زيد يحيى المحبشي
صحيح أن الانتخابات في عرف الديمقراطية الدولية تصب في خانة تكريس شرعية الحكم لكنها في الحالة السودانية تبدو مختلفة كلية كونها تنطوي على تكريس شرعية الإنفصال وما بين الشرعيتين معركة فاصلة تنتظر السودان في قابل الأيام. ولذا لم يعد مهماً الحديث عن شرعية الانتخابات وشرعية نتائجها من عدمه, بل عن الاستحقاقات والتداعيات المترتبة عليها, خصوصاً وأنها تُعد الفرصة الأخيرة للإبقاء على هذا البلد موحداً, بما ينطوي عليه ذلك من آمال في دفع نتائجها نحو إحداث تحول ديمقراطي آمن, يخرجه من أزماته المعقدة والشائكة, كما أنه على ضوءها ستكون هناك نقطة اختبار أخرى أكثر صعوبة وهي استفتاء تقرير مصير الجنوب في كانون الثاني 2011, وما ينطوي عليه من إشكاليات وتداخلات كل واحد منها كفيلٌ بإشعال حرب أهلية مدمرة, وسط حالة الإنقسام التي يعانيها شريكي الحكم وتصاعد المخاوف من نشوء معارك جديدة حول نتائج الانتخابات.
المعطيات المصاحبة للانتخابات تشي بأنها لن تكون مخرجاً أمناً بقدر ما هي أداة لإشعال المرارات المتراكمة وتحريك الاحتجاجات المتعاظمة، وصولاً إلى ضياع فرص الوحدة والاستقرار وتحويل الحلم الانتخابي الذي انتظره الشعب السوداني بفارغ الصبر إلى كابوس مدمر.
صورة قاتمة تنتظر السودان إذاً تجعل من محاولات الوقوف عندها بغية رصد ما قبلها أو ما بعدها أو تحليل تداعياتها أمراً في غاية الصعوبة, بدءاً بتعثر مشروع الدولة ومروراً بالأزمات والمشاكل المطاردة هذا البلد من كافة الاتجاهات، وانتهاءً بالمشاريع والأجندة الداخلية والخارجية الطامعة والطامحة إلى تفكيكه, وهو ما يجعلنا أمام سؤال محوري ومفصلي هو: هل ستكون انتخابات 2010 هي الأخيرة بين سودان الغابة والصحراء؟, وبمعنى أدق: هل سيتغير وجه السودان بعدها وفي أي اتجاه سيصب هذا التغير؟.
جير ليجن في تقريره الصادر مؤخراً عن المعهد الهولندي للعلاقات الدولية بلاهاي بدا أكثر تشاؤماً من المرحلة المقبلة راسماً صورة قاتمة لمستقبل السودان وآخذاً على الأطراف المهتمة بتنفيذ اتفاقية نيفاشا 2005 وإجراء الانتخابات والاستفتاء, عدم التفكير الاستراتيجي لما تحمله مرحلة ما بعد 2011 وغياب أدنى تفكير لما سيحدث في العام 2012 وخالصاً إلى وجود أربعة سيناريوهات برزت كنتيجة حتمية لسؤالين محوريين هما:"هل ستكون هناك حرب جديدة بين الشمال والجنوب أم لن تكون هناك حرب؟". وكون الإجابة غير معلومة حتى الآن فإن مستقبل السودان على ما يبدو متوقفٌ على أربعة احتمالات هي
:
- عودة الحرب الأهلية (الحرب مع وحدة البلاد).
- حرب الحدود بين الشمال والجنوب ( حرب الانفصال).
- الإذعان لاتفاقية السلام الشامل( حالة لا حرب مع وحدة البلاد ).
- وضع أشبه بالحالة الصومالية ( لا حرب, ولكن انفصال ).
