينيين في السبعة العقود الماضية، وأحاط جرائمه بحزمة كبيرة من التشريعات والقوانين العنصرية، في ظل صمت وتواطؤ أممي مخزي، وحماية أميركية عاهرة.

ولم يرعَ الاحتلال الصهيوني حرمة لشيئ، بل ومارس عربدته حتى على المعتقلين المصابين بجروح بليغة، وأمراض مزمنة، والنساء والأطفال، وحرم المعتقلين من أبسط الحقوق التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية.

ورغم أن معاناة مقاتلي حركات التحرر أو جنود المعارك، انتهت أو ستنتهي إما بالتحرر أو بتفاهم الفرقاء، لكن معاناة الأسرى الفلسطينيين غصة مستمرة، لأنها ببساطة ترتبط باحتلال يأبى الرحيل.

وهي الأشد وطأة والأكثر وبالاً، لأنها تُمارس خارج نطاق القانون الدولي الإنساني أو ما يُسمى بقانون حقوق الإنسان، فالكيان الصهيوني لا يُنكر فقط احتلاله للأراضي الفلسطينية، وعدم إقراره بانطباق معاهدتي جنيف الثالثة والرابعة على تلك الأراضي والأسرى الفلسطينيين فقط، وإنما يتعامل مع الأسرى الفلسطينيين كسُجناء أمنيين، ضارباً عرض الحائط كل الاعتبارات الإنسانية والقانونية والأخلاقية. 

والملفت في هذا الملف ليس فقط عدم امتثال الاحتلال للمواثيق الدولية الخاصة بالأسرى، وعدم قيام المؤسسات الدولية المعنية بمحاسبته وردعه عن غيه، بل وفشل كل عمليات تبادل الأسرى في تحريرهم، لأن الاحتلال نجح في الانقلاب على ما تم التفاهم عليه في إطارها، كما فشلت المبادرات الفلسطينية السياسية لتحرير الأسرى، بعد توقيع اتفاق "أوسلو" في التخفيف من معاناتهم، خصوصاً الذين قضوا سنوات طويلة في سجون الاحتلال، والمحكومين منهم بأحكام عالية، وحتى تلك التفاهمات التي نجحت في إطلاق بعضهم سواء من قبل حزب الله أو حركة حماس أو السلطة الفلسطينية، فقد قوّض الاحتلال ذلك الإنجاز من خلال إعادة أسر من تحرر مرة أخرى، ودون سبب معروف، وهو ما يعرف بسياسة "الباب الدوار".

 وحتى من نجحت السلطة الفلسطينية في إطلاق سراحهم، فقد تم ذلك للأسف ضمن معطيات حددتها سلطات الاحتلال، وفي ظل اعتقال الاحتلال مئات الفلسطينيين بشكل يومي، ومعظم من أُطلق سراحهم من ذوي الأحكام المخففة، أو من اقتربت مدة حكمهم على الانتهاء، وممن لا يصنفهم العدو من "ذوي الأيدي الملطخة بالدماء"، وليسوا أيضاً من مواطني القدس أو أراضي 48. 

وسنكتفي في هذه القراءة بالوقوف على أهم الأرقام للمعتقلين الفلسطينيين في سجون العدو، مع التوضيح بأن الأرقام الرسمية وغير الرسمية المعلنة لا تتحدث عن كل المعتقلين، بل عمن أمكن تدوين أسمائهم، ولا يزال هناك الكثير من الفلسطينيين والفلسطينيات المغيبين في سجون العدو، لا أحد يعلم عنهم شيئاً.



الأسرى والمعتقلين:

750 ألف - مليوني فلسطيني وفلسطيني ذاقوا مرارة الأسر في سجون الاحتلال الصهيوني منذ العام 1948 وحتى مطلع يوليو 2021، تبقى منهم خلف القضبان 5000 - 5700 أسير وأسيرة بحسب صحيفة الاخبار اللبنانية، و6500 أسير حتى مستهل العام 2017 بحسب الإحصائيات الفلسطينية.

