Translate

الأربعاء، 1 أبريل 2009

العراق الجديد إلى أين؟


زيد يحيى المحبشي

ست سنوات مرت حتى الآن من تاريخ "العراق الجديد", وتحديداً منذ بدء الحرب الأميركية عليه في 20 آذار /مارس 2003 وسقوط نظامه في 9 نيسان/ ابريل 2003، تحت ذرائع شتى أثبتت الأيام عدم صحة أي منها, مخلفةً بذلك صورة كارثية لم يعد فيها المقياس الزمني مُجدياً, حتى أن بعض العراقيين يجزمون بأن حالهم بات أسوأ مما كانوا عليه تحت حكم النظام العراقي السابق، فهم اليوم لم يعودوا محرومين من حقوقهم السياسية فحسب، بل ومن السيادة الوطنية والأمن ومن أبسط ضروريات الحياة, وسط ألغام الطائفية والتطرف الأعمى وغياب الهوية الوطنية لترتفع مكانها هويات الطائفية والمذهب والحزب والعرق.. وهو ما أشار إليه "جون والس" في تعليقه على هذه الحرب المجنونة "لقد جلبنا العذاب والبؤس باسم الحرية".
ست سنوات مرت حتى الآن فُتِحَت خلالها بوابات الماضي على مصراعيها مفجرةً في طريقها قضايا طويت منذ ألف عام, ومُحدِثةً اضطراباً حاداً في مفهوم الوطن وقيمة الوطنية واتجاهات الولاء, في بلد شديد التعقيد تتداخل فيه اعتبارات قومية وطائفية ودينية وجغرافية وتاريخية في غاية الحساسية, ما أدى إلى إرساء ذاكرة جديدة فيه, واضعةً أبنائه أمام خيارات لازال معظمها غامضاً وملتبساً, ما يثير التساؤل عما ستؤول إليه الأمور في السنوات القادمة خصوصاً بعد أن كشفت إدارة أوباما في 27 شباط/ فبراير الفائت عن نيتها الانسحاب منه بحلول 31 آب/ أغسطس 2010 دون اعتذار عما خلفته من تداعيات كارثية ثقيلة وهو ما نحاول مقاربة حقيقته في هذه السطور.

حقائق وأرقام
رغم ما لف ويلف الحرب على العراق من غموض إلا أن ما تكشَّف من أرقام يوضح حجم المأساة التي إرتكبتها أميركا وبريطانيا في العصر الحديث. الغارديان البريطانية في معرض هجومها على لندن وواشنطن عشِية الذكرى السادسة للحرب أشارت إلى أن "أميركا استخدمت نظاماً استعمارياً قديماً, هو التقسيم الطائفي في العراق، وجلبت للعراقيين الكثير من الدمار والحزن، وجلبت لنفسها خسارة إستراتيجية كبيرة على جميع الصُعد العسكرية والاقتصادية والأخلاقية".
إذاعة صوت أميركا في قراءتها للوضع العراقي رأت عكس ذلك، فالعراق يخرج الآن من دائرة العنف الجهنمية، وجميع العناوين الرئيسية القادمة منه إيجابية ناقلة عن لويد اوستن معاون قائد القوات الأميركية بالعراق قوله "نحن قريبون من وضع أمني دائم, لكننا لم نصل إلى ذلك بعد!, ولذا فالتركيز حالياً على تثبيت إستقرار أمني طويل المدى، ولكن يوفره العراقيون أنفسهم!" –كلام جميل ولكن كيف-؟
في البيدر العراقي هناك اتجاهان الأول مثله ثلة من مثقفي العراق الجديد, جندت نفسها لإلقاء اللوم على النفس وجلد الذات وتهيئة الرأي العام العراقي للتسليم بأن القسوة متجذرة فيه, ما دفع أبنائه إلى قتل بعضهم البعض, وبالتالي تسابقها في البحث بعين واحدة عن أمثلة القسوة في التاريخ لتعميمها حاضراً ومستقبلاً, وصولاً إلى تأصيل نظرية متكاملة عن تخلف العراقيين وقسوتهم وهمجيتهم لئلا يشعروا بعار التعاون مع الاحتلال.
الكاتب العراقي حازم النعيمي من جهته قال: بأن هناك متغير وحيد هو أن العراقيين الآن يستطيعون رؤية ضوء في نهاية النفق لكن يبدو أن سنوات الاحتلال الست غير كافية للوصول إليه لسبب بسيط حسب الكاتب غسان العطية هو أن "المارد خرج من القمقم والمجتمع العراقي الآن مستقطب بين القوى الطائفية والعرقية" والتي أضحت سيدة الموقف بلا منازع.
في حين يرى الاتجاه الثاني أن ما لحق العراق من مأساة كارثية أعادته إلى القرون الوسطى دوافعها استعمارية قديمة متجددة, ومحركاتها النفط وأمن الاحتلال الإسرائيلي, وهو ما نجد حقيقته في اتهام الغارديان الصريح لأميركا باستغلال الدين والطائفية وإثارة النعرات الطائفية, ومن ثم وهو الأخطر دأب الحكومات الأميركية المتعاقبة على استخدام ما يسمى بفرق الموت وسط التظليل الإعلامي والتقليل من أهمية التدخل في شؤون الآخرين وامتهان سيادتهم وتوفير الحماية القانونية للاحتلال ومستخدميه, لغرض تفعيل مهام تلك الفرق, حسب الطلب, وصولاً إلى تحقيق رزمة من الأهداف, بما فيها إبقاء حالة الذعر والخوف خصوصاً لدى المتعاونين للمطالبة بالحماية والبقاء وعدم الرحيل, والتذرع المستمر بهشاشة الأمن, كما صرَّح أوباما نفسه, بعد أن كان قد وعد خلال حملته الانتخابية بالانسحاب الكامل، وفي هذا السياق فقط يمكننا فهم الحديث عن التحسن الأمني المفاجئ مؤخراً وكأن هناك جهات غيبية قد أغلقت صنبور الدم والقتل المنظم في هذا البلد.
بلغة الأرقام وهي وحدها الفاضحة لحقيقة التحول المفاجئ في مواقف إدارة أوباما ما يشي بأن مستقبل العراق لم يعد مرهوناً, وهو يدخل عامه السابع تحت الاحتلال, بأفق الحرية فحسب, بل بإمكانية عودته إلى هويته العربية بلداً موحداً بعيداً عن شظايا الطائفية والمذهبية والعرقية والعشائرية, وهو أمرٌ غير بادٍ في الأفق حتى الآن.
أكثر من مليون ونصف شهيد أي بمعدل متوسط 150 قتيل عراقي يومياً, ومليون أرملة تحت سن الـ30 عاماً من أصل 3 ملايين أرملة, ونحو مليون ونصف المليون معاق وجريح لم يحصلوا على حقهم من الرعاية, وأكثر من 5 ملايين مُهجر ومُشرد ونَازح, و5 ملايين يتيم, واغتيال أكثر من 350 عالم نووي عراقي, و1200 أُستاذ جامعي في المعارف العلمية المختلفة على يد الموساد, واغتيال ألف طبيب و5500 أكاديمي وعالم ومثقف, وعودة شبح الكوليرا, في ظل معاناة ثلث أطفال العراق من سوء التغذية, ووجود 4 عراقيين من بين كل عشرة تحت خط الفقر, وتعرض أكثر من 400 ألف عراقي للاعتقال والتعذيب بينهم عشرة آلاف امرأة في ظل وجود 26 سجن رسمي و600 معتقل سري, ناهيك عن حل مؤسسات دولة قائمة وجيش كان يحسب له ألف حساب في المنطقة وتحويل أسلحته إلى خردة يباع الطن الحديد الواحد منها بـ900 دولاً, وضياع 150 بليون دولار تم رصدها لإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الأميركية على مشاريع وهمية على يد نافذين أميركيين وعراقيين تحول معها العراق إلى ثالث بلد على قائمة الفساد عالمياً بعد الصومال ومانيمار, في وقت لازالت فيه بغداد تعيش في ظلال دامس وسط تذكر أبنائها كيف عادت إليهم الكهرباء في غضون أسابيع بعد حرب 1991 رغم الحصار الاقتصادي الشديد حينها.
وفي المحصلة، فالمنجز الوحيد الذي شهده العراق هو ديمقراطية الدم والقتل والفوضى والصراع الطائفي والسياسي وميليشيات الموت والخراب والفساد، وتحول أبناء أغنى بلد بترولي في العالم إلى مهاجرين ومهجرين ومشردين وامتلاء أرجائه بالمقابر.
والمفارقة هنا إعدام صدام حسين لقتله نحو 148 مواطن من بلدة الدجيل عام 1982، وعدم محاكمة الذين أشعلوا حروباً في العراق وأفغانستان وقتلوا الملايين, وهي مفارقة فاضحة لكل دعاوى الحرية والديمقراطية الغربية، فهل ثمة أي مجال يمكن الحديث عنه بصورة فيها بعض التفاؤل والإيجابية؟.
على صعيد قوات الاحتلال، رغم التعتيم الشديد فالاعتراف الرسمي يذهب إلى مقتل نحو 4260 جندي أميركي وجرح 32 ألف, في حين تشير إحصاءات المقاومة الوطنية العراقية إلى مقتل 35 ألف جندي أميركي وجرح 53 ألف آخرين بمن فيهم المرتزقة والموعودين بالجنسية الأميركية الخضراء إلى جانب 310 قتيل من جنود المتعددة فيما تجاوزت تكاليف الحرب 800 بليون دولار.

العملية السياسية
هي الأخرى تشي مفرداتها رغم تعاقب حكومتين أميركيتين مدنية وعسكرية, وثلاث حكومات عراقية بأن الديمقراطية في هذا البلد لازالت مقطعة الأوصال خصوصاً في العامين الأخيرين, لسبب بسيط هو تركيز حكومة المالكي على الملف الأمني باعتباره مفتاح السر لمعالجة الملفات الأخرى العالقة والمهددة بتفجير العراق مستقبلاً, دون موازاة ذلك بمعالجات سياسية جدية وجذرية, خصوصاً فيما يتعلق بالجدل المحتدم حول التعديلات الدستورية والمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار والمناطق المتنازع عليها طائفياً وصلاحيات المركز والأقاليم والصراع على النفط والسلطة ومصير المعتقلين وأعضاء البعث المنحل والمتقاعدين والجماعات المهمشة والمُبعدة عن العملية السياسية وغيرها. وأخطرها على الإطلاق طبعاً, التوتر الدائر حول كركوك وسط تزايد اهتمام الأكراد بضم أجزاء كبيرة من المناطق النفطية خارج حدود كردستان في الموصل وصلاح الدين وبعقوبة أيضاً.
ناهيك عن مشكلة مجالس الصحوة المتفاقمة إثر نقل الاحتلال مسؤولية 90 ألف من عناصرها إلى حكومة المالكي على أن يتم استيعاب 20 ألف منهم في الجيش العراقي الجديد والبحث عن وظائف مدنية للبقية, في وقت دفعت فيه الأزمة المالية العالمية إلى عدم إيفاء المالكي بذلك ومن ثم اندلاع المواجهات بين الطرفين في بغداد في الأيام الجارية والمهددة بالانفجار في ثمان محافظات أخرى.
كل هذا ألقى بظلاله على إستراتيجية أوباما للانسحاب من العراق والتي سنفرد لها حلقة منفصلة، وبالتالي ربطها بمدى قدرة العراقيين على تجنب تفجر أعمال العنف مجدداً ونزع فتيل الخلافات السياسية الحادة على النفط والسلطة وسط تصاعد مخاوف خصوم المالكي وبعض حلفائه وأنصار الديمقراطية من دفع نجاحاته في العامين الأخيرين في تكريس قوة القانون التي أدت إلى فوز ساحق لقائمته في الانتخابات المحلية أواخر كانون الثاني/ يناير الماضي والتي أظهرته في موقف القوي الذي لا يتردد في ضرب حلفائه لتكريس مفهوم دولة القانون بعد أن كان غير مرغوباً فيه ورفع أسهمه في الشارع العراقي، وبالتالي نجاحه في تحويل حكومته سريعاً إلى وريث لتجربة إحياء دور العشائر في مواجهة قوة الحزب التي أغنتها الإستراتيجية الأميركية.
والخوف هنا من تحول زعامة المالكي المتصاعدة إلى ديكتاتورية في بلد جعلته فوضى سنوات الاحتلال مُهيئاً أكثر من ذي قبل لإعادة إنتاجها مجدداً.