لكن الأكثر ترجيحاً هو الدفع باتجاه تسهيل الطلاق بين الشمال والجنوب بعد زواج كله مشاكل وخصومات باستثناء فترة العسل التي سبقت رحيل زعيم الحركة الشعبية جون قرنق, رغم مراهنة الخرطوم على الاستفادة من المرحلة المقبلة لترسيخ فكرة الوحدة الجاذبة, وهو رهان يبدو أنه غير مجدي كون اتفاقية نيفاشا قد قسمت الأمور قسمين بين جوبا والخرطوم وهي دلالة إستباقية على أن الانفصال المنظور إليه في جوبا كحق مقدس لم يعد قابلاً للمساومة بل وبات وشيكاً وإن تباينت القراءات حول طبيعة وآلية فك الارتباط.
معضلة التحول الديمقراطي
عوامل عديدة حالت دون اكتمال مشروع الدولة حتى الآن سواء كانت داخلية أم خارجية:
داخلياً:
اتسم المشهد بوجود أحزاب تجاوز التاريخ منطلقاتها وأطروحاتها المعتمدة أساساً على مرجعيات شخصية وشرعيات تاريخية لا تمت للديمقراطية بصلة, وهي واحدة من الطلائع التي تركها الاستعمار لتواصل مسيرتها في تأخير مسيرة التقدم الطبيعي الذي يطمح إليه الشعب إلى جانب كاريزما القبيلة والتي مثلت العامل الرئيسي لكل الأزمات والنزاعات والصراعات في بلد لا أحد يستطيع فيه الوقوف أمام القبيلة وسيطرتها الحديدية على الأفكار والاتجاهات.
في حين مثلت معضلة الإسلام السياسي المدماك الثاني للتشظي الداخلي وسط غياب رؤية واضحة لعلاقة الدين بالدولة والمفضي بدوره إلى تهميش القوى الفاعلة في الداخل وإعاقة إدارة ملف التنمية وبروز العديد من القواسم المشتركة بين قوى الداخل المنتقدة لنظام البشير الإسلامي نتيجة ما لحقها من إقصاء وتهميش بعد ثورة الإنقاذ وبين المشاريع الخارجية وما انبثق عنها من ضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية وعزلة دولية, وضعت النظام مباشرة أمام أزمات فرضت نفسها بقوة في شكل أحزاب وقوى داخلية ضاغطة ومنتقدة لتعامله مع ملفات الشمال أو لتوجهه نحو فرض الشريعة على الجنوب ذي الغالبية المسيحية الإحيائية معززة بالعزلة الدولية, وانعدام الأمن واستمرار التوترات العرقية والسياسية وتفاقم الوضع الإنساني الطاغي بقوة نتيجة استفراد المؤتمر الوطني بالحكم في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب وانعدام الثقة بينهما, وطغيان حسابات الربح والخسارة وسياسة حافة الهاوية وانعدام الثقة بين المؤتمر وأحزاب المعارضة الشمالية وبين الحركة وأحزاب المعارضة الجنوبية وتبادل الاتهامات حول تغذية المعارضة والصراعات الناشئة في جناح كل منهما.
هذه الأمور مجتمعه ألقت بظلالها على الانتخابات الأخيرة والمتوقع عدم إحداثها تغييراً جذرياً في موازين القوى السياسية, وبالتالي ترشيح معضلة التحول الديمقراطي إلى دورة جديدة من الصراع بين مكوناتها الهشة, نظراً لغياب الإدراك الجمعي بحقيقة أن ما لم يتحقق كله الآن سيتحقق بالتدريج مستقبلاً وهو الأقرب إلى النجاح والثبات والاستيعاب عكس الطفرات المعرضة على الدوام للفشل والانكماش كما هو حال التجارب السابقة التي مر بها السودان.
خارجياً:
لم يكن العامل الخارجي بعيداً عن المشهد السياسي السوداني طيلة العقدين الأخيرين خصوصاً فيما يتعلق بتغذية عوامل التنازع و التحكم في مفردات المعادلة السياسية وما ترتب على ذلك من تداعيات بدت بصماتها واضحة في استفحال النزاعات والصراعات الداخلية وتعميق أزمة الثقة وروح التنازع والتصادم وإرباك النظام الحاكم وإعاقة أي إصلاحات تُؤمن التوزيع العادل للثروة والشراكة الحقيقية في السلطة وعرقلة إنفاذ المصالحات واتفاقات السلام.