100 ألف حالة اعتقال سجلتها المؤسسات الفلسطينية الرسمية والحقوقية منذ بدء انتفاضة الأقصى، 28 سبتمبر 2000، وحتى مستهل العام 2017، و600 ألف أسير خلال الفترة "1967 – 1987"، و210 ألف أسير خلال الانتفاضة الأولى "ديسمبر 1987 – يونيو 1994" ويُعد معدل الحبس خلال الانتفاضة الأولى هو الأعلى في العالم، وتتحدث التقديرات عن تعرض "1 من كل 3" فلسطينيين للاعتقال والاحتجاز من قبل قوات الاحتلال خلال الفترة "1967 - 1987"، وهي الفترة التي سبقت الانتفاضة الأولى.

واعتقلت قوات الاحتلال خلال الفترة التي أعقبت اتفاق "أوسلو"، "يونيو 1994 – 28 سبتمبر 2000" أكثر من 10 آلاف فلسطيني وفلسطينية، وهي الفترة الممتدة ما بين قيام السلطة الفلسطينية واندلاع انتفاضة الأقصى، في حين اعتقل الاحتلال خلال انتفاضة الأقصى "28 سبتمبر 2000 – مطلع 2008"، أكثر من 62 ألف فلسطيني وفلسطينية، وهو أقل مما تم تسجيله خلال الانتفاضة الأولى، وربما يعود هذا الى تطور أدوات ووسائل المقاومة الفلسطينية.

واعتقل العدو في الفترة "أكتوبر 2015 – 2017" أكثر من 10 آلاف فلسطيني وفلسطيني، ثلثهم من القدس، بينما بلغ عدد المعتقلين في الفترة "يناير – مارس 2018" نحو 1600، أكثريتهم من القدس.

وفي مطلع العام 2008 تحدثت الاحصائيات الفلسطينية الرسمية، عن 11000 أسيرة وأسيرة، ما زالوا يقبعون في سجون الاحتلال، إلا أن هيئة شؤون الأسرى التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية قالت في يونيو 2020، أن المتبقي في سجون الاحتلال 4850 أسير وأسيرة.

وتعرض نحو 20 % من الفلسطينيين للسجن في وقت واحد منذ عام 1967 بحسب مراسل الغارديان في القدس "روري مكارثي"، بينما تحدث مكتب رئيس الوزراء الفلسطيني في 11 ديسمبر 2012، عن 800 ألف معتقل فلسطيني منذ عام 1967، بواقع 20 % من مجموع السكان الفلسطينيين، و40 % من السكان الذكور، في وقت واحد.

ووفقاً للتقديرات الفلسطينية، فقد حكم العدو على 70 % من الأسر الفلسطينية بأحد أفراد الأسرة أو أكثر بالسجن، نتيجة للأنشطة المناهضة للاحتلال.

وبلغ متوسط عدد الفلسطينيين الخاضعين للاعتقال الإداري 830 شخصاً في الشهر الواحد، بحسب تقديرات عام 2007.



الأطفال:

اعتقل العدو خلال الفترة "1967 - يونيو 2020" نحو 50 ألف طفل فلسطيني دون سن الـ 18، وبلغ عدد المعتقلين منذ بدء انتفاضة الأقصى، 28 سبتمبر 2000، وحتى مستهل العام 2017 نحو 15 ألف طفل، منهم 6700 طفل وطفلة خلال الفترة "2000 – 2009"، أعمارهم بين 12 و18 عاماً، وفي مطلع 2008 أوردت الإحصائيات الفلسطينية الرسمية أسماء 400 طفل وطفلة قالت أنهم لا زالوا يقبعون في سجون العدو، بينما قالت أن المتبقي منهم  حتى أبريل 2017 نحو 300، وفي أغسطس 2021 تحدث نادي الأسير الفلسطيني عن 200 طفل وطفلة، وقالت هيئة شؤون الأسرى التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في يونيو 2020 أن المتبقي منهم في سجون العدو 225 طفلاً.