الأحد، 30 مارس 2008

أثر الاكراه على الاعتراف للقاضي محمد محسن المحبشي

تأليف القاضي// محمد محسن علي عبدالله المحبشي
تصحيح ومراجعة// زيد يحيى المحبشي
بسـم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
أهدي هذا العمل المتواضع إلى والدي وإلى روح والدتي رحمها الله وإخواني الذين كان لهم الفضل الكبير في تعليمي ومساندتي وإلى كل من كان له فضل الإسهام في مساعدتي لتلقي العلم والمعرفة ... سائلاً من الله أن يجزيهم عني خير الجزاء.
الشكر والتقدير
أتقدم بالشكر والتقدير إلى جميع أعضاء هيئة التدريس بمعهد القضاء العالي لما بذلوه من جهود مخلصة في سبيل توصيل العلم والمعرفة إلينا.
المقدمة
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبي الهدى ومرشد البشرية إلى الطريق القويم .
إن مما دعاني للبحث في موضوع أثر الإكراه على الإعتراف كثرة ما يتعرض له الإنسان من أخيه الإنسان من ظلم وجور وتعسف لاسيما في وقتنا هذا لكثرة الحروب والمشاكل السياسية وقد يكون نتيجة لعدم الكفاءة لدى رجال الضبط القضائي والتي بدورها أدت إلى امتهان كرامة الإنسان والإعتداء على حريته وسلامة جسمه بدافع الحصول على الحقيقة أو أي معلومات أخرى تحت ضغط الإكراه والتعذيب والوعد و الوعيد والتهديد ، واستلاب الإعتراف بطرق غير مشروعه وغير إنسانيه يجعله دليلاً غير صحيح ولا يعول عليه لصدوره من إنسان مسلوب الإرادة والاختيار ، والإكراه أو التعذيب فيه إهانة لكرامة الإنسان وإعتداء على حريته الشخصية التي منحها الله سبحانه وتعالي في قوله عز من قائل ((ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )) سورة الإسراء أية (70) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( إن دماكم وأعراضكم وأموالكم حرامٌ عليكم كحرمة يومكم هذا )) كما في الحديث أو ما معناه وفي الحديث الشريف "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أستكرهوا عليه" لذا أكدت الشريعة الإسلامية الغراء عدم مشروعية الإكراه والتعذيب وما ينتج عنهما من إعتراف مأخوذ بالإكراه والقوة، وبغير الطرق الشرعية الصحيحة التي يصدر بها الإعتراف الصحيح المعتد به كدليل شرعي يبنى عليه الحكم الذي يتسم بالحقيقة ، كما أن المنظمات العالمية لحقوق الإنسان والإعلانات العالمية والمؤتمرات الدولية حرصت أيضاً على تأكيد احترام كرامة الإنسان وتحظر تعذيبه أو معاملته معاملة غير إنسانية وتجريم أي فعل من أفعال التعذيب أو الإكراه بأي صورة من صوره بغرض الحصول على إعتراف أو معلومة قد تكون دليلاً ضد المتهم ناهيك عن أن دستور الجمهورية اليمنية و قوانينها قد حرمت ذلك عملا بمبادئ الشريعة الإسلامية وتأكيداً لما جاء في إعلانات حقوق الإنسان المدنية والسياسية.
جديرٌ بالذكر أن الجذور التاريخية للإكراه على الاعتراف عائدةٌ إلى العصر الحجري في المجتمعات البدائية والمجتمعات القبلية ففي هذه الحقبة من التاريخ القديم كان الإكراه الوسيلة الوحيدة للحصول على الإعتراف ومن تلك الوسائل مثلاً (( الاحتكام إلى المصادفة البحتة)) كمراقبة حركة بعض الحشرات أو اتجاه الطيور في طيرانها, ومن وسائل الإكراه في المجتمعات القبلية كان الإثبات يتم عبر استغلال الصفة الدينية فكانوا عادة ما يلجئون إلى اليمين والصرافة والابتلاء كوسائل للإثبات ، إستمر بعدها التعذيب للمتهم في العصور الوسطى بأوربا وما تلاها حتى الثورة الفرنسية ، ثم أتى التطور العلمي بوسائل علمية حديثة من اجل الوصول إلى كشف الحقيقة ومع ذلك فمنها ما يمس سلامة الجسم ومنها ما يؤثر على اختيار المتهم لعلى أهمها: مصل الحقيقة ، التنويم المغناطيسي ، جهاز كشف, الكذب وترجع جذورها التاريخية إلى فكرة المدرسة الوضعية وعلى وجه الخصوص إلى أحد كبار أقطاب هذه المدرسة وهو (فريكو فري)(1) أما الأصل فيعود إلى العصور البدائية ، ويعتبر جهاز كشف الكذب من الأجهزة الحديثة وإن كانت الفكرة قديمة حيث يعود تاريخ معرفة التغيرات التي تحدث للإنسان إذا حاول الكذب أو إخفاء الحقيقة إلى سنه 30 قبل الميلاد وأول من قام بذلك أرسطو ثم تطورت هذه الفكرة بعدها إلى أن قام العالم (موسو)(2) في العام 1875م بمحاولته مستفيداً من الإجابات السريعة أو البطيئة حيث استخدم ساعة رصد مع وضع كلمات عادية بينها عدة كلمات تتعلق بموضوع الاختيار ليوجه أسئلة إلى الشخص لمعرفة زمن للإجابة فإذا كان الزمن متأخر دل ذلك على محاولة الكذب والعكس.
وعليه فسأتناول في ورقتي البحثية هذه القضية بجوانبها المتعددة وأسأل من الله أن أكون قد وفقت في ذلك
(1) د.محمد راجح نجاد ,حقوق في مرحلة جمع الإستدلالات,ص 478
(2) د.محمد راجح نجاد ,حقوق في مرحلة جمع الإستدلالات ,ص 485
خطة البحث
الفصل الأول
ماهية الإعتراف والإكراه
المبحث الأول : ماهية الإكراه على الإعتراف
المطلب الأول : تعريف الإكراه
المطلب الثاني : أقسام الإكراه وشروطه
المبحث الثاني: شروط صحة الإعتراف وضماناته
المطلب الأول : تعريف الإعتراف
المطلب الثاني : شروط صحة الإعتراف
المطلب الثالث : ضمانات حرية المتهم في إبداء أقواله
المبحث الثالث: صور التأثير على حرية المتهم في إبداء أقواله
المطلب الأول : الوسائل التقليدية
المطلب الثاني : الوسائل العلمية
المطلب الثالث : الموقف الشرعي والقانوني من وسائل الإكراه
الفصل الثاني
أثر الإكراه على الإعتراف
المبحث الأول: قيمة الدليل المتحصل عليه نتيجة الإكراه
المطلب الأول : إكراه المتهم
المطلب الثاني : إكراه غير المتهم
المبحث الثاني: الجزاءات المترتبة على إكراه المتهم لحمله على الإعتراف
المطلب الأول : الجزاء الجنائي
المطلب الثاني : الجزاء الإجرائي
الفصل الأول
ماهية الإكراه والإعتراف
نبحث فيه تعريف الإكراه وأقسامه وشروطه وتعريف الاعتراف وشروط صحته وضماناته - صور التأثير على حرية المتهم في إبداء أقواله واعترافه - الوسائل التقليدية والوسائل العلمية من خلال ثلاثة مباحث رئيسية.
المبحث الأول
ماهية الإكراه على الاعتراف
المطلب الأول : تعريف الإكراه :
في اللغة :
حمل الغير على أمر لا يرضاه قهراً, يقال أكرهته على الأمر إكراهاً حملته عليه قهراً(
[1])، قال تعالى ] وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم ,وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم[([2] ).
وفي الشرع:
الحنفية (
[3] ) :كل فعل يفعله الإنسان بغيره فيزول رضاه أو يفسد اختياره.
المالكية (
[4] ) :كل ما يُفعل بالإنسان مما يضره أو يؤلمه.
ابن القيم (
[5] ) : كل ضغط يقع على العاقد بوسيلة مرهبة تحمله على التعاقد.
أنواع الإكراه في الشريعة الإسلامية:
1. إكراه ملجىء: وهو الذي يعدم الرضاء ويعدم الإختيار لأنه يجعل المكره كالآلة في يد الفاعل.
2. إكراه غير ملجىء : وهو الذي يعدم الرضاء ولا يفسد الاختيار ، وهو مالا يخشى معه فوات النفس أو الأعضاء.
المطلب الثاني : أقسام الإكراه وشروطه في الإصطلاح القانوني :
1. الإكراه المادي:
وهو قوة إنسانية عنيفة ومفاجئة أو غير مفاجئة تجعل من جسم الإنسان أداة لتحقيق حدث إجرامي معين ، دون أن يكون بين هذا الحدث وبين نفسية صاحب الجسم أي اتصال(
[6] ).
طبيعة الإكراه المادي:
الإكراه المادي يعدم المسؤولية لانعدام الإرادة كلياً ولا يمكن إسناد الجريمة إلى الفاعل لأن الإكراه المادي يقطع الرابطة السببية بين عناصر الركن المادي باعتبار الإنسان المكره مادياً يستخدم كالآلة في ارتكاب الفعل ولم تتجه إرادته إلى تحقيق النتيجة المترتبة على الفعل لذا تنعدم مسؤوليته لانتقاء أهم عناصرها وهي الإرادة .
2. الإكراه المعنوي :
وهو الضغط على الإرادة بما يؤدي إلى شلل حركتها والذهاب بقيمتها من حيث القدرة على الاختيار ، لوقوعها تحت تأثير الخوف من خطر وضرر جسيم وشيك الوقوع وليس في الإمكان دفعه أو الإفلات منه إلا بارتكاب الجريمة. (
[7] )
طبيعة الإكراه المعنوي :
الإكراه المعنوي لا يعدم الإرادة بل تضيق فيه حرية الاختيار فقط وهو مانع من موانع المسؤولية لعدم توافر شروط الركن المعنوي وذلك لممارسته الفعل تحت ظروف شاذة لا تسمح له بتكوين إرادة حرة فينتفي الإثم والخطاء ما عدا حالات القتل والجراح فلا تنتفي المسؤولية الجنائية.
شروط الإكراه:
1. أن تكون القوة غير قابلة للرد:
وهي القوة التي تعدم المسؤولية وتبلغ حداً من الجسامة تجعل من المستحيل على المكره تجنبها وعدم الامتثال لأمرها بالفعل أو الامتناع عن الفعل الذي تقوم به الجريمة.
2. أن تكون القوة غير متوقعة:
وأن لا يكون للفاعل دخل في حلول الخطر,كما هو منصوص عليه في المادة (36)من قانون العقوبات اليمني حيث اشترطت (( ... لم يتسبب هو فيه عمداً)) أي أن لا يكون الفاعل قد أوجد بفعله هذا الخطر ولم يكن متوقعاً له والمادة (61) عقوبات مصري (( أن لا يكون للفاعل دخل في حلول الخطر)).
كما جاء في قضاء محكمة النقض المصرية (إنه متى كانت الواقعة ناشئة عن حادث قهري لا يد للمتهم فيه وليس بمقدوره منعه فلا مسؤولية عليه) (
[8] ).
3. أن يكون الخطر مهدداً للنفس والمال:
وهو ما نصت عليه المادة (36) عقوبات يمني في شطرها الأول ((أن لا مسؤولية على من ارتكب فعلا ألجأته إليه ضرورة وقاية نفسه أو غيره أو مال غيره من خطر جسيم محدق))، وهو ما تشترطه الشريعة الإسلامية في الإكراه المعنوي ما نجده حرفياً في نص المادة (61) عقوبات مصري (.. لا عقاب على من ارتكب جريمة ألجأته إلى إرتكابها ضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على النفس ) وفي ذلك توافق مع القانون اليمني إلا أنه استبعد ما يهدد المال ولم يجعله سببا للإكراه كما في القانون اليمني.
4. أن يكون الخطر جسيماً على قدر من الجسامة:
وهو ما نصت عليه المادة (36) عقوبات يمني والمادة (61) عقوبات مصري بأن يكون الخطر الذي يهدد الإنسان على قدر من الخطورة بما يهدد الكيان المادي للإنسان كالموت أو العاهة المستديمة أو الجراح البالغة أو المساس بالكيان المعنوي للإنسان كالاعتداء على الشرف أو السمعة أو العفاف شريطة أن يؤدي هذا إلى انعدام حرية الإختيار أو تضييقها .
ويتطلب القضاء المصري أن يكون الخطر جسيما على قدر من الجسامة حيث قضى بأنه لا يعفَ من العقاب من كان صغير السن واشترك في جريمة إحراز مواد مخدرة مع متهم آخر من أهله يقيم معه ويحتاج إليه, ذلك أنه ليس في صِغر سنه وإقامته مع المتهم الآخر وحاجته إليه ما يجعل حياته في خطر جسيم ما لم يشترك مع هذا المتهم في إحراز المواد المخدرة (
[9] ).
5. أن يكون الخطر حالا:
حيث تطلب المشرع اليمني بأن يكون الخطر حال أو وشيك الحلول إذ تنص المادة (36) عقوبات (لا مسؤولية على من ارتكب فعلا ألجأته إليه ضرورة وقاية نفسه أو غيره أو ماله أو مال غيره من خطر جسيم محدق ) فطبقاً لنص المادة يتبين عدم الاكتفاء بأن يكون الخطر ممكن أو محتمل الوقوع بل يجب أن يكون محقق الوقوع ، ولا يدع لدى المكره مجالاً للاستعانة بالسلطة العامة أو الهروب أو التخلص بأي وسيلة ممكنه.
وقد قُضِيَ في هذا الخصوص بأنه كان من البين في محضر جلسة المحاكمة أن المدافع عن الطاعن قد أشار إلى أن إكراهاً قد وقع عليه من مالك الباخرة وهذا في حقيقته دفع بامتناع المسؤولية الجنائية لقيام حالة الضرورة المنصوص عليها في المادة(61) عقوبات وكان الحكم قد نفى هذه الحالة ، وأما ما ذكره المتهم الأول في إكراهه فإنه لو صح قوله فإن اثر الإكراه يكون قد زال بوصوله إلى المياه المصرية ، واتصاله بسلطات هيئة القناة (
[10] ).
المبحث الثاني
شروط صحة الإعتراف وضماناته
المطلب الأول : تعريف الإعتراف:
في اللغة: يطلق على عدة معان منها الثبوت والإقرار ، فاقر بالحق إعترف به ، وأقره في مكانه فاستقر (
[11] ).
وفي الاصطلاح: الإعتراف بحق مالي أو غيره ، وقيل هو إخبار المكلف عن نفسه أو عن موكله بحق يلزم(
[12] ).
وهو في قانون الإثبات اليمني : إخبار الإنسان شفاهةً أو كتابةً عن ثبوت حق لغيره على نفسه (
[13] ).
وفي الفقه القانوني : إقرار المتهم على نفسه بإرتكاب الوقائع المكونة للجريمة كلها أو بعضها (
[14] ).
لذا فإعتراف متى توافرت شروط صحته وإطمأنة المحكمة إلى صدقه فهو سيد الأدلة,لأن الشخص المعترف يعرف جيداً نتائج اعترافه ومن ثم يكون اعترافه عنوان الحقيقة والأخذ بالإعتراف والعمل به مشروع لقول الله تعالى ((الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين)) (
[15] ), ومن السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( يا أنس أعد الى مرأة هذا,فإن اعترفت بالزنا فارجمها ) ومن ذلك قيامه صلى الله عليه وآله وسلم برجم ماعز والغامدية بعد إقرارهما ([16] ).
المطلب الثاني : شروط صحة الإعتراف:
لا يكون الإعتراف صحيحاً إلا إذا صدر عن إرادة حرة ولا يكون كذلك إلا إذا توافرت له عدة شروط للأخذ به كدليل إثبات في الدعوى الجنائية هي :
1. الأهلية الإجرائية للمتهم:
أي أهليته لمباشرة نوع من الإجراءات على نحو يُعد معه هذا الإجراء صحيحاً وتنتج آثاره القانونية, ولكي تتوافر الأهلية الإجرائية يجب أن يكون المعترف متهماً ويتمتع بالإدراك والتمييز سواء كان فاعلاً أصلياً أو مساهماً وينعدم الإدراك والتمييز بصغر السن والجنون والعاهة العقلية والغيبوبة الناشئة عن السكر والمواد المخدرة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق ) (
[17] ).
2. تمتع المعترف بحرية الاختيار:
لا يعتد بالإعتراف الصادر عن المتهم إلا إذا كان إراديا صادراً عن إرادة حرة واعية دون أي تدخل من المحقق بضغط أو تهديد ويستبعد من ذلك أي دليل أو إعتراف تم الحصول عليه تحت تأثير أي صورة من صور الإكراه المادي أو المعنوي التي يمكن أن يتعرض لها المتهم, حيث أكدت محكمة النقض المصرية ضرورة أن يكون الإعتراف إرادياً، لأنه لا يصح التعويل على الإعتراف ، ولو كان صادقاً متى كان وليد الإكراه كائناً ما كان قدره (
[18] ).