وسنكتفي هنا بالإشارة إلى اتفاقية نيفاشا الموقعة في 9 كانون الثاني /يناير 2005 وما تضمنته من تأطيرات ومبادئ لإحلال السلام بعد حرب أهلية مدمرة بين الشمال والجنوب, خلال المرحلة الانتقالية المحددة بـ 10 سنوات وهو ما جعلها مهيمنة على شكل الدستور الانتقالي وقانون الانتخابات والاستفتاء الحاسم لأخطر الجدليات إثارة في تاريخ السودان الحديث, وهي: الوحدة أو الانفصال.
ومعلومٌ أنه لا تزال هناك الكثير من النقاط المعلقة, رغم مرور خمس سنوات على توقيعها, إلا أن الثابت لعب الدول الضامنة وأهما أميركا وبريطانيا والنرويج دوراً محورياً في تحويلها إلى خنجر مسموم في خاصرة الوحدة السودانية ما نجد دلالته في تزايد الضغوط خلال العامين الأخيرين على نظام البشير وسط هالة من التباينات والافتراقات والمحاولات المتكررة لإسقاطه أو تشويه سمعته, كما هو حال مذكرة التوقيف بحقه, وتقدم أميركا صفوف المتحمسين لاعتقاله وعندما فشلت كل المحاولات لم يكن أمامها سوى إعلان سلاح الرفض لمبدأ استمرار المؤتمر الوطني والحركة الشعبية في السلطة لـ 10 سنوات دون تفويض شعبي عبر الضغط بإجراء الانتخابات على أمل دفع نتائجها نحو إضعاف نظام البشير وتقليص هيمنته على مقاليد الأمور.
وهنا تأتي أهمية مقاطعة الحركة الشعبية وبعض أحزاب المعارضة بالشمال والتي أرادة أميركا منها رغم عدم معارضتها استمرار البشير لولاية ثانية إعطاء الحركة الشعبية حجه سياسية وقانونية لفصل الجنوب وإتاحة المجال أمام المعارضة الشمالية للعب دور محوري في إضعاف شرعيه الحكومة المنبثقة عن هذه الانتخابات ومواصلة اتهامها بأنها وصلت إلى السلطة على ظهر الدبابات, الأمر الذي سيشوش المناخ السياسي الملغوم أصلاً ويخلق حالة من التوترات والاستقطابات الحادة سيما وأن هذه الحكومة ستكون معنية بوضع دستور دائم للبلاد وتهيئة الأجواء العامة لإجراء الاستفتاء ووضع الترتيبات الأمنية والسياسية والاقتصادية لمرحلة ما بعد الاستفتاء وإيجاد حل شامل ونهائي لملف دارفور.
إذن فنحن أمام عشق وتلاقي غريب من نوعه بين الغرب والخرطوم لا علاقة له بشعارات حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي بل بالأهداف المعلنة والمضمرة لانجاز الاستفتاء وفق الآلية الدستورية والقانونية المقرة في نيفاشا والمتطلبة إجرائه في ظل حكومة منتخبة ومن دون ذلك سيكون من حق الخرطوم تأجيله إلى ما لا نهاية.
وليس اقدر على ذلك سوى البشير خصوصاً وأنه قد اثبت في السنوات الخمس الأخيرة نجاحاً كبيراً في إدارة الصراع مع الجنوب والحيلولة دون خروج الأمور عن السيطرة في وقت تقتضي فيه سلسلة المصالح السياسية الغربية تخفيف الضغط على الخرطوم لاستكمال الفترة الانتقالية بسلام وتهيئة الرأي العام السوداني لتقبُّل نتائج الاستفتاء ولكن مع استمرار رهانات الإطاحة بالبشير والأمل هنا في الاستفادة من السنوات الأربع المقبلة لإعادة تنظيم وتأهيل معارضة الشمال بما يمكنها في الانتخابات المقبلة من معاودة تصدر المشهد السياسي والحكم وتشكيل حكومة موالية للغرب .