النساء:

اعتقل العدو خلال الفترة "1967 – مطلع 2008"، أكثر من 10000 فلسطينية، وبلغ عددهن حتى مطلع يوليو 2021 نحو 16 ألف سيدة، بينهن 700 سيدة تم خطفهن خلال انتفاضة الأقصى، وبقي منهن في سجون العدو 110 أسيرات، بينهن قاصرات، وأرامل، وأمهات تركن أطفالهن دون رعاية، وبلغ عدد المعتقلات خلال الفترة "2000 – 2017" نحو 1500، وفي الفترة "يناير – مارس 2019" اعتقل العدو 47 سيدة.

وقالت هيئة شؤون الأسرى التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في يونيو2020، أن المتبقي في سجون العدو 43 سيدة، بينهنّ 15 أمّاً، و7 جريحات.



الوزراء والنواب:

اعتقل العدو منذ بدء انتفاضة الأقصى، 28 سبتمبر 2000، وحتى مستهل العام 2017 نحو 70 نائباً ووزيراً سابقاً، وفي مطلع العام 2008 قالت الأجهزة الفلسطينية الرسمية المعنية بملف الاسرى أن 48 نائباً برلمانياً، و3 وزراء سابقين، مازالوا يقبعون في سجون الاحتلال، ومن بين المعتقلين "سميرة الحلايقة"، وأقدمهم الأسير "مروان البرغوثي" المعتقل منذ 2002، والمحكوم بالسجن لخمسة مؤبدات، و"أحمد سعدات" المعتقل منذ 2006، والمحكوم بالسجن لمدة 30 سنة، و6 نواب معتقلين منذ بداية 2017، ولا يزال 5 نواب فلسطينيين رهن الاعتقال حتى اليوم.



الإداريين والصحفيين:

تتحدث القديرات الفلسطينية عن 100000 معتقل إداري، منهم 27 ألف قرار اعتقال إداري، أصدرتها سلطات العدو منذ بدء انتفاضة الأقصى، 28 سبتمبر 2000، وحتى مستهل العام 2017، وفي أبريل 2008 تحدثت الإحصاءات الرسمية الفلسطينية عن 1000 معتقل إداري بلا محاكمة ما زالوا يقبعون في سجون الاحتلال، بينما قالت في سبتمبر 2021 أن المتبقي منهم 540 معتقل إداري، بينهم 16 من الصحفيين الفلسطينيين.



المضربين عن الطعام

6 أسرى فلسطينيين لا يزالوا يواصلون إضرابهم عن الطعام داخل سجون العدو، رفضاً للاعتقال الإداري، أقدمهم "كايد الفسفوس" الذي يضرب لليوم الـ 54 على التوالي، بحسب إحصائية نادي الأسير غير الحكومي في أغسطس 2021، وأضرب عن الطعام منذ بداية 2021، نحو 5 أسرى.



المرضى والجرحى:

يوجد في سجون العدو 600 أسير وأسيرة حتى مطلع يوليو 2021، يعانون من أمراض مزمنة مختلفة، ومن تم تسجيلهم حتى مطلع العام 2008 نحو 1500، منهم 200 أسير يعانون من السرطان، والقلب، والأمراض النفسية، والشلل النصفي، وأمراض العظام، والعمود الفقري، وفقدان البصر وبعض الأطراف، ومنهم من اُعتقل جريحاً أو مصاباً، ولا زالت الرصاصات في جسده وجراحه تنزف دماً وآلامه مستمرة.