3. أن يكون الإعتراف صريحاً ومطابقاً للحقيقة :
إذ أن غموض أقوال المتهم من حيث دلالتها على ارتكابه للجريمة المنسوبة إليه ينفي عنها صفة الإعتراف,لأنها تحتمل أكثر من تأويل,ولهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال استنتاج الإعتراف من هروب المتهم إثر وقوع الحادث ، كما لا يجوز اتخاذ صمت المهتم قرينة على إدانته بل الواجب أن ينص الإعتراف على الواقعة الإجرامية لا على ملابساتها ، كما يجب أن يكون الإعتراف مطابقاً للحقيقة لأن الواقع العملي أثبت أن الإعتراف قد يكون مصدره مرضاً عقلياً أو نفسياً وقد يكون صادراً عن الإيحاء أو التخلص من الاستجواب المرهق أو التضحية من أجل المتهم الأصلي بسبب رابطة القرابة أو الصداقة أو المحبة ، وما لم يكن الإعتراف مطابقاً للحقيقة فلا يعول عليه(
[19] ) .
الشريعة الإسلامية في موقفها من الإعتراف اشترطت أيضاً ضرورة أن يكون صريحاً ظاهر الدلالة والوضوح لما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه إستفصل ماعزاً عندما اقر بالزنا كما في رواية ابن داود أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لماعز: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت,قال : لا، فقال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها,قال:نعم ، قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر, قال: نعم ) (
[20] ).
4. أن يكون الإعتراف وليد إجراءات صحيحة :
يقع الإعتراف باطلاً إذا كان ثمرة إجراءات باطلة كأن يصدر الإعتراف نتيجة إستجواب مطول للمتهم أو تحليفه اليمين أو عدم دعوة محاميه للحضور قبل الاستجواب في غير حالتي التلبس والإستعمال ، أو نتيجة قبض أو تفتيش باطلين ؟أوكان وليد تعرف الكلب البوليسي وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية (
[21] ).
والشريعة الإسلامية حريصة على تطبيق القاعدة القائلة أن (ما بني على باطل فهو باطل) وهناك أدلة كثيرة على هذا أبرزها حادثة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما يروى أنه ذات ليلة مر في المدينة فسمع صوتاً في أحد بيوتها ، فساوره الارتياب من أن يكون صاحب البيت يرتكب محرماً ، فتسلق المنزل وتسور الحائط فرأى رجلاً وامرأة ومعهما خمر ، فقال له الرجل: لا تستعجل يا أمير المؤمنين إن كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيته أنت في ثلاث ، قال الله تعالى (ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً ) (
[22] ) وأنت قد تجسست وقال تعالى (وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون ) ([23] ) وأنت لم تفعل ذلك,وقال تعالى (يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) ([24] ) وأنت لم تسلم ،فخجل عمر وبكى ، وقال للرجل : هل عندك من خير إن عفوت عنك قال نعم : قال اذهب فقد عفوت عنك([25] ).
المطلب الثالث : ضمانات حرية المتهم في إبداء أقواله:
كفل المشرع للمتهم مجموعة من الضمانات حتى تتوافر له حرية الإرادة عند الإدلاء باعترافه كضمانة الإحاطة بالتهمة ، وحق الصمت وحق الاستعانة بمحامي ومترجم وحق عدم تحليف المتهم اليمين.
1. حق الإحاطة بالتهمة المنسوبة إليه :
يجب إخطار المتهم بالتهمة المنسوبة إليه حتى يتمكن من الدفاع عن نفسه وفي هذا المعنى أكد العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بوجوب إخطار المقبوض عليه بالتهمة المنسوبة إليه كما في المادة (9/2) وإخطاره في اقصر فترة باللغة التي يفهمها بتفاصيل التهمة المنسوبة إليه وفقاً للمادة (14/3) إلى جانب تأكيد مشروع حقوق الإنسان على المبادئ المتعلقة بالحق في عدم الخضوع للقبض أو الحبس التعسفي كما في المادة (9).
وفي جميع الأحوال يجب إحاطة المتهم بالتهمة المنسوبة إليه قبل استجوابه لأول مره من قبل النيابة العامة ، ولهذا الضمان قيمة دستورية في اليمن فقد نصت المادة (48/ج) على أن (( كل من قبض عليه بصفة مؤقتة بسبب الاشتباه في ارتكاب جريمة يجب أن يقدم إلى القضاء خلال أربع وعشرين ساعة من تاريخ القبض عليه على الأكثر وعلى القاضي أو النيابة العامة تبليغه بأسباب القبض واستجوابه وتمكينه من إبداء دفاعه واعتراضاته ويجب على الفور إصدار أمر مسبب لإستمرار القبض أو الإفراج عنه )).
وقد أتت المادة (76)إجراءات جزائية موافقة لنص الدستور كما دعت المادة (182)إجراءات جزائية إلى ضرورة مواجهة المتهم بالتهمة المنسوبة إليه ، ناهيك عن توافق الدستور المصري في المادة (71) مع ما جاء في الدستور اليمني في وجوب إحاطة المتهم بالتهمة الموجهة إليه وكذا نص المادتين (123، 139) من قانون الإجراءات المصري اللتان أوجبتا مواجهة المتهم بالتهمة المنسوبة إليه .
ومنطلق ذلك ما أقرته الشريعة الإسلامية للمتهم من حقوق عظيمة بما فيها حق الفرد في المحاكمة العادلة وحقه في الإحاطة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر).
2. حق المتهم في الصمت:
يقصد به حرية المتهم في الإجابة أو الامتناع على ما يوجه إليه من أسئلة ، كون الأصل في ذلك عدم إجبار الشخص على الكلام بأي وسيله كما في مضمون المادة (25) من مشروع لجنة حقوق الإنسان (( لا يجوز إجبار الشخص على الشهادة ضد نفسه)) وكل مقبوض عليه أو محبوس يجب قبل استجوابه أو سماع أقواله أن يخطر بحقه في السكوت وفقاً للمادة (14/2) من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والمادة (155/2ب) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ومن ثم لا يجوز للنيابة العامة أن تستخلص من صمت المتهم قرينة ضده لأنه حق مقرر بمقتضى القانون.
وبالرجوع إلى نصوص قانون الإجراءات الجزائية اليمني يتضح بأنه لا يوجد نص صريح يلزم المتهم بالكلام أو الإدلاء بأقواله ، وإنما تقرر ضمناً حق المتهم في الصمت وذلك في مرحلة المحاكمة حيث نصت المادة (360) إجراءات جزائية في فقرتها الأولى (( لا يجوز للمحكمة أن تستجوب المتهم إلا إذا قبل ذلك)) والمادة (361) (( إذا أمتنع المتهم عن الإجابة أو إذا كانت أقواله في الجلسة مخالفة لأقواله في محضر جمع الاستدلالات والتحقيق ، جاز للمحكمة أن تأمر بتلاوة أقواله الأولى)) في حين أن الدستور قد نص صراحة في المادة( 48/ب)على حق المتهم في الامتناع عن الإدلاء بأية أقوال إلا بحضور محاميه,وعلى ذات النسق قضت محكمة النقض المصرية بحق المتهم في الصمت وعدم الإجابة على الأسئلة الموجهة إليه (نقض 3يونيو 1968م س(19) رقم (133) ص(657)).
3. حق المتهم في الدفاع عن نفسه بنفسه أو الاستعانة بمحامي:
أ/ للمتهم الحق في الدفاع عن نفسه أو الاستعانة بمحامي ليتولى الدفاع عنه:
ويظهر ذلك جلياً في نص المادة (49) من دستور الجمهورية اليمنية بأن حق الدفاع أصالة أو وكالة مكفول في جميع مراحل التحقيق وأمام جميع المحاكم ، والمادة (179) إجراءات جزائية ((على المتهم أن يعلن اسم محاميه بتقرير في دائر الكتاب أو إلى مأمور المنشأة العقابية ويجوز لمحاميه أن يتولى ذلك عنه ... )).
كما تنص المادة (181) إجراءات جزائية ((في غير حالة الجرائم المشهودة وحالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة لا يجوز للمحقق في الجرائم الجسيمة أن يستجوب المتهم أو يواجه بغيره إلا بحضور محاميه )) ومفاد ذلك كله أن المشرع تطلب ضمانات خاصة بكل متهم في جريمة جسيمة وجوب دعوة محاميه قبل الاستجواب عن طريق خطاب أو محضر أو أحد رجال السلطة العامة وأن توجه إليه الدعوة في وقت مناسب كما جاء في المادة (180)إجراءات جزائية (( يسمح للمحامي بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الاستجواب أو المواجهة, ما لم يقرر المحقق غير ذلك)).
ب/ حق الاستعانة بمترجم:
إذا تبين للمحقق أن المتهم يتكلم لغة أجنبية أو لهجة غير معروفة بحيث يصعب التفاهم معه باللغة الرسمية وهى اللغة العربية فإنه يتعين وفقاً للمادة (335) إجراءات جزائية ((في حال كان المتهم أو احد الشهود غير ملم باللغة العربية فللمحكمة أن تستعين بمترجم وتسري على المترجمين أحكام الخبراء)).
متناغماً في ذلك مع المبادئ العامة لحقوق الإنسان وتحديداً المادة (14/ز) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حيث أوجب تزويد المتهم مجاناً بمترجم إذا كان لا يفهم أو لا يتكلم اللغة المستخدمة في المحكمة والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية المادة (6/هـ) والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والدستور المصري في مادته(71) وفي نص المادة (77) من قانون الإجراءات الجزائية المؤكدة على أن (( للنيابة العامة وللمتهم وللمدعي بالحقوق المدنية وللمسئول عنها ولوكلائهم أن يحضروا جميع إجراءات التحقيق وللخصوم الحق دائماً في استصحاب وكلائهم في التحقيق)) وكذا ما نصت عليه المادتين (139)،(141) من نفس القانون.
4. عدم جواز تحليف المتهم اليمين:
القاعدة العامة أنه لا يجوز إرغام أي شخص متهم بارتكاب فعل جنائي على الإعتراف بالذنب أو الشهادة على نفسه .
ما نجده في المادة(14/3) من العهد الدولي لحقوق الإنسان المدنية والسياسية (( لا يكره على الشهادة ضد نفسه أو الإعتراف بالذنب)),والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان بالمادة (5) في تقريرها لحق المتهم (( أن لا يجبر على أن يكون شاهداً ضد نفسه أو أن يعترف بالذنب)).
فلا يجوز للمحقق عند استجوابه للمتهم أن يحلفه اليمين لأن ذلك اعتداء على حريته في الدفاع عن نفسه أو إبداء أقواله كما أنه يضعه في حرج.
وقد تنبه المشرع اليمني إلى ذلك في نص المادة (178) من قانون الإجراءات الجزائية (( لا يجوز تحليف المتهم اليمين)).
وعليه فمتى وجه عضو النيابة المحقق اليمين للمتهم عند سؤاله أو إستجوابه استجوابه له وحلفها فهو من قبيل الإكراه المعنوي المترتب عليه بطلان الاستجواب وما ترتب عليه من أدلة ومنها الإعتراف ، كون البطلان متعلق بالنظام العام، لا يجوز للمتهم التنازل عنه.
المبحث الثالث
صور التأثير على حرية المتهم في إبداء أقواله واعترافه
المطلب الأول : الوسائل التقليدية :
العنف والإكراه المادي من أهم صور التأثير على إرادة المتهم وحرية اختياره عند الإستجواب والعنف.
والإكراه المادي : هو كل قوة مادية خارجية تطال جسم المتهم ويكون من شأنها تعطيل إرادته .
ويتحقق الإكراه المادي بأي درجة من العنف مهما كان قدرها طالما أن فيها مساس بسلامة الجسم وبغض النظر عن إلحاقه الألم بالمتهم من عدمه يظل عنفاً كتعذيب المتهم أو قص شعره أو شاربه أو حرمانه من الاتصال بأهله أو حرمانه من الغذاء أو الغطاء أو النوم أو وضعه في زنزانة مظلمة قبل استجوابه ، أو الإطالة في الإستجواب حتى يرهق المتهم أو الضرب أو نزع أظافره وإطفاء السجائر في جسده ....
وحق المتهم في عدم التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية حق كفلته كافة الدساتير والقوانين وإعلانات حقوق الإنسان كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1948م والذي حظر تعذيب المتهم في المادة (5) المؤكد أيضاً في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المادة(7) كما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 ديسمبر عام 1975م إعلاناً خاصاً بشأن حماية جميع الأشخاص ضد التعذيب وغيره من العقوبات أو المعاملات القاسية أو غير الإنسانية أو المهينة (القرار رقم (3453) )حيث نصت المادة الأولى منه على أن التعذيب يشمل ((كل فعل يستلزم إحداث ألم أو معاناة بدنية أو عقلية ضد أحد الأشخاص بواسطة موظفين عموميين أو بناءًا على تحريضهم وذلك لتحقيق أهداف معينة وخاصة فيما يتعلق بالحصول على المعلومات أو الاعترافات ...)) بينما حظرت المواد (4، 5، 6، 7 ) الالتجاء إلى التعذيب أما المادة (12) من الإعلان المذكور فقد نصت على أن الأقوال التي تصدر بناءًا على التعذيب لا يمكن الاستناد إليها كدليل سواء ضد المتهم أو ضد أي شخص آخر.
هذا وقد نصت الفقرة الثانية من المادة (32) من مشروع المبادئ على حماية جميع الأشخاص الخاضعين لأي شكل من أشكال الحجز أو الحبس و عدم جواز استعمال الإكراه أو التهديد دون حق أو استعمال أو أي سائل أخرى من شأنها حرمان المتهم من حريته في القرار أو الذاكرة أو الحكم على الأمور.
وللإكراه المادي أو التعذيب أو العنف الواقع على المتهم صور متعددة قاسمها المشترك هو حدوث الألم أو المعاناة البدنية أو النفسية أو العقلية التي تصيب المتهم جراء ذلك الإكراه أو التعذيب.
فإذا وقع على المتهم عنف أو إكراه مادي قبل الاستجواب كان هذا الاستجواب باطلاً ما يعني بداهة امتداد البطلان إلى جميع الأدلة المستمدة منه بما فيها الاعتراف حينها يتوجب استبعادها كدليل إثبات وفقاً للمادة (27) من مجموعة مبادئ الأمم المتحدة للحقوق المتعلقة بالأشخاص.
ناهيك عن احتمال دفع التعذيب في بعض الأحيان شخصاً بريئاً إلى الإعتراف للتخلص من آلامه ولعله الباعث لتوجه المشرع الدولي إلى وضع القوانين الحاضرة على المحقق اللجؤ إلى وسائل الإكراه لحمل المتهم على الإدلاء باعتراف يحمل دليلاً ضده وقد نصت المادة (48/ب) من الدستور اليمني على(( أن كل إنسان تقيد حريته بأي قيد يجب أن تصان كرامته ويحظر التعذيب جسدياً أو نفسياً أو معنوياً ويحظر القسر على الاعتراف أثناء التحقيقات ويحرم التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية عند القبض أو أثناء فتره الاحتجاز أو السجن)).
وكذا في نص المادة (6)إجراءات جزائية (( يحظر تعذيب المتهم أو معاملته بطريقة غير إنسانيه أو إيذائه بدنياً أو معنوياً لقسره على الإعتراف, وكل قول يثبت أنه صدر من أحد المتهمين أو الشهود تحت وطأة شيء مما ذكر يُهدر ولا يعول عليه)).