وفي المحصلة يمكن النظر للموقف الغربي من زاويتين الأولى "ايجابية": ترى أن مصالح الغرب تقتضي بقاء السودان موحداً لاعتبارات عديدة أهمها: أن الحركة الشعبية وقوى المعارضة الشمالية لو وصلت إلى الحكم بعد أربع سنوات ستكون متوافقة مع الغرب وهذا بدوره يقتضي مواصلة الضغط على البشير من أجل فك قبضته قليلاً من خلال القبول بفكرة حكومة الوحدة الوطنية التوافقية لإثبات مرونته والاهتمام بكل ما ورد في برامج الأحزاب من نقاط تنموية وسياسية من أجل الوحدة الوطنية وتحسين صورة السودان ورتق نسيجه الاجتماعي في دارفور والمصالحة الوطنية مع الجنوب وقوى الشمال على أمل دفع الانتخابات الأخيرة نحو التئام الأحزاب المنشقة والحركات المسلحة المنشطرة والمتشظية.
الثانية "سلبية": ترى أن تجربة الخرطوم وجوبا السابقة غير مشجعة على الاستمرار في الشراكة في وقت بدت المواقف الأميركية تصب في خانة فصل الجنوب رغماً عن الإرادة الإفريقية ورغماً عن التداعيات المترتبة على هذه الخطوة وفي مقدمتها تهديد مصالح الجوار العربي الحيوية ومما يعزز ذلك أيضاً تعاظم السلوك الاستقلالي لجوبا لكن دون اعتماد سياسة تجعل من الوحدة عامل جذب, وهذا من شأنه تعزيز فرص نجاح أميركا وهو الأهم في الانفراد بنفط الجنوب الذي يشكل 80 بالمائة من نفط السودان وهو هدف استراتيجي ثابت في السياسة الأميركية إلى جانب اتخاذ الجنوب كقاعدة انطلاق لمحاصرة أو احتواء أو خلخلة النظام الإسلامي بالشمال تحت ذريعة التباس العلاقة بين الدين والدولة والتي شكلت شعرة معاوية بالنسبة للسيناريو الغربي تجاه جنوب السودان والدافعية الحقيقية للضغط باتجاه اتفاق نيفاشا.
وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة وليس أفضل من البشير لتوفير شروطها الايجابية – الوحدة الجاذبة - والسلبية – التقيد بنتائج الاستفتاء- والمكونة في إطارها العام عامل قوة بالنسبة للبشير في مواجهته معارضة الشمال وليس فيما يرفعونه من شعارات واتهامات مع احتمال اشتداد المنازلة بين البشير ومعارضة الشمال فيما يتعلق بمعالجة استحقاقات ومقتضيات ما بعد فصل الجنوب بالتوازي مع رفع المجتمع الدولي والأمم المتحدة والحركة الشعبية ودول الجوار لدرجة الاستنفار القصوى.
الخيارات والتداعيات المحتملة
فشل نظام الإنقاذ في معالجة المشاكل العالقة والأزمات المتراكمة ترك بصماته مباشرة على المرحلة المقبلة والمتطلبة أكثر من أي وقت مضى إرادة سياسية فولاذية وحكومة توافقية يشارك فيها الجميع لأنها ستكون معنية برسم مستقبل هذا البلد في مرحلة هي من أخطر المراحل التاريخية وأكثرها سخونة, لم يعد فيها ممكناً القبول بأنصاف الحلول, بل صار المشهد السوداني مفتوحاً على كافة الاحتمالات بما يترتب عليها من تداعيات كارثية باتت تهدده بالتفكك والانهيار, في وقت لازالت الأجواء محاطة بالكثير من الضبابية, رغم انتهاء صخب الانتخابات, وسط تصاعد أسهم بازار الخيارات والسيناريوهات الدائرة حول: الوحدة الجاذبة والوحدة بالقوة والانفصال السلمي والانفصال التصادمي وجدلية الهوية السياسية وغيرها من المعطيات القاتمة.