وخلال الفترة "1967 – مارس 2019" تم رصد نحو 700 أسير، بينهم 30 حالة مصابة بالسرطان، بينما كان عدد المصابين بالسرطان حتى أغسطس 2021 نحو 11، من بينهم "فؤاد الشوبكي" (82 عاماً)، أكبر المعتَقلين سنّاً، وهم من ضمن 550 أسير لا زالوا يقبعون في سجون العدو، يعانون من أمراض مزمنة، ويحتاجون رعاية صحية مستمرة، بحسب إحصائية نادي الأسير غير الحكومي.



الشهداء:

أستشهد "226 – 2019" أسير فلسطيني داخل سجون الاحتلال منذ عام 1967 وحتى سبتمبر 2021، بينهم 73 بسبب التعذيب، و69 بسبب الإهمال الطبي، و78 بسبب القتل العمد والتصفية المباشرة والإعدام الميداني بعد الاعتقال مباشرة، و7 بسبب القمع وإطلاق النار المباشر عليهم من حُرّاس السجون.

واستشهد مئات الأسرى المحررين بعد خروجهم من السجون الصهيونية بفترات وجيزة بسبب أمراض ورثوها عن السجون، وهذا مؤشر خطير يدل على قسوة السجّانين، وتعمدهم استخدام التقصير الطبي والإهمال بالعلاج أداة ووسيلة لتعريض الأسير للموت البطيء.

وتُواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثث 7 شهداء: "أنيس دولة" - استشهد في سجن عسقلان عام 1980، "عزيز عويسات" منذ عام 2018، "فارس بارود"، "نصار طقاطقة"، و"بسام السايح" - استشهدوا عام 2019، "سعدي الغرابلي"، و"كمال أبو وعر"، استشهدوا عام 2020.



قدامى وعمداء الأسرى:

تتحدث الإحصائيات الفلسطينية عن 86 من الأسرى الفلسطينيين القُدامى في سجون العدو، أقدمهم "كريم يونس"، ويلقب بعميد الأسرى الفلسطينيين، قضى 38 عاماً في سجون العدو برفقة ابن عمه "ماهر يونس"، وحُكم عليهما بالسجن مدى الحياة بتهمة قتل جندي إسرائيلي في يناير 1983، و"نائل البرغوثي"، قضى أكثر من 36 عاماً في سجون الاحتلال، محكومٌ بالمؤبد بتهمة قتل جندي صهيوني، ويقترب من إنهاء 4 عقود من الاعتقال، و"سراح البرغوثي" أطلق العدو سراحه ضمن صفقة "شاليط" عام 2011، وأعاد اعتقاله بعد 3 سنوات، مع 70 آخرين من محرري الصفقة، ويستكمل حالياً حكم المؤبد الذي كان يقضيه قبل الإفراج عنه عام 2011.

وهناك نحو 366 أسيراً، معتقلين منذ ما قبل اتفاق "أوسلو" 1994، منهم 13 أسيراً تخطت سنواتهم خلف قضبان السجن ثلاثة عقود متواصلة، و62 أسيراً مضى على اعتقالهم 20 عاماً متواصلة، حتى سبتمبر 2021، ويسمى هؤلاء بـ"عمداء الأسرى"، و26 - 34 أسيراً مضى على اعتقالهم أكثر من 25 عاماً، بشكل متواصل، و25 أسيراً معتقلين بشكل متواصل منذ العام 1983 وحتى أغسطس 2021.

مناطقياً: تم تسجيل 73 أسيراً من الضفة، أقدمهم تم أسره في 29 يوليو 1977، هو "سعيد وجيه سعيد العتبة"، و51 أسيراً من القدس، أقدمهم تم أسره في 30 يناير 1980، هو "فؤاد قاسم عرفات الرازم"، و140 أسيراً من غزة، أقدمهم تم أسره في 30 مايو 1983، هو "سليم علي ابراهيم الكيال"، و22 أسيراً من أراضي 1948، أقدمهم تم أسره في 5 يناير 1983، هو "سامي خالد يونس"، و9 أسرى عرب، أقدمهم تم أسره في 22 أبريل 1979، هو عميد الأسرى "سمير سامي القنطار".