والمادة (166) من قانون العقوبات (( يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على عشر سنوات كل موظف عام عُذِبَ أثناء تأدية وظيفته أو استعمل القوة أو التهديد بنفسه أو بواسطة غيره مع متهم أو شاهد أو خبير لحمله على الإعتراف بجريمة أو على الإدلاء بأقوال أو معلومات في شأنها وذلك دون إخلال بحق المجني عليه في القصاص أودية أو الأرش).
إذاً فالاعتراف تحت الإكراه يُهدر ولا يُعول عليه لان إرادة المتهم غير حرة ولا تعِ ما يصدر عنها وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية(
[26] ).
المطلب الثاني : الوسائل العلمية :
والمقصود بها تلك التي تباشر أو تقع على الفرد بما يؤدي إلى إفقاد الشخص قدرة التحكم الإرادي فيما يريد الإفضاء به أو عدم البوح به منها:
أولاً: مصل الحقيقة:
وهو عبارة عن عقاقير مخدرة تستخدم لإحداث نوع من التخفيض أو التعطيل في التحكم الإرادي للفرد ، ونزع حواجز عقله الباطن بالصورة التي يمكن معها التعرف على المعلومات المختزنة في العقل الباطن ، وهو يؤدي إلى حالة من النوم أو الاسترخاء لمدة قد تصل من عشرين إلى أربعين دقيقة تُسلب فيها إرادة الشخص دون أن يتأثر إدراكه ولكن تضعف مقاومته في إخفاء ما يود إخفاءه (
[27] ).
وبذلك يسهل انقياده للإيحاء وتتولد لديه رغبه في المصارحة عن مشاعره الداخلية، وبهذا يتعطل تحكم المتهم في إرادته و اختياره فيبوح بأقوال واعترافات لا يريد البوح بها لولا هذا الإجراء(
[28] ).
فيكون حكمه في هذه الحالة حكم السكران الفاقد لعقله بفعل المسكر أو المخدر لمشابهة الحالتين حالة المجنون .
كما أن الجرح الذي تسببه إبرة مصل الحقيقة وإن كان صغيراً يعتبر من قبيل الاعتداء على جسم المتهم ولو كان حقيراً، وبالتالي فاستخدامه يشكل إكراها مادياً ومعنوياً في نفس الوقت وأي اعتراف نتيجة لهذا فهو اعتراف تحت الإكراه.
ثانياً: التنويم المغناطيسي:
ويقصد به التنويم لبعض ملكات العقل الظاهرة الممكن إحداثه صناعياً، أي أنه عملية إيحائية يستخدمها المنوم لإعطاء الأوامر أثناءها للشخص النائم(
[29] )، بما يودي إلى سلب إرادة النائم وسيطرته على ذاته ، لوقوعه تحت سيطرت المُنَوِم بما يجعله متصلاً بالعقل الباطن وبالتالي يتمكن من اكتشاف محتوياته ، أي أن ما يدلي به المَُنوَّم مستمد من عقله الباطن واستجواب المتهم بعد تنويمه مغناطيسياً للحصول منه على الاعتراف هو نوع من أنواع الإكراه المادي لهذا المتهم ، المفضي إلى إستطالة جسم المتهم وذاته ، ويصبح المنوم هو المسيطر على النائم ، لأن النائم غالبا ما ينفذ أوامر المنوم الذي أوحى بها إليه ومن ثم فإجابات المنوم ما هي إلا صدى لإيحاء المنوم ([30] ).
ثالثاً: جهاز كشف الكذب:
أحد الأجهزة المستخدمة في رصد الإضطرابات أو الانفعالات النفسية من خلال إثارة الأعصاب أو الحواس ومن ثم قياس ردة الفعل كالخوف أو الخجل أو الشعور بالمسؤولية أو الجرم، ورصد كل التغيرات التي تحدث في النفس وضغط الدم(
[31] ).
ورغم ذلك فهو لا يستطيع تحديد سبب الانفعال ، ما إذا كان نتيجة الانفعال المتهم ، أو هو نتيجة لخوف البريء الخاضع للجهاز أو نتيجة للمرض(
[32] ).
واستخدام الجهاز يعد من قبيل الإكراه المادي ، لما فيه من تعدي على حق المتهم في الصمت والدفاع عن نفسه ، وأي إعتراف نتيجة لهذا الجهاز يعد باطلاً لعدم صدوره عن إرادة حرة .
المطلب الثالث : الموقف الشرعي والقانوني من وسائل الإكراه:
إن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان وفضله على سائر مخلوقاته ما نجده في إرساء الإسلام لقواعد العدالة والمساواة ، والحفاظ على كرامة الإنسان ومنع أي اعتداء على عرضه أو دمه أو ماله وتحريم أي إكراه للمتهم أو تهديده في دمه أو عرضه أو ماله.
يقول تعالى ((ولقد كرمنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلا)) (
[33] ).
ويقول ((إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان)) (
[34] ).
وقال الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (( إن دمائكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا)) (
[35] ).
وكذا (( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أستكرهوا عليه)) (
[36] ),وقوله صلى الله علية واله وصحبه وسلم (( أول ما خلق الله العقل, فقال له : أقبل فاقبل ثم قال له : أدبر فأدبر, ثم قال : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك ، بك أخد وبك أعطى وبك أثبت وبك أُعاقب )) ([37] ) .
على ذات الصعيد جاء دستور الجمهورية اليمنية متوافقاً مع ما جاءت به الشريعة الإسلامية كونها الدستور الأعلى والأسمى على كافة الدساتير والشرائع لا سيما فيما يتعلق بكرامة الإنسان وحريته حيث نصت المادة (48/ب) (( كل إنسان تقيد حريته بأي قيد يجب أن تصان كرامته ويحظر التعذيب جسدياً ونفسياً ومعنوياً وحظر القسر على الإعتراف أثناء التحقيقات ويحرم التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية عند القبض أو أثناء فترة الاحتجاز أو الحبس)),و المادة (6) من قانون الإجراءات الجزائية (( يحظر تعذيب المتهم أو معاملته بطريقة غير إنسانية أو إيذائه بدنيا أو معنوياً لقسره على الإعتراف وكل قول يثبت أنه صدر من أحد المتهمين أو الشهود تحت وطأة شيء مما ذكر يهدر ولا يعول عليه)).
وكذا الحال في الإعلان العالمي الصادر في 10 ديسمبر عام 1948م في مادته الخامسة التي نصت على عدم جواز (( إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة )) وهي ذاتها في العهد الدولي للأمم المتحدة الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان الصادرة في روما في 4 نوفمبر عام 1950م والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان الصادرة في 22/11/1969م والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والبيان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام الصادر في21 للقعدة 1401هـ- الموافق 19/9/1981م حيث نص البند السابع منه على:
أ‌ - لا يجوز تعذيب المجرم فضلاً عن المتهم (( إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا)),كما لا يجوز حمل الشخص على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها وكل ما ينتزع بالإكراه باطل (( إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)).
ب‌ - مهما كانت جريمة الفرد وكيفما كانت عقوبتها المقدرة شرعاً ، فإن إنسانيته وكرامته الآدمية تظل مصونة.
الفصل الثاني
اثر الإكراه على الاعتراف
نتناول فيه قيمة الدليل المتحصل عليه نتيجة إكراه المتهم و غير المتهم ، و الجزاءات المترتبة على إكراه المتهم على الاعتراف .
المبحث الأول
قيمة الدليل المتحصل عليه نتيجة الإكراه
المطلب الأول : إكراه المتهم:
بديهي أن صحة الاعتراف كدليل جنائي متوقفة على توافر شروط صحة الاعتراف ، مع ضرورة أن لا يشّوبه عيب الإرادة و إلا فقد قوته كدليل إثبات جنائي وذلك ما ذهب إليه المشرع اليمني في المادة (402) من قانون الإجراءات في حسمه النتيجة المترتبة على عدم مشروعية الإجراء ، وعدم مشروعية الدليل إذا كان نتيجة إجراء باطل حيث نصت على ( التقرير ببطلان أي إجراء يشمل بطلان كل الآثار المباشرة له ويتعين تصحيح هذا البطلان متى كان ذلك ممكنا من آخر إجراء تم صحيحاً) وهو ما أكدته المادة (331) من قانون الإجراءات المصري.
إذاً فشرط صحة الاعتراف كدليل جنائي:صدوره عن إرادة حرة غير معيبة ، ألا يكون الحصول عليه نتيجة إكراه مادي أو معنوي ومتى توفر هذا كان دليلاً صحيحاً وبناءاً على المادة(352) إجراءات يمني (( يسأل القاضي المتهم بعد انتهاء الإجراءات المذكورة في المادتين السابقين عن التهمة الموجهة إليه ما إذ كان مقراً بالجرم الموجه إليه أم لا فإذا أقر بارتكاب الجريمة ناقشته المحكمة تفصيلا واطمأنت أن إقراره صحيحا سجل إقراره بكلمات تكون اقرب إلى الألفاظ التي استعملها قي إقراره ولها أن تكتفي بذلك في الحكم ، كما أن لها أن تتم التحقيق إذا رأت داعيا لذلك)).
ومن ذلك ما ذهبت إليه المادة (271/2) من قانون الإجراءات الجزائية المصري ، المؤكدة على أن للمحكمة الموضوع الحرية المطلقة في الأخذ بالاعتراف كدليل والحكم به متى صدر خالياً من أي عيب يشوبه أما إذا صدر عن إرادة غير حرة وتحت وطأة الإكراه والضغط فيهدر ولا يعول عليه وفي كل الأحوال فللقاضي الجنائي الحرية الكاملة في اختيار الدليل الذي يستند إليه والطريق الذي ينتهجه في الإثبات الجنائي وفي تكوين عقيدته وهو ما نصت عليه المادة(367) إجراءات جزائية يمني (( يحكم القاضي في الدعوى الجنائية بمقتضى العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته من خلال المحاكمة ...)) كما أكدت ذلك محكمة النقض المصرية في حكمها الصادر بتاريخ 5 إبريل عام 1995م س45 رقم 75.
المطلب الثاني : إكراه غير المتهم:
أولاًَ: الدليل المتحصل عليه نتيجة إكراه الشاهد:
بالعودة إلى ماهية الشهادة المتلخصة في إخبار شخص ما بما يكون قد رآه أو سمعه بنفسه أو أدركه على وجه العموم بحواسه كونها أحد أدلة الإثبات في المسائل الجنائية لذا فالإدلاء بها لا يكون إلا أمام التحقيق الابتدائي أو النهائي كما جاء في المادة (323) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني ومنه فالشاهد شخص تستعين به السلطة القضائية في مجال الإثبات ، قد يكون لشهادته مجال في تكوين عقيدة القاضي الجنائي الذي يحكم بمقتضاها ،لذا يجب أن تتوافر في الشاهد الشروط المنصوص عليها في القانون إضافة إلى شروط الإرادة والتمتع بالحرية في إبداء أقواله والاختيار التام أما إذا صدرت أقواله تحت تأثير مخدر أو إكراه مادي أو معنوي بوسائله المختلفة فإن إرادته في هذه الحالة مقيدة ، وقد كفل دستور الجمهورية اليمنية للموطنين حريتهم الشخصية وحفظ كرامتهم و أمنهم كما في نص المادة(48/ب) (( كل إنسان تقيد حريته بأي قيد يجب أن تصان كرامته ويحظر التعذيب جسدياً أو نفسياً أو معنوياً ويحظر القسر على الاعتراف أثناء التحقيقات وللإنسان الذي تقيد حريته الحق في الامتناع عن الإدلاء بأي أقوال...)) معتبراً جرائم الإكراه من الجرائم التي لا تسقط بالتقادم لأن في ذلك مساس بحرية الإنسان وكرامته وهو ما ذكرته المادة (48/هـ) والمادة (16) من قانون الإجراءات الجزائية.
وعليه فالدليل المستمد من الشهادة تحت الإكراه لا يمكن أن يعتد به ، لافتقاره إلى المشروعية والإرادة الحرة التي يجب توافرهما في كل إجراء صحيح وهذا ما قررته المادة (6) من قانون الإجراءات الجزائية والمادة(302/2) من قانون الإجراءات المصري حيث نصت (( كل قول يثبت أنه صدر من أحد المتهمين أو الشهود تحت وطأة التهديد يهدر ولا يعول عليه )) وكذا قضاء محكمة النقض المصرية في نقض 3 يناير 1977م س 28 رقم 4 ص 45.
ثانياً : قيمة الدليل المتحصل عليه نتيجة إكراه الخبير:
شهادة الخبير من أهم الإثبات الجنائي التي يستعين بها المحقق والقاضي في تكوين عقيدته للوصول إلى الحقيقة المساعدة في النطق بالحكم المتسم بالصواب وقد نصت المادة(323) من قانون الإجراءات اليمني على أن اعمال الخبرة من أدلة الإثبات ، كما أن القانون أعطى للمحكمة الحق في الاستعانة بخبير أو أكثر في المسائل الفنية المستعصي فهمها لإبداء الرأي فيها مشفوعاً بتقرير مكتوب أملاً في الوصول إلى إظهار الحقيقة وتكوين عقيدة القاضي في حكمه وهو ما نصت عليه المادة (334) إجراءات جزائية يمني كخبير البصمات والطبيب الشرعي المعني بفحص جثة المجني عليه لمعرفة أسباب الوفاة والأداة المستخدمة في الجريمة ومنه فقد أوجبت المادة (207/5) من قانون الإجراءات اليمني على الخبير ضرورة أداء اليمين أمام المحقق ما لم يكن قد حلفها بحكم وظيفته (يجب على الأطباء والخبراء الذين يكلفون بأعمال الخبرة أن يحلفوا أمام المحقق اليمين القانونية قبل مباشرتهم العمل ما لم يكونوا قد أدوها بحكم وظائفهم وعليهم أن يقدموا تقريرهم كتابة ) والمـادة (86) من قانون الإجراءات الجزائية المصري الموجبة على الخبير اليمين أمام المحقق على أن يبدي رأيه بذمة وأن يشهد بالحق وعليه فامتناعه عن أداء اليمين لا يعيب شهادته طالما وأنه قد حلفها عند مباشرته وظيفته وفي ذلك إكتفاء عن تحليفه في كل قضيه يحضرها أمام المحكمة (( نقض 22 يونيو 1954م مجموعة أحكام محكمة النقض المصرية س5 رقم 63 ص 817)).
الجدير ذكره هنا أن تقرير الخبير لا يكون ذا قيمة وقوة تدليلية ما لم يكن خالياً من أي عيب يشوبه والأهم من ذلك صدوره عن إرادة حرة ، أما إذا صدر تحت تأثير الإكراه المادي أو المعنوي فيهدر ولا يعول عليه حكمه في ذلك حكم الشهادة تحت الإكراه وهو ما نصت عليه المادة (6) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني ، فضلاً عن إجماع فقهاء الشريعة الإسلامية وأئمة المذاهب على إهدار الدليل المتحصل عليه نتيجة الإكراه وعدم الاعتداد به.
المبحث الثاني
الجزاءات المترتبة على إكراه المتهم لحمله على الاعتراف
المطلب الأول : الجزاء الجنائي:
تنص المادة (166) من قانون العقوبات اليمني على أن (( يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على عشر سنوات كل موظف عام عذب أثناء تأدية وظيفته أو استعمل القوة أو التهديد أو بواسطة غيره مع متهم أو شاهد أو خبير لحمله على الاعتراف بجريمة أو على الإدلاء بأقوال أو معلومات في شأنها وذلك دون إخلال بحق المجني عليه في القصاص أو الدية أو الأرش)).
المقصود بالموظف العام:
لم يعرف قانون العقوبات في مواده الموظف العام ولا في غيره ، وبما أن تعذيب المتهم مرتبط بممارسة الجاني لسلطان وظيفته إذاً لا مناص من الإقرار بحقيقة وجود علاقة ارتباط بين الموظف ووظيفته وعليه فالموظف العام المعني في هذه الجريمة لا يمكن أن يكون شخصاً لا صلة له بالدعوى الجنائية ،لأنه غالباً ما يكون من رجال الضبط القضائي ومعاونيهم ،كما لا يشترط أن يكون التعذيب أثناء ممارسة أعمال الوظيفة بل يكفى أن يقع مع وجود ارتباط سببي بين الموظف وأعمال الوظيفة كأن يأمر ضابط الشرطة بتعذيب متهم وهو غير موجود في مكان الوظيفة أو هو في إجازة أو في فترة الراحة إذاً فالمقصود بالموظف العام : كل من يعمل باسم السلطة ولحسابها بصرف النظر عن الإسم الذي يطلق عليه وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية ((طعن 8 مايو 1995م رقــم 5732 لسنه 63 ص 58)).