أولاً : خيارات الوحدة الجاذبة
الانتخابات الأخيرة تشكل فرصة ذهبية للعودة إلى المسار الطبيعي, من خلال استفادة المؤتمر الوطني من تجديد شرعيته للأربع السنوات المقبلة لصالح تعميق مفهوم الوحدة الجاذبة باعتبارها آخر أشواق الإبقاء على وحدة الكيان, ولكنها في ذات الوقت متوقفة على إتجاهين:
الاتجاه الأول:
تشكيل حكومة توافقية: يُبدي من خلالها المؤتمر الوطني قابلية الاحتواء لكل الأطياف بما يضمن جماعية العمل للحفاظ على وحدة البلاد بعيداً عن خيار الانفصال وتأمينها من التمزق والاحتراب والتوجه الجدي للاهتمام بالتنمية والعدالة والرفاهية والتي تمثل الأساس لبناء الأشياء الأخرى, خصوصاً تجاه دارفور والجنوب, وما يتطلبه ذلك من إيجاد صيغة جديدة للحكم تكون أكثر توازناً وعدالة, من بوابة الإنزال الآمن للحكومة المقبلة وما يقتضيه ذلك من رسم إستراتيجية محدودة وذات سقف زمني محدد لانجاز مهام محددة للخروج من المأزق الانفصالي, يتلمس فيه الجميع أهمية الوحدة.
وهذا بدوره يتوقف على إبداء الحركة الشعبية بعض التفهم لقوى الشمال التي تقف معها في الكثير من المواقف وبإمكان كافة القوى مضاعفة الجهد لإقناع سكان الجنوب بأن مصلحتهم الحقيقية في الوحدة بالاستفادة من الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها الجنوب حالياً والمستدعية تضافر جهود شريكي الحكم لاحتوائها ومن المؤكد أن الجوعى لن يستطيعوا حتى مجرد الوصول إلى صناديق الاستفتاء العام المقبل, وإن وصلوا فسيكون رد فعلهم سيئاً تجاه شريكي الحكم معاً ما يربك الموقف ويزيده تعقيداً.
ومما يعزز الوحدة الجاذبة أيضاً استمرار التوتر والاشتباكات في الجنوب في ظل عدم تمتع قواته بالموارد الكافية وانعدام الثقة بين قواه السياسية والقبلية بما ينذر بولادة دولة عاجزة وغير قابلة للحياة في حال قرروا الانفصال وتزايد الضغوط داخل الجنوب نفسه لصالح الوحدة ناهيك عن الانقسام والتباين بين جناحي الحركة الشعبية في الشمال والجنوب معززاً بسياسة الحركة القائمة على التصادم القبلي والميليشاوي المنذر بدورة جديدة من الصراعات ذات الأطماع السياسية وخلق بؤر جديدة للتوتر المحلي نتيجة الوضع الذي خلقته سياسة الحركة القائمة على الإقصاء والتهميش والمحسوبية واختلال الأمن والقبلية وكلها عوامل لا صله للشمال بها.
وإجمالاً يشير تقرير صادر مؤخراً عن المعهد الأميركي للسلام كتبه "ألن شوارتز" إلى أنه في ظل عدم التغير في الأوضاع الحالية فإنه من الصعب جداً اجتناب العنف السياسي مرجحاً إخفاق حكومة الجنوب في بسط سلطتها على الجنوب كون غالبية المناطق تُدار من قبل زعماء القبائل وقادة المليشيات السابقة والفشل في حل القضايا العالقة مع الشمال لتسهيل عملية الاستفتاء ومكمن الخطورة هنا إشارته إلى أن تزايد إنفاق حكومة الجنوب على الآلة الحربية قد أسهم بصورة مباشرة في خلق فجوة كبيرة في توفير الخدمات الاجتماعية وهو ما سيكون له تداعيات كارثية على اتفاق السلام في حين تتذرع الحركة بالمقولة الشهيرة "إذا كنت ترغب في السلام فعليك بالاستعداد للحرب".
الاتجاه الثاني:
تعزيز الحكومة التوافقية: بالتوجه نحو اعتماد الكونفدرالية باعتبارها الحل الأمثل لإشكالية الصراع على السلطة والثروة والضامنة الوحيدة لحصول الجنوب على حكومة تنفيذية كاملة الصلاحيات تدفعها إلى التوافق مع الأحزاب المعارضة بالجنوب لتشكيلها وتؤهلها لإعمار الجنوب كما سيمكن إقليم دارفور من حكم أنفسهم وتعويض المتضررين من الحرب وإقامة نظام مصالحة قومية لكل ما اُرتكب من الجرائم لمسح الآلام والأحزان والضغائن.