أحكام تأبيد خرافية:

تتحدث الاحصائيات عن 660 أسيراً فلسطينياً، حكم العدو عليهم بالسجن مدى الحياة، سواء أكان لمرة واحدة، أو لمرات عديدة، بينهم 543 أسيراً، يقضون أحكاماً بالسجن المؤبد، ويساوي السجن المؤبد 99 سنة بحسب القانون العسكري الصهيوني، وتتحدث وسائل الإعلام الفلسطينية عن 9 أسرى مؤبدات، محررين تم اعتقالهم، وأُعيدت لهم أحكامهم المؤبدة، يقضون أحكاماً تاريخية غير معقولة، تفوق أعمارهم بعشرات الأضعاف، وذلك على خلفية مآثرَ لهم في عمليات المقاومة:

1 - المهندس "عبدالله غالب البرغوثي"، 36 عاما، وهو - قيادي في الجناح العسكري لحركة حماس، كتائب القسام، ويُعد صاحب أعلى محكومية في تاريخ الحركة الأسيرة، معتقَل منذ مارس 2003، ومحكوم بـ67 مؤبداً.

2 – "إبراهيم جميل حامد"، القائد العام للقسام بالضفة، معتقل منذ 23 مايو 2006، ومحكوم بـ 54 مؤبداً.

3 - "حسن عبدالرحمن سلامة"، من مخيم خان يونس بغزة، معتقل منذ 17 مايو 1996، ومحكوم بـ 48 مؤيداً و20 عاماً.

4 – "محمد عطية أبو وردة"، من مخيم الفوّار بالخليل، معتقل منذ 4 نوفمبر 2002، ومحكوم بـ 48 مؤبداً.

5 – "محمد حسن عرمان"، من قرية خربثا بني حارث ـــ قضاء القدس، معتقل منذ 18 أغسطس 2002، ومحكومٌ بـ 36 مؤبداً.

6 - المهندس "عباس السيد"، من طولكرم، معتقل منذ 8 مايو 2002، ومحكومٌ بـ 35 مؤبداً و150 عاماً.

7 – "وائل محمود قاسم"، من قرية سلوان ـــ قضاء القدس، معتقَل منذ 2002، ومحكومٌ بـ 35 مؤبّداً و50 عاماً.

8 – "أنس غالب جرادات"، من بلدة السيلة الحارثية ـــ قضاء جنين، معتقل منذ 11 مايو 2003، ومحكومٌ بـ 35 مؤبداً و35 عاماً.

9 – "سعيد الطوباسي"، من مخيم جنين، معتقَل منذ 1 نوفمبر 2002، ومحكومٌ بـ 31 مؤبداً و50 عاماً.



المراجع:

1 - رجب المدهون، ليسوا مجرّد أرقام، صحيفة الأخبار اللبنانية، 1 سبتمبر 2021

وكذا: عمرُك مضروباً بعشرات الأضعاف، 1 سبتمبر 2021 

2 - د. سنية الحسيني، الأسرى.. نحو تبني آليات جديدة للمواجهة، موقع صحيفة المنار المقدسية، 17 سبتمبر 2021

3 - نور أبو عيشة، الأسرى الفلسطينيون والسجون الإسرائيلية، موقع وكالة الأناضول، 6 سبتمبر 2021

4 - موقع مركز المعلومات الوطني الفلسطيني – وفا، الأوضاع الصحية للأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

وكذا: الأسرى الأطفال.

الأسرى الفلسطينيون ... حقائق وأرقام.

5 - موقع "العربي الجديد"، الأسرى الفلسطينيون بالأرقام، 17 ابريل 2017

6 - هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 17 أبريل 2017

7 - الموسوعة الدولية الحرة "ويكيبيديا"، أسرى فلسطينيون.