المقصود بالتعذيب:
لم تعرف المادة (166) من قانون العقوبات اليمني التعذيب ،كما لم يحدد المشرع لنصوص قانون العقوبات ماهيته بوضوح إلا أن الاتفاقيات والدساتير الدولية بمختلف توجهاتها توافقة على تحريم استخدامه كوسيلة للحصول على الاعتراف كما في المادة(5) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (( يحظر إخضاع أي فرد للتعذيب ، أو للعقوبة أو الوسائل الوحشيه أو الغير إنسانية أو الحاطة من الكرامة البشرية)) والمادة (12) (( يحظر إخضاع الفرد لتدخلات تحكمية في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته ولكل شخص الحق في حماية القانون له ضد مثل تلك التعديات )) ونص الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب في مادتها الأولى (( يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسدياً كان أم عقلياً يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص أو شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف ، أو معاقبته على عمل إرتكبه أو أشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو شخص ثالث ، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه أو يحرض عليه ، أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو شخص آخر يتصرف بصفة رسمية ، ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبة قانونية أو اللازمة لهذه العقوبة ، أو نتيجة تعرضه لها)).
كما أن دستور الجمهورية اليمنية قد حرم التعذيب جسدياً أو نفسياً أو معنوياً وحظر القسر على الاعتراف و المعاملة غير الإنسانية أثناء التحقيق أو الاحتجاز أو السجن واوجب احترام كرامة الإنسان كما في المادة (48/ب) منه والمادة (6) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني.
عقوبة الإكراه على الإعتراف:
تنص المادة (166) من قانون العقوبات اليمن على أن (( يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على عشر سنوات كل موظف عام عذب أثناء تأدية وظيفته أو استعمل القوة أو التهديد بنفسه أو بواسطة غيره مع متهم أو شاهد أو خبير لحمله على الاعتراف بجريمة أو على الإدلاء بأقوال أو معلومات في شأنها دون أن يخل ذلك بحق المجني عليه في القصاص أو الدية أو الارش الناتجة عن الجريمة)) كون ذلك من الجرائم الجسيمة(مادة (16) عقوبات)ومن الجرائم التي لا تسقط بالتقادم لمساسها بكرامة الإنسان و حياته الخاصة (مادة (16) إجراءات جزائية يمني) , متفقاً في ذلك مع أحكام الشريعة الإسلامية في إعطائها الصلاحية الواسعة للقاضي في تقدير العقاب ومراعاة حق المجني عليه في طلب القصاص والديه والارش وهو ذات التوجه لدى القانون المصري في تقدير العقوبة إلا أنه أتى بالأشغال الشاقة تحديد الحد الأدنى والأعلى لها كما هو الحال في القانون اليمني وقد نصت المادة (126) عقوبات مصري ((بأن كل موظف أو مستخدم عمومي أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحمله على الاعتراف يعاقب بالأشغال الشاقة أو السجن من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات وإذا مات المجني عليه يحكم بالعقوبة المقررة للقتل عمداً)).
المسئولية المدنية عن الإكراه :
يترتب على الجريمة كعمل غير مشروع حدوث ضرر جسدي أو مادي أو معنوي لأحد الأفراد سواء كان المجني عليه أو المضرور من الجريمة ، ويترتب على هذا الضرر حق للمضرور في التعويض عما لحقه ، برفع دعوى التعويض إستقلالاً أمام المحاكم المدنية أو الجنائية بالتبعية للدعوى الجنائية ، لنص المادة (304) من القانون المدني (( كل فعل أو ترك غير مشروع سواء كان ناشئاً عن عمد أو شبه عمد أو خطأ ,إذا سبب للغير ضرر يلزم من ارتكبه بتعويض الغير عن الضرر الذي أصابه ...))والمادة (43) من قانون الإجراءات الجزائية (( يجوز لكل من لحقه ضرر من الجريمة رفع الدعوى المدنية مهما بلغت قيمتها بتعويض الضرر الناشئ عن الجريمة أمام المحاكم الجزائية لنظرها مع الدعوى الجزائية ))والمادة (44) من قانون الإجراءات الجزائية ، كما إعتبر المشرع اليمني رفع دعوى التعويض في هذا الجرائم من الدعوى التي لا تنقضي وهو ما أكده المشرع المصري أيضاً في المادة (163) مدني مصري ((كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض )) كما أعطته المادة (220) إجراءات مصري حق رفع دعوى مدنية تبعية للدعوى الجنائية ، التي لا تسقط بالتقادم (ادة (259)إجراءات مصري).
المطلب الثاني : الجزاء الإجرائي :
محله العمل الإجرامي وهو: العمل القانوني الذي يرتب عليه القانون إنشاء الخصومة أو تعديلها أو انقضائها.
والجزاء الإجرائي هو: البطلان والسقوط وعدم القبول وأي إجراء يغفل شرط أو إجراء جوهري يعد باطلاً بطلاناً مطلقاً لتعلقه بالنظام العام طبقاً لنص المادة (396) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني (( يقع باطلا كل إجراء جاء مخالفاً لأحكام هذا القانون إذا نص صراحةً على بطلانه أو إذا كان الإجراء الذي خولف أو اغفل جوهرياً..)) ناهيك عن عدم مراعاته لشروط صحة الإعتراف كشرط الأهلية والتمتع بحرية الاختيار والصراحة ومطابقة الحقيقة وأن يكون وليد إجراءات صحيحة وكلها شروط موضوعية يترتب على مخالفتها البطلان المطلق المتعلق بالنظام العام.
كما في المادة ( 397) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني (( إذا كان البطلان راجعاً لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بكيفية رفع الدعوى الجزائية أو تشكيل المحكمة أو ولايتها بالحكم في الدعوى أو علانية الجلسات أو تسبيب الأحكام أو حرية الدفاع أو علانية النطق بالأحكام أو إجراءات الطعن أو العيب الإجرائي الجوهري المهدد لأي حق من حقوق المتقاضين فيها أو غير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام جاز التمسك به من جميع الأطراف في أية حالة كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة من تلقاء نفسها ....)).
ومما لا شك فيه أن تعذيب المتهم أو إكراه للحصول على الاعتراف متعلق بالنظام العام لأنه يتعلق بسلامة الإرادة وحرية الاختيار والواجبات العامة للأفراد طبقا لنص المادة (48/ب) من دستور الجمهورية اليمنية (( لا يجوز القبض على أي شخص أو تفتيشه أو حجزه إلا في حالة التلبس أو بأمر توجيه ضرورة التحقيق وصيانة الأمن يصدره القاضي أو النيابة العامة وفقاً لأحكام القانون ، كما لا يجوز مراقبه أي شخص أو التحري عنه إلا وفقا ً للقانون وكل إنسان تقيد حريته بأي قيد يجب أن تصان كرامته ويحظر التعذيب جسدياً أو نفسياً أو معنوياً أو القسر على الإعتراف أثناء التحقيقات وللإنسان الذي تقيد حريته الحق في الامتناع عن الإدلاء بأيه أقوال ألا بحضور محامية ويحظر حبس أو حجز أي إنسان في غير الأماكن الخاضعة لقانون تنظيم السجون ويحرم التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية عند القبض أو أثناء فترة الاحتجاز أو السجن)) والمادة (6) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني (( يحظر تعذيب المتهم أو معاملته بطريقة غير إنسانية أو إيذائه بدنيا أو معنوياً لقسره على الإعتراف وكل قول يثبت أنه صدر من أحد المتهمين أو الشهود تحت وطأة شيء مما ذكر يهدر ولا يعول عليه)).
ومن ثم فالإعتراف المتحصل عليه نتيجة الإكراه باطل بطلاناً مطلقاً ومتعلق بالنظام العام لمخالفته لنص دستوري المادة (48/ب) ونصوص المواد(396، 397، 6) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني.
لذا اعتبر المشرع اليمني التعذيب للحصول على الإعتراف جريمة قائمة بذاتها مقرراً لها عقاب كما هو في نص المادة (166) من قانون العقوبات اليمني.
ويبطل أي دليل مستمد من هذا الإعتراف ويمتد البطلان إلى جميع الآثار المباشرة له والمترتبة عليه اعمالاً للقاعدة الإجرائية التي تقول (( ما بني على باطل فهو باطل )) وتطبيقا لنص المادة (402) من قانون الإجراءات الجزائية التي تنص (( التقرير ببطلان أي إجراء يشتمل بطلان كل الآثار المباشرة له ويتعين تصحيح هذا البطلان متى كان ذلك ممكنا ً من آخر إجراء تم صحيحاً، وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن الأصل في الإعتراف الذي يعول عليه وجوب كينونته اختيارياً وهو لا يعتبر كذلك - ولو كان صادقا - إذا صدر إثر إكراه أو تهديد كائنا ما كان هذا التهديد أو ذلك الإكراه)) ( نقض 23 نوفمبر 1949م س ، رقم 32 ص 87..)....
الخاتمة
إن من أهم حقوق الإنسان التي كفلتها الدساتير ونادت بها الجمعيات العالمية والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان حفظ حياته وحريته وكرامته وعدم الاعتداء على سلامة جسمه أو التأثير على حريته في الاختيار وتحريمها لأي نوع مـن أنواع الإكراه أو التعذيب بقصد الحصول على الاعتراف أو الحصول على المعلومات التي من شأنها أن تُحَمَل كدليل ضد المتهم وكل دليل نتيجة للإكراه لا يُعمل به ولا قيمة له أيضاً وقد نص الدستور اليمني في مادته (48/ب) علـى وجوب احترام وصيانة كرامة الإنسان وتحريم تعذيبه جسدياً ونفسياً ومعنوياً وحظر قسره على الاعتراف كما أعطى للمتهم الحق في الصمت وعدم البوح بأية أقوال أو معلومات لا يريد البوح بها .
وهو بذلك يحرم الإكراه على الاعتراف وفي ذات الوقت يحمي حرية الإنسان ويصون كرامته في جعله الإكراه على الاعتراف من الجرائم التي لا تسقط بالتقادم, مستنداً في ذلك إلى روح الشريعة الإسلامية السمحة التي هي مصدر كل القوانين إلى جانب الانسجام مع الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان.
كما أن قانون الإجراءات الجزائية اليمني قد نص صراحة على إعطاء عدد من الضمانات للمتهم في إبداء أقواله واعترافاته كمواجهته بالتهمة المنسوبة إليه وحقه في الصمت وعدم تحليفه اليمين وحقه في الاستعانة بمحامي ومترجم واشترط القانون لصحة الاعتراف عدة شروط كما عرفناه سابقاً معتبر مخالفتها أو مخالفة أحدها مبطلٌ لها ولكل ما يترتب عليها من اعتراف, كما أوجب القانون اليمني في المادة (166)عقوبات, معاقبة الموظف العام الذي يُعذب أو يُكرِه غيره للحصول على الاعتراف سواء بنفسه أو بواسطة غيره, بالحبس مدة لا تزيد عن عشر سنوات دون إخلال بحق المجني عليه في القصاص أو الدية أو الارش, وهي عقوبات في رأينا غير كافية حيث كان الأجدر بالمُشرِع اليمني أن ينص على حرمان ذلك الموظف من الوظيفة العامة كعقوبة تبعية كما نص على ذلك في صدر المادة (168) عقوبات, الخاصة باستعمال القسوة في الموظف العام وهي أقل خطراً من سابقاتها,,,كما أن عقد الدورات الدورية لمأموري الضبط القضائي ضرورية لتوعيتهم بأهمية إحترام حرية الإنسان وحقوقه التي كفلتها الشريعة الإسلامية والدستور اليمني وكل الدساتير والمواثيق الدولية ومعاهدات ومنظمات حقوق الإنسان ولا يكون ذلك إلا بالرقابة المستمرة عليهم وإتخاذ الخطوات الجادة في ذلك ومنها إلحاق مصلحة السجون بمكتب النائب العام لما لذلك من أهمية كبيرة في الرقابة عليها وكذلك كضمانة من ضمانات الرقابة على مأموري الضبط القضائي في أعمالهم إن لم يتم ترقيتهم إلا بعد الحصول على شهادة تقدير لحسن أداء عملهم ومدى إلتزامهم بالقانون
وبهذا تكون الصورة عن محور دراستنا قد قاربت في الإحاطة بتفاصيل الموضوع.....,,,,
قائمة المراجع
أولاً: مراجع تم الإشارة إليها في هوامش الدراسة
1. د. محمد راجح نجاد ، حقوق المتهم في مرحلة جمع الاستدلالات.
2. د. محمد السعيد عبد الفتاح ، أثر الإكراه على الإرادة في المواد الجنائية ، الطبعة الأولى .
3. د. محمد حسين الشامي ، مذكرات في شرح قانون الإثبات اليمني.
4. شمس الدين الشريف، مغني المحتاج ، الجزء الثالث.
5. القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن الكريم ، المجلد الثامن ، الجزء (16).
ثانياً: المراجع الأخرى التي اعتمدنا عليها في دراستنا
1. د. احمد محمد العلفي ، تأثير الإكراه في الإجراءات الجنائية ، الطبعة الثانية.
2. د. عيسى زكي شقره ، الإكراه وأثره في التصرفات ، الطبعة الأولى.
3. د. عمر الفاروق الحسين ، تعذيب المتهم لحمله على الإعتراف.
4. دائرة المعارف القانونية ، الإعتراف في الإثبات الجنائي، موقع البوابة القانونية على شبكة المعلومات الدولية ، شركة لادس.
5. د. محمد حسام محمود لطفي ، نحو نظرية أوسع لتصحيح أحكام النقض من الأخطاء المادية والإجرائية ، البوابة القانونية.
6. د.احمد البهادلي ،الإكراه حقيقته _ مقوماته _ حكمه ، مجلة رسالة التقريب ، العدد (16).
7. د. هاني السباعي ، إثبات جريمة القتل العمد... دراسة في الفقه الجنائي المقارن ، مركز المقريزي _ لندن ، طبعة 2006م.
8. من أجل قانون للإجراءات الجزائية يحمي المجتمع ويكفل حقوق الإنسان, حلقة نقاش أقامتها منظمة هود اليمنية, موقع هود أون لاين,15/3/2007م.
الفهرست
الموضوع
الصفحة
الإهداء
2
الشكر والتقدير
3
المقدمة
4- 5
خطة البحث
6
الفصل الأول :ماهية الإكراه والاعتراف
7-22
المبحث الأول : ماهية الإكراه على الإعتراف
7- 10
المطلب الأول : تعريف الإكراه
7- 8
المطلب الثاني : أقسام الإكراه وشروطه في الاصطلاح القانون
8-10
المبحث الثاني : شروط صحة الإعتراف وضماناته
11-17
المطلب الأول : تعريف الإعتراف
11
المطلب الثاني : شروط صحة الإعتراف
11- 13
المطلب الثالث : ضمانات حرية المتهم في إبداء أقواله
14- 17
المبحث الثالث : صور التأثير على حرية المتهم في إبداء أقواله وإعترافه
18- 22
المطلب الأول : الوسائل التقليدية