ثانيا: خيارات الانفصال
يتمحور الحديث هنا عن نوعين هما الانفصال السلمي والانفصال التصادمي وكلاهما له تبعاته لكن الأهم من هذا هل سيكون نظام الشمال مستعداً للتعايش مع جنوب مستقل يضم 80 بالمائة من احتياطي نفط البلاد؟ وماذا عن الأحزاب الشمالية الأكثر قومية وميلاً نحو الإسلامية التي قد تكتسب نفوذاً بعد الانفصال؟ وهل سيكون الانفصال بصورة سلسة وقانونية تسمح بالتعايش وحسن الجوار أم العكس؟.
1- الانفصال السلمي:
وهو الأكثر واقعية وترجيحاً لأنه يظل أفضل بكثير من تكاليف انهيار نيفاشا خصوصاً في هذه المرحلة المقتضية من نظام البشر تحديداً تطبيع علاقاته مع الغرب إن أمكن لكن دون هذا متطلبات يجب توافرها قبل اقتراب موعد الاستفتاء.
أ- المتطلبات والشروط: يذهب المؤتمر الوطني إلى انه قد أنجز 95 بالمائة من اتفاق نيفاشا بما فيها التوصل في العام الماضي إلى اتفاق حول مشروعات قوانين الاستفتاء والمناطق المتنازع عليها- أبيي والمشورة الشعبية- بالتوازي مع بروز العديد من المعطيات في العامين الأخيرين كلها تصب في خانة وجود تهيئة إستباقية لدى الخرطوم والعديد من دول المنطقة للتعايش السلمي مع الجنوب ولو بحذر, بل هذا ما تتوقعه وبالتالي استبعاد تجدد الحرب الأهلية.
وهذا بطبيعته يحتاج إلى استغلال المرحلة المقبلة لتكثيف جولات التسوية والتوافقات حول المسائل المعلقة فيما يتعلق بما بعد الانفصال من قبيل: النفط، ترسيم الحدود بما فيها حدود أبيي وفقاً لقرار محكمة التحكيم الدولية بلاهاي (تموز/ يوليو 2009), ومياه النيل, والنيل الأزرق, وجبال النوبة وجنوب كردفان، ونظام الاستفتاء ولوائح من يحق لهم المشاركة فيه وحسم الجنسية والتبعية للدولة الناشئة والتعويضات المالية الإدارية للعاملين بالوزارات والجيش والشرطة – العمل والقوات المدمجة - ورجوعهم للجنوب، والرعي وأصول الحكومة وديونها وعلاقة الدولتين والاتفاقيات والمعاهدات الدولية وغيرها.
وهنا تأتي أهمية الدور الأميركي على وجه التحديد سواء للضغط على حكومة الجنوب لتسهيل هذا الواقع عبر التوصل إلى تسوية تحافظ على وجود شكل من تقاسم عائدات النفط كون معامل التكرير وأنابيب التصدير في الشمال واحتياطي النفط الرئيسي في الجنوب وذلك من اجل تخفيف التداعيات الاقتصادية المترتبة على فك الارتباط وكذا الضغط باتجاه حسم الخلاف حول المناطق المتنازع عليها إذا ما كانت حكومة الجنوب ترغب في الحصول على الاعتراف الدولي إلى جانب منح الخرطوم الضمانات اللازمة بأن الانفصال لن يكون على حسابها اقتصادياً أو دبلوماسياً تشمل نزع العقوبات وتطبيع العلاقات.
وكلها ستسهم في خلق علاقة حسن جوار مدعومة بترميم العلاقة مع دول الجوار والمجتمع الدولي خاصة مع تشاد واريتريا وأوغندا.
ب- التداعيات المحتملة:
من غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت الدولة الجديدة ستكون قابلة للحياة أم ستكون مجرد منطقة موضوعة تحت الحماية الدولية؟ كما هو السؤال عن قابليتها للتعايش السلمي من عدمه مع الشمال؟.