18- 19

المطلب الثاني : الوسائل العلمية
20- 21
أولاً: مصل الحقيقة
20
ثانياً : التنويم المغناطيسي
20-21
ثالثاً : جهاز كشف الكذب
21
المطلب الثالث:الموقف الشرعي والقانوني من وسائل الإكراه
21- 22
الفصل الثاني: أثر الإكراه على الإعتراف
23- 29
المبحث الأول: قيمة الدليل المتحصل عليه نتيجة الإكراه
23- 25
المطلب الأول : إكراه المتهم
23-24
المطلب الثاني : إكراه غير المتهم
24- 25
أولاً: الدليل المتحصل عليه نتيجة إكراه الشاهد
24
ثانياً: الدليل المتحصل عليه نتيجة إكراه الخبير
25
المبحث الثاني :الجزاءات المترتبة على إكراه المتهم لحمله على الإعتراف
26-29
المطلب الأول : الجزاء الجنائي
26- 28
المقصود بالموظف العام
26
المقصود بالتعذيب
26- 27
عقوبة الإكراه على الإعتراف
27
المسؤولية المدنية عن الإكراه
المطلب الثاني : الجزاء الإجرائي
الخاتمة
27-28
28-29
30
قائمة المراجع
31
الفهرست
32-33

الهوامش والمراجع[1] د/ محمد راجح نجاد ، حقوق المتهم في مرحلة جمع الاستدلالات ، ص(471). [2] صورة البقرة آية رقم (216).[3] د/ محمد راجح نجاد ، حقوق المتهم في مرحلة جمع الاستدلالات ، ص(472).[4] د/ محمد راجح نجاد ، حقوق المتهم في مرحلة جمع الاستدلالات ، ص(472).[5] د/ محمد راجح نجاد ، حقوق المتهم في مرحلة جمع الاستدلالات ، ص(472).[6] د. محمد السعيد عبدالفتاح ، أثر الإكراه على الإرادة في المواد الجنائية ، ص (62). [7] د. محمد السعيد عبدالفتاح، أثر الإكراه على الإرادة في المواد الجنائية ، ص (73).[8] نقض 20 ابريل 1959م, أحكام محكمة النقض س 10، رقم 99, ص(43). [9] حكم نقض 28 نوفمبر 1929م, مجموعة القواعد القانونية ,الجزء الأول, رقم (344) ,ص (391).[10] نقض 24 فبراير 1988م, مجموعة أحكام محكمة النقض ،س (39) رقم (1), ص(5).[11] د. محمد حسين الشامي ، مذكرات في شرح قانون الإثبات اليمني ، ص(103).[12] د. محمد حسين الشامي ، مرجع السابق ، ص(103).[13] مادة (78) إثبات.[14] د. محمد السعيد عبدالفتاح ، المرجع السابق ، ص(162).[15] سورة يوسف آية (51).[16] د. محمد حسين الشامي ، المرجع السابق ، ص(102).[17] شمس الدين الشريف ، مغني المحتاج ، ج(3) ، ص(269).[18] نقض 15 مايو 1967م س (18) رقم (127),ص (651).[19] طعن رقم (1303) لسنه 54ق جلسة 14/2/1985م.[20] د. محمد السعيد عبدالفتاح ، مرجع سابق ، ص(251).[21] نقض 5 مايو 1941م,مجوعة القواعد القانونية ، ج-(5) رقم (251) ص(455) ، نقض 12 مارس 1934م,مجموعة القواعد القانونية ج-(3) رقم (219), ص (29).[22] سورة الحجرات آية رقم (12).[23] سورة البقرة آية رقم (189).[24] سورة النور أية رقم (27).[25] القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن الكريم ، المجلد الثامن ،ج (16)، ص (302).[26] 15/10/1980م, مجموعة أحكام النقض, س (30) رقم (172), ص(890) .[27] د. محمد راجح نجاد ، مرجع سابق ، ص (478).[28] د. محمد السعيد عبدالفتاح ، مرجع سابق ، ص(200).[29] د. محمد راجح نجاد ، مرجع سابق ، ص(481) ، د. محمد السعيد عبد الفتاح ، مرجع سابق ، ص(194).[30] د. محمد السعيد عبدالفتاح ، مرجع سابق ، ص(195).[31] د. محمد راجح نجاد ، مرجع سابق ، ص(486).[32] د. محمد السعيد عبدالفتاح ، مرجع سابق ، ص(129).[33] الإسراء أية (70).[34] سورة النحل أية رقم (106).[35] د. محمد راجح نجاد ، مرجع سابق ، ص(493).[36] د. محمد راجح نجاد ، مرجع سابق ، ص(490).[37] رواه الطبري في الأوسط من حديث ابن أُمامه.

الأمير ناصر بن علي بن زيد بن نهشل المحبشي

إداري، قائد عسكري، أمير إقطاعي

عاش خلال الفترة (950 – جماد الآخرة 1045 هـ )

مولده بالمحابشة من أعمال محافظة حجة، ووفاته بمنزل ولده سراج بالمحروسة صنعاء في اواخر شهر جماد الأول أو في اواخر جماد الاخرة من سنة 1045 هجرية، وكان حينها بعض أولاده بالمحابشة.