صحيح أن السلام شرط مسبق كي تكون الدولة الجديدة قابلة للحياة لكنه ليس ضمانة أكيدة في ظل الحكم الذاتي السيئ الصيت بالجنوب وغياب التنمية ما يلقي على الدول المانحة عبئ دفع الفواتير اللازمة للحيلولة دون سقوط الدولة الجديدة, والمتطلبة ضخ مليارات الدولارات سنوياً وبالتالي ذهاب التوقعات إلى أنها ستولد مع كل خصائص الدول الأكثر هشاشة في العالم.
ولذا لم يخفي حلفاء جوبا- أميركا والاتحاد الأوربي وكينيا وأثيوبيا وأوغندا- خشيتهم من أن تصبح دولة الجنوب الدولة العاجزة التالية بعد الصومال كما هو الخوف من تحولها إلى مصدر إلهام للحركات الانفصالية في شمال السودان وأفريقيا عموما وداخل الجنوب نفسه حيث التنافس المستعر على الموارد النادرة والمؤلبة للمتحدات والمجموعات العرقية بعضها على بعض ما يعني أن التحذيرات في العام 2012 لن تكون من تجدد الحرب مع الشمال بل من خيبة أمل متفاقمة وخصومات متزايد بالجنوب المتصدع اجتماعياً حتى النخاع.
كما هو التساؤل عن مصير الكوادر الشمالية داخل الجنوب والكوادر الجنوبية داخل الشمال وما يترتب على ذلك من نزوح كارثي قد يفوق ما جرى في دارفور وتبقى الحدود خاتمة الأثافي وخط النار الأكثر سخونة بدءاً بجبال النوبة ومروراً بالنيل الأزرق وأبيي وجنوب كردفان وانتهاءً بشرق وغرب السودان وكلها أوراق تراهن عليها جوبا مستقبلاً لإشعال البيدر الشمالي.
2- الانفصال التصادمي:
ويتوقف أساساً على إرجاء الاستفتاء إلى ما لا نهاية بما يؤدي إلى استحالة التعايش وتجدد الحرب الأهلية كردة فعل على موقف الخرطوم وقد يكون نتيجة إلغاء الاستفتاء والاستعاضة عنه بكونفدرالية تعطي الجنوب الحق في إقامة دولة كاملة الصلاحيات وتربطها بالشمال علاقة رأسية أو التوجه إلى إعمال القوة للإبقاء على الوحدة وأخفها وطأة التوجه إلى تمديد الفترة بين نتائج الاستفتاء في حال كانت لصالح الانفصال وبين تأسيس الدولتين تحت دواعي حسم نقاط الجدل وكلها تنذر باستشعار مبكر لقنابل المشاكل المعلقة وما تحمله للسودان من كوارث في قابل الأيام خصوصاً إذا ما قرر الجنوب فك الارتباط من جانب واحد.
التداعيات المحتملة
1- تجدد الحرب الأهلية نتيجة الاختلاف على ترسيم الحدود في أبيي والمشورة الشعبية وجنوب كردفان والنيل الأزرق وغيرها من حدود 1956التي لم تحسم بعد أو تنفيذ الاستفتاء حول تبعيتها أو عدم الاتفاق بما يحمله من أبعاد نفطية وأيديولوجية وقبلية من شأنها خلق تمردات جديدة بدعم من الحركة الشعبية خاصة في حال كان الانفصال متوتراً قد تتجاوز نقاط التماس إلى دارفور.
2- احتمال نشوء عنف قبلي في الجنوب أكثر مما هو عليه حالياً واستمرار تحميل الحركة الشعبية للخرطوم المسؤولية كما هي عادتها سابقا لتبرير دعمها للتمردات التي قد تنشأ في الشمال.
3- تزايد الاضطرابات السياسية في أقاليم الشمال المطالبة بالمزيد من الحكم اللا مركزي واقتسام الثروة مع المركز معززاً بسيل من الاحتجاجات على معالجة الحكومة لاتفاقات السلام وتوجه بعض الجماعات للمطالبة بحق تقرير المصير أو الانفصال الكلي عن السودان.