نشأ وترعرع في كنف والده أحد كبار ملاك الأراض، فورث عن والده العلم والمال، وعاصر ولاية الإمام القاسم بن محمد على اليمن ( 1006 - 1029 هـ ) ونظراً لمكانته الاجتماعية والاقتصادية ولاه العثمانيين المحتلين لليمن وقتها على كحلان عفار وتوابعها متخذاً من قلعة الكراع القائمة إلى يومنا مقراً له مادعى الناس لمنحه لقب الأغا، إلا أن اللقب الأكثر شهرة الأمير.

دعم ثورة القاسم:               

منذ الوهلة الأولى لثورة القاسم بن محمد ضد الأتراك المحتلين لليمن وقتها سارع الناصر المحبشي إلى مد ثورة القاسم سراً بالمال والعتاد.

وبعد إنتصار الثورة أقطع القاسم الأمير الناصر منطقة الفائش وتوابعها عرفاناً بالجميل وذلك في العام 1016هـ وهي جبل تعتلي قمته قلعة مسورة لم يتبقى منها اليوم سوى الأطلال يقع إلى الجنوب من منطقة جياح الواقعة إلى الغرب من مدينة المحابشة رغم إتخاذها فيما بعد الناصر برجاً للمراقبة العسكرية من قبل الحكام المتعاقبين على المنطقة نظراً لأهميتها الموقعية المشرفة على أكثر من منطقة.

آثاره ومبراته:

1 - في المحابشة:

أ‌- قلعة الفائش: وهي من أملاك آل المحبشي إلى يومنا، يقول العارفون أنه اشتراها من الإمام القاسم والجبل الواقعة عليه في حدود العام 1024 هـ.

ب‌- مدينة شمسان: الواقعة إلى الغرب من مدينة المحابشة والمسماه تشرفاً بإسم

الأميرة شمس بنت ناصر بن علي المحبشي وريثة العلم والمال عن أبيها فكانت المدينة فيما بعد قبلة العلم والعلماء.

يذكر بأنها كانت من أملاك آل المحبشي منذ العام 850 هـ، كما في مستندات التمليك لديهم والمشيرة إلى أنها كانت من أملاك الأميرة نزيهة المحبشي من أحفاد الأمير نهشل بن منصور المحبشي وهي اليوم من أملاك أقوام آخرين خصوصاً من آل هبة الآتين إلى المنطقة من أهنوم شهارة.

2 - في كحلان عفار:

أ- قلعة الكراع.

ب- المبرات الخيرية في بني جيش:

متمثلة في شعب متكامل أوقفه الناصر وقفاً محبساً على أن يعود ريعه على علماء ومتعلمي بيت المحبشي.

سنعمل ترجمة مفصلة عن هذا العلم عندما تسنح الفرصة.

الثلاثاء، 11 مارس 2008

كينيا: واحة الاستقرار الإفريقية المحترقة

بقلم// زيد يحيى المحبشي

 

 الثلثاء 5 صفر 1429هـ/12 فبراير 2008

 

 الطعن والتشكيك في شرعية ومصداقية نتائج الانتخابات من العادات المتجذرة في قاموس الديمقراطية الإفريقية والتي غالباً ما يرافقها معارضة شعبية قوية، يتم مواجهتها بالشرطة والجيش سرعان ما تتحول إلى أعمال عنف واضطرابات تُنتهك فيها كل الحقوق حاصدة في طريقها الأخضر واليابس، مستمدة عوامل تغذيتها من تراكمات الاحتقانات السياسية والعرقية والحقوقية الداخلية أو الأوضاع الاقتصادية المعقدة أو عدم مصداقية، واستقلالية الهيئات الرسمية الوطنية المشرفة على الانتخابات.

الأمر قد يبدو مبرراً في منطقة مضطربة وغير مستقرة، إلا أنه في الحالة الكينية وبتلك الصورة التي لمسناها عقب الانتخابات الرئاسية المنعقدة في 27 كانون الأول/ ديسمبر الماضي يُعد فضيحة كبيرة للغرب قبل كينيا كونه واقع في بلد كثيراً ما تغنى الغرب بتفردها عن مثيلاتها في المحيط الإفريقي من حيث الاستقرار والتوجه الديمقراطي والتحول الاقتصادي خصوصاً في العقدين الماضيين، فإذا بها اجترار للمحيط المضطرب بكل مثالبه ومآسيه (السودان، أوغندا، الصومال، وتشاد نموذجا)، فما الذي دفعها إلى هذا التحول الخطير لاسيما وأن الوضع السياسي فيها قبل الانتخابات وأثناء الحملة لم يكن يحمل بوادر الأزمة التي تعصف بها اليوم؟! هل هو التواطؤ الغربي مع النظام القبلي التسلطي الفردي، والتغاضي عن سياسة القمع والإقصاء ضد الأطياف العرقية المهمشة، وتحديداً شريحة الفقراء الممثلة غالبية السكان في هذا البلد؟.

 وإذا كان هذا هو حقيقة الحال فما جدوى الحديث التبشيري بالنموذج الديمقراطي الكيني إذن؟.

 إعصار التزوير لم يكن هناك ما يدعو للقلق قبل الإعلان المتسرع للنتائج بعد يومين من إجرائها - 29 كانون الأول / ديسمبر 2007 - تحت ضغط الرئيس المنتهية ولايته الأولى "مواي كيباكي" (76 عاما) مرشح حزب "كانو" المدعوم من الغرب وأميركا والحائز على 4584721 صوتا، مقابل 4352993 صوتا لمنافسه الوزير السابق " رايلا أودينغا" (62 عاماً) مرشح الحركة الديمقراطية البرتقالية - زعيم المعارضة - أي بفارق 231828 صوتاً من إجمالي 300 ألف قالت المعارضة أنه تم تزويرها.

فصول الأزمة وصلت ذروتها عندما اتهمت المعارضة لجنة الانتخابات بالتباطؤ في الفرز وعدم الحياد ما أدى إلى التحايل والتزوير لصالح كيباكي، أمور كثيرة عززت هذا الادعاء دفعة مجتمعة بالأزمة من الطور السياسي البحت إلى المواجهات المسلحة الأكثر عنفاً منذ الإنقلاب العسكري في 1983 حاصدة في طريقها أكثر من ألف كيني ومشردة ما بين 250- 350 ألفا آخرين.

وبعيداً عن تضارب آراء وبيانات طرفي الصراع، تظل المؤشرات الميدانية دليلاً فاضحاً لأنموذج الغرب الديمقراطي في إفريقيا:

 

* إتمام عملية الفرز بعيداً عن أعين المراقبين الدوليين بما فيها البعثة الأوربية المشاركة في مختلف المراحل باستثناء مرحلة الفرز بأمر من كيباكي إثر تقدم منافسه بفارق كبير مع بدايات الفرز تجاوز المليون صوت اضطرته إلى تبديل المراقبين الدوليين بالجيش والسلاح وبطاقات التصويت.

 

 * اعتراف "صمويل كيفوتو" -رئيس اللجنة الانتخابية- أن الأصوات في وسط كينيا أظهرت نتائج شاذة نتيجة وجود حالات خاصة بلغت نسبة الإقبال فيها 115 بالمائة من الناخبين المسجلين!! وهو إقرار واضح بحدوث شوائب وثغرات في عملها جعلها تتردد كثيراً قبل إعلان النتيجة دون التأكد من مطابقة محاضرها المركزية مع محاضر الدوائر المحلية. * تشكيك البعثة الأوربية في صحة الانتخابات وإن بصورة ملطفة رغم حضورها القوي، مكتفية ببعض التصريحات على ألسنة مسؤوليها لكنها أحرجت حكام كينيا وعززت مصداقية المعارضة وأحقيتها في الفوز المسروق منها.

 

* مسارعة كيباكي إلى إعلان فوزه وأدائه اليمين الدستورية بعد ساعة واحدة من إعلان اللجنة الانتخابية النتائج. * مسارعة واشنطن إلى تقديم التهنئة لكيباكي مضيفة بذلك عليه الشرعية إلا أنها سحبتها سريعاً عندما لاح لها تعقيد مشهد ما بعد إعلان النتائج بما قد ينتج عنها من عواقب قد تطيح بحليفها.

هذه الأمور تشي بأن المأساة الكينية القائمة ليست كامنة في أن شعبها قد فشل في مراقبة الانتخابات ولكن حالما انتهت أخذت من أيديهم!! رغم المحاولات المبذولة من زعيم الفقراء الفائز الخاسر لإقناع كيباكي ترك منصبه والاكتفاء بلقب "رجل ساعد في تحقيق الديمقراطية في بلاده" إلا أن الأخير فضل استبدال وسام منديلا بزج الجيش إلى الشارع لقمع تحرك الفقراء وقطع الطريق أمام أي احتجاج سلمي ما أدى إلى تحول المشهد من إشكال سياسي على عد الأصوات إلى مستنقع دموي لعد الأموات.

أبعاد الأزمة احتلت كينيا في السنوات الأخيرة مكانة مرموقة إقليمياً ودولياً أضحت بموجبها ملهمة الإعلام الغربي وساحرة السياسة الدولية ليس لجاذبية طبيعتها الثرية بالتضاريس والألوان، بل لسحر صناعة السياسة فيها، جاعلاً منها واحة للاستقرار السياسي والنجاح الاقتصادي كونها الوحيدة في المحيط الأفريقي التي أفلتت من شراك الفاشية، إلا أن هذا التلميع الممزوج بالتستر كان يخفي وراءه الكثير من الإشكاليات حول "الأرض والثروة والسلطة" سرعان ما تحولت بفعل التراكمات التاريخية إلى صواعق تهدد بإرجاع كينيا إلى عهد ما قبل الدولة، أي ما قبل انصهار المكونات الأساسية المحتوية تحت عباءتها أكثر من 40 قبيلة متنافرة ومتناحرة، إذن فالهدوء النسبي الذي شهدته كان قسرياً لعدم ارتكازه على مقومات الديمقراطية الحقيقية (التنمية، التحديث، المجتمع المدني، التخلص من الفقر والصراعات العرقية) الأمر الذي حولها إلى نقمة في ظل هيمنة الكبار المفضلين دعم التحولات الديمقراطية الملتقية مع مصالحهم، أكثر من أي شيء آخر، حتى لو كانت ضد مصالح الكثير من الجماهير، وبصورة خاصة الفقراء منهم، وهذا ما حدث في كينيا حيث صحب تجربتها تجاهل كامل للمشاكل الحقيقية المتجذرة من قبيل:

 

التنوع الشديد لغوياً ودينياً واجتماعياً، والهوية الإثنية مقابل الهوية الوطنية، وإخفاق مشروع الدولة الوطنية، والسياسات التي اتبعها الاستعمار نفسه (أميركا وبريطانيا تحديداً) إبان الحقبة السابقة، بأبعادها المختلفة والتي بقيت منذ الاستقلال عن بريطانيا في 1963 معلقة إثر نجاح قبيلة كيكويو في إجبار الاستعمار على الرحيل لتجني أولى ثمار الاستقلال عندما عمدت إلى الحلول محله في بسط السيطرة على أراضي الوادي المتصدع الواقع غرب كينيا والصائر فيما بعد, محوراً أساسياً للنزاعات الطائفية والعرقية المغذاة سياسياً، والمتفجرة عادة عقب كل انتخابات تنعقد في هذا البلد الواقعة تحت وطأة التدخل العسكري في الحياة السياسية وتحكمه بزمام خيارات التحولات الديمقراطية الكينية، ومستنقع الفساد المالي والإداري المعبر عنه المفوض الأعلى البريطاني بقوله "لقد ابتلعوا وابتلعوا حتى تقيأوا على أحذية المانحين الأوربيين".

 في ظل غياب معايير الشفافية الدافعة بمنظمة الشفافية الدولية إلى جعل كينيا في مقدمة قائمتها السوداء، صار معه الفساد جزءاً من آليات اشتغال النظام السياسي الواقع بدوره تحت وطأة أنظمة قمعية اعتمدت في بقائها على القوة الإثنية الغالبة لقبيلة كيكويو المتفردة بالسلطة والثروة في البلاد والمتلطية بنظام الحزب "كانو" وتحت سلطة الزعيم الأوحد ومن ثم صيرورتها في قلب الحدث كجناة أو ضحايا كون كافة الحقوق حكراً عليها بينما الفئات الأخرى أيتام لا رأي لهم ولا استشارة.

أودينغا حلم يوماً بوطن يتسع للجميع معلناً بأن تحولات كبيرة ستشهدها بلاده في العام 2007 على طريق حسم الحرية والمصير بعد عقوداً من الاستغلال السيئ للثروة الوطنية مردداً كلمات غاندي السبع المحذرة من الموبقات المدمرة لأي بلد "السياسة دون مبدأ، السرور دون ضمير، الثروة دون عمل، المعرفة دون طابع، التجارة دون أخلاق، العلم دون إنسانية، العبادة دون تضحية"، ومتوعداً بثورة دستورية على الواقع القائم ما جعله يكسب تأييد الإسلاميين رغم ميوله الشيوعي متناسياً أن الفقراء لازالوا يُستخدوا كوقود لكل التحولات الديمقراطية في العالم الثالث بما يتمخض عنها من تحولات سياسية غالباً لا تصب في مصلحة الفقراء.

 خيارات التسوية جهود الوساطة الخارجية وإن أتت متأخرة صبت في اتجاه واحد هو إنقاذ كيباكي حليف واشنطن نظراً لأهمية بقائه المرحلي في تمرير المخططات الأميركية في القارة السمراء ولأهمية الموقع الجيوسياسي الكيني الدافع بريتشارد نيكسون، الرئيس الأمريكي السابق، في كتابه "الفرصة السانحة "، إلى توصية قادة البيت الأبيض بعدم التفريط بكينيا. القس الجنوب أفريقي توتو ومساعدة وزيرة الخارجية الأميركية فرايزر وكوفي أنان، كانوا أبرز وجوه الوساطة، إلا أنها في طابعها العام صبت في ذات الاتجاه وهو إنقاذ كيباكي، ومع ذلك لازالت تراوح مكانها في ظل استمرار دوامة العنف، لتبقى مفاتيح الانفراج رهينة الرغبة الأميركية لتعجيل الحسم في اتجاه التسوية السياسية بما يحفظ لحليفها البقاء وللمعارضة ماء الوجه بدت معها خيارات التسوية متمحورة حول:

 

1 - تشكيل حكومة وحدة وطنية وهو الاحتمال الأكثر رواجاً كونه يجسد الرغبة الأميركية البريطانية.

2 - إعادة فرز الأصوات كمطلب للمعارضة إلا أنه مرفوض من السلطة خوفاً من تحول النتيجة لصالح المعارضة.

3 - إعادة الانتخابات وتشكيل حكومة تصريف أعمال وهو مقبول سياسياً ومرفوض أمنياً لما يترتب عليه من شغب وصخب، كينيا اليوم في غنى عنه.

 

 مصادر الدراسة

1 - مارك دويل، "التصدع السياسي والجغرافي في كينيا", موقع هيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي).

2 - حمزة عباس خليل، "الانتخابات الكينية ما بين حصر الأصوات وحصر الأموات"، سودانيز أونلاين دوت كوم, 20 كانون الثاني / يناير 2008

3 - غازي دحمان، "كينيا نموذج للدولة وليست نموجاً للاستقرار"، الجزيرة نت، 29 كانون الثاني / يناير 2008

4 - سيد أحمد ولد باب، "هل تشعل واشنطن بلد الثورة والفقراء؟"، موقع الأخبار الموريتاني المستقل، الأول من كانون الثاني / يناير 2008

5 - سِيدي ولد عبدالمالك، "كينيا والطريق إلى التسوية"، موقع الأخبار الموريتاني المستقل، 7 كانون الثاني/ يناير 2008


لماذا يكرهون خاتم المرسلين؟

لماذا يكرهون خاتم المرسلين؟
زيد يحيى المحبشي
يعتقد البعض بأن توجه صحف اليمين المتطرف والصحف الشعبية الهابطة "تابليود" في الغرب, إلى نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد والإسلام منذ مطلع العام 2001, وأعيد تكراره بعدها, والتي كان آخرها في 13 شباط/ فبراير الفائت, مجرد صور نمطية مجردة, أو تهكم وازدراء عابرين, إلا أن الحقيقة عكس ذلك, كون ما جرى امتداد لبناء فكري مركب, نما وتكوّن عبر تاريخ الاحتكاك العنيف بين الغرب والشرق, كنتاج طبيعي لعدة عوامل تاريخية, أدى تراكمها إلى تأجيج ثقافة الكراهية, المعاد إنتاجها اليوم برعاية صهيونية, بهدف إحلال الإسلام كعدو بديل للرأسمالية, بعد أفول نجم الشيوعية, وبالتالي الحيلولة دون إقبال الغربيين على الإسلام أو حتى مجرد التعرف عليه, إثر النجاح في زرع بذور الخوف منه ومن كل ما يمت لأتباعه بصلة بما صار يعرف اليوم في لغة الإعلام بشيطنة العدو, والتي عادة ما يتم ربطها بسياقات نظرية مرتبطة بالتحولات السياسية, المتمخضة عن السياسة الدولية, لها أفكار وأهداف محددة, تستمد تغذيتها من خلفيات تاريخية ومعرفية محددة تجاه الآخر, انطلاقاً من انتماءاته العرقية والدينية, والطافحة على السطح عادة خلال فترات حصول أزمة أو نقاش في الغرب تجاه قضية ما من القضايا الإسلامية, مترافقاً مع توجه ماكينات ميديا الكراهية الغربية إلى الإساءة والتشويه لرسول الرحمة والدين الخاتم, بالصور التي ترضي أذواق المشاهدين والقراء, كما رأيناه في قصة سلمان رشدي, وقضية الحجاب بفرنسا, وأحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001, وأزمات العراق وأفغانستان والشرق الأوسط, وكلها تندرج ضمن سيناريو أسلمة وتعريب الإرهاب, وصولاً إلى جعل الإسلام العدو الأول على الأنظمة والحكومات والعمران والحضارات , ومدعوماً بتقديم الإحصاءات المهولة أو الرسوم المثيرة أو التحقيقات الميدانية الباعثة على نقل صور مشوهة عن المسلمين والعرب كمتخلفين ومتطرفين وناقمين على الغرب وغيرهم.
يأتي هذا في وقت تمكن فيه المحافظون الجدد واليمين المتطرف والصهيونية العالمية من تحويل حملات الإساءة والتشويه للنبي الأكرم إلى صواعق لتفجيرات يجري إشعالها من حين لآخر بدعاوى واهية, كيما تبقى حرية التعبير المتشدقين بها سيفاً مسلطاً فوق رقابنا, تُؤلب بواسطته الرأي العام العالمي وتحديداً الغربي ضدنا وقت ما تشاء, تبعاً لمقتضيات صراع المصالح وخدمة لحسابات وأهداف استراتيجية محددة ومدروسة, المستفيد الأول منها اليهود وفقاً للكاتب الأميركي "كريستوفر بولين" في معرض تعليقه على علاقة المحرر الثقافي بصحيفة "جيلاندز بوستن" الدنمركية "فلمنغ روز" في قوله "روز يهودي يقود حملة ضد المسلمين والعرب لحسابات وأهداف استراتيجية صهيونية".
إذاً فالعداء والكراهية الغربية للإسلام ونبيه ما هو إلا امتداد للموقف الغربي التاريخي من الإنسان الشرقي بصورة عامة, والتي شهدت أولى فصولها ما قبل الإسلام بقرون, محركاتها التهديد الوجودي والحضاري في وقت تمكن فيه الفينيقيين والآراميين والكنعانيين من مدّ توسعاتهم إلى قلب أوربا,بما رافق ذلك من إشعاع حضاري وثقافي أخاف الغرب رغم اعتراف مؤرخيهم بما للشرق من فضل عليهم من قبيل ذهاب أساطيرهم إلى أن تسمية أوربا كان تيمناً بأميرة سورية تحمل نفس الإسم فرت إلى أوربا بعد نزاعها مع أخيها فتمكنت من فرض سيطرتها وإسمها وكذا أخذ الغرب آلهتهم ومعتقداتهم الدينية وآرائهم الفلسفية عن الفينيقيين المتمكنين من الوصول إلى بريطانيا والعائد فضل تسميتها إليهم, الأمر الذي دفع الغرب إلى اتهامهم بدلاً من العرفان بالجميل بالمتخلفين والمتوحشين والهمجيين في زمن كانوا فيه أكثر تقدماً وحضارة وأخلاقاً, من اليونان والرومان, الصورة عن الإنسان الشرقي المتوحش ظلت ولازالت إلى يومنا,
إذ من ذلك الحين اتسمت علاقة الغرب بالشرق بالتضاد والصراع والحروب والتربص , رغم نجاح الشرق في خلق جسور للتواصل مع الحضارات الأخرى خارج أوربا, لاسيما بعد ظهور الإسلام بما تمخض عنه من أبعاد جديدة للصراع قادة إلى اعتبار الغرب الدين الجديد تهديداً وجودياً مؤذناً بانقراضهم, ما يعني أن الصراع اليوم أكبر من كونه مجرد اختلاف أيديولوجي في وجهات النظر أو أعراض جاذبية تظهر بين الحين والآخر.
"انطواني ناتنج" في كتابه "الغرب" يشير إلى حقيقة ذلك بقوله "منذ أن جمع محمد أنصاره في مطلع القرن السابع الميلادي, وبدأ أول خطوات الانتشار الإسلامي، فإنه بات على العالم الغربي أن يحسب الإسلام كقوة دائمة وصلبة، تواجهنا نحن أبناء الحضارة الغربية عبر البحر المتوسط" ومن وقتها بدأت ماكينة الكراهية والتشويه ضد نبينا, بدءاً من يهود يثرب ومروراً بالروم المفضلين وقتها تبنى فكرة المواجهة مع المسلمين على عكس الحضارات الأخرى خارج أسوار أوربا وانتهاءً بالعصور الوسطى بما زخرت به من نشر متعمد للأساطير المسيئة والمتهمة للرسول الخاتم بالساحر الكبير المتمكن عن طريق السحر والخداع من تحطيم الكنيسة في إفريقيا وفي الشرق والادعاء بأن العرب أعراق منحطة ومتوحشة يجب إبادتهم كي يتمجد الرب ويعود اليهود إلى وطن آبائهم وأجدادهم كما ورد في كتاب "حياة محمد" لجورج بوش جد الرئيس الأميركي الحالي في القرن السابع عشر المعتبر فيه " أن الإسلام مجرد بلاء جاء به الدعي محمد!!، ساعد الرب على إنتشاره, عقاباً للكنيسة التي مزقتها خلافات البابوات بهرطقاتهم!".
وبهذا صار الاحتفاء بكراهية وازدراء النبي الخاتم معلماً بارزاً للفكر المسيحي الكاثوليكي والبروتستانتي في أوربا الغربية مصحوباً بالعديد من الرسوم والتماثيل المسيئة لنبي الإسلام على حوائط الكنائس والأديرة باستثناء الأرثوذوكسية إلى الحد الذي لا نجد له مثالاً ضد أي شخص آخر في التاريخ الإنساني, وهو موقف لم يشذ عنه سوى القليل من مفكري ومتديني غرب أوربا ممن ليس لهم أي تأثير على صناعة القرار والفكر.
فما الدافع بهم إلى هذا ؟ سؤال يدور اليوم بخلد الكثير، فؤاد كاظم في كتابه "الإسلام وشبهات المستشرقين" يخلص إلى أن ذلك ناجم عن معرفة حقيقية بالإسلام ساهم في تشكيلها البنيوي ثلاثة قوالب متداخلة وغير متعارضة هي "الميثولوجية واللاهوتية والعقلانية" ما نجد مداليله في الخطبة الشهيرة للبابا "أوروبانس" الثاني بمجمع "كليرمون" بفرنسا عام 1905م, الداعي فيها حكام وملوك أوربا إلى استعادة أراضيهم المقدسة من قبيلة الفرس والأتراك التي تخدم القوى الشيطانية حد قوله.
وبصورة أكثر بساطة تظل مركزية توحيد الله وعبادته لدى المسلمين الداعي إليها نبي الرحمة, من أهم العوامل المهددة بانقراض الغرب المسيحي, المعتقد بأن الفرد لا سواه مركزية الكون, وبالتالي صيرورة هذا التنازع من أهم المشاكل المتأججة في مسار العلاقات الغربية بالعالم الإسلامي والعربي, والدافعة بالغرب إلى كراهية النبي الخاتم, بحيث كانت الحملات الصليبية السبع في القرون الوسطى, بمثابة أول رد فعل جمعي غربي, لإهدار قيمة كل مقدس بعد فشلهم في تحجيم التأثير الإسلامي العالمي, المعيق لتطور وتوسع المسيحية والغرب, والحامل رايتها المسمومة اليوم الرموز الدينية اليمينية المتطرفة والصهيونية والتيارات العلمانية والقادة السياسيون بزعامة المحافظون الجدد والعديد من وسائل الإعلام المرتبطة باليهود, دافعها عقدة الخوف من تحول الإسلام إلى قيادة بديلة للقيادة الدينية النصرانية للعالم ,إلى جانب عقدة الشعور بالنقص أو ما يعرف بالمعجزة الإغريقية.
الصورة بمجملها تنم الانتقائية العدائية المعاصرة الغربية في صراعها القائم مع الإسلام لأحداث غابرة يعاد استحضارها, في وقت تدعي فيه أن مجتمعاتها أسست على قيم سامية, فإذا هي تنفخ في كير صندوق الشرور والكراهية بما يتلاءم مع نواياها ومصالحها ومخططاتها الرامية إلى إبقاء المسلمين والعرب أذلاء خانعين بعد بروز الإسلام كأكبر تحد حضاري وديني بما يؤثر سلباً على مفاعيل حوار الحضارات والثقافات والأديان, وكفانا بياناً ما ذهب إليه القس اليهودي "جير فولويل" في قوله "أعتقد أن محمداً كان إرهابياً" ,وهو الهدف المراد ترسيخه خدمة للصهيونية العالمية بحيث يصير معه كل من يعتنق الإسلام ملاحقاً بتهمة الإرهاب.
القس "فرانكلين جراهام" يذهب هو الأخر إلى أن " الإرهاب جزء من التوجه السائد في الإسلام، وأن القرآن يحض على العنف، والإرهاب لا يرتبط بعدد محدود من المتطرفين المسلمين, لأنه نابع من الإسلام نفسه، وإذا اشتريت القرآن فاقرأه وستجد الإرهاب فيه" بينما يعتقد رئيس وزراء أسبانيا السابق "خوسيه ماريا آثنار" بأن "مشاكل أسبانيا مع القاعدة بدأت مع فتح الأندلس" أي منذ القرن الثامن الميلادي مستخدماً هنا كلمة القاعدة وليس الإسلام, ما يعني بداهة أن كل المسلمين تنظيم قاعدة وإرهابيين, مضيفاً في معرض رده على المطالبين بابا الفاتيكان بالاعتذار عما ألحقه من إساءة لنبي الإسلام أواخر العام 2006 "ما السبب الذي يجعل الغرب فقط هو الذي يقدم الاعتذار بينما هم – أي المسلمون- احتلوا أسبانيا لمدة ثمانية قرون، وفي الوقت الذي أسمع دعوات البابا لتقديم اعتذاره عن تصريحات حول الإسلام فإني لا أسمع أي مسلم يعتذر عن احتلال أسبانيا!".