4- زيادة الاستقطاب السياسي بين الحكومة والمعارضة بالشمال وتحميل المعارضة الخرطوم مسؤولية انفصال الجنوب وما يترتب على ذلك من إرباك وتفكك وانشقاقات قد تُمهد لاندلاع انتفاضة شعبية تقودها المعارضة لإسقاط نظام البشير مدعومة بزيادة وتيرة الضغوط الدولية في مجال التعامل مع المحكمة الدولية ورعاية حقوق الإنسان وتحقيق بنود اتفاقات السلام.
5- ويبقى العامل الاقتصادي الأكثر سوداوية خصوصاً وأن حكومة الخرطوم ستفقد نصيبها من عائدات النفط الجنوبي المشكل 80 بالمائة من كل عائدات البترول السوداني البالغة 60 بالمائة من موازنة الحكومة الاتحادية وما يترتب على ذلك من مشاكل اقتصادية غير محمودة العواقب وسط سريان الحديث في أوساط الحكومة الجنوبية للتوجه نحو تشييد خط نفطي جديد يربطها بميناء ممبسه الكيني وبناء مصفاة تكرير بالجنوب حتى لا تعتمد على الشمال غير المؤتمن بنظرها.
المصادر
- فيليب دو بونتيه، السودان يقف حائراً عند مفترق الانتخابات، معهد كارنيجي الأميركي، 3 نيسان/ ابريل 2010.
- منصف السليمي، انتخابات السودان تغرق في مزيد من الانقسام والعزلة، موقع دوتيشه فيله، 2 نيسان/ ابريل 2010.
- د.الطيب زين العابدين، تداعيات انفصال الجنوب، وله أيضاً: تحديات وتداعيات الانتخابات السودانية، مركز الجزيرة للدراسات، 27 كانون الأول/ ديسمبر 2009، 21 شباط/ فبراير 2010.
- أسماء الحسيني، الانتخابات السودانية هل تتحول من حلم إلى كابوس، حركة العدل والمساواة السودانية، 5 نيسان/ ابريل 2010.
- أسامة علي عبدالحليم، تأملات حول الانتخابات السودانية، صحيفة الحوار المتمدن، 4 نيسان/ ابريل 2010.
- السودان ما بعد الانتخابات، ندوة علمية نظمها حزب الغد المصري بالقاهرة، 23 آذار/ مارس 2010.
- السودان بين مواجهة التدخلات الخارجية وانجاز الاستحقاقات الصعبة، النور السودانية، 3 شباط/ فبراير 2010.
Translate
الثلاثاء، 20 أبريل 2010
الخميس، 15 أبريل 2010
المناخ الجامح والسياسة الجامحة
بقلم زيد يحيى المحبشي
مناخ الأرض الجامح لم يعد يتحمل المزيد من الملوثات الصناعية القاتلة التي يتسبب بها الإنسان, ولم يعد يتحمل المزيد من العبثية السياسية وغياب الوعي السياسي بوجود أزمة بيئية شاملة باتت تخترق أكثر الأذهان انغلاقا، ولم يعد يتحمل المزيد من العربدة البشرية الجامحة بحق الطبيعة, والتي حتماً سترد عاجلاً وليس آجلاً على هذه العربدة، على الأقل ذلك ما يعتقده البروفسور البريطاني (جيمس لافلوك) فـ " كوكب الأرض الغاضب سيحاول إعادة التوازن إلى الطبيعة، بيد أن ذلك سيعني إزالة الحضارة ومعظم الجنس البشري، إن جنسا وضع نفسه في حال حرب مع الأرض نفسها، وحدها الكوارث الآن بإمكانها وقف حروب الإنسان الانتحارية ضد بيئة الأرض، التي يدمر فيها التلوث البشري الأعمى, المناخ وتوازنات الرياح والمحيطات"، فهل يعني ذلك أن الإنسان أصبح العدو الأول لنفسه ولمحيطه, وأن زمن الوفاق البشري مع الطبيعة قد ولّى بلا رجعة؟ .
مئات الدراسات والتقارير العلمية شارك في إعدادها أكثر من2000 عالم مناخ من أكثر من 100 دولة حول التقلبات والانفلاتات المناخية التي شهدتها البشرية في العشرية الأخيرة بصورة غير مألوفة وخارجة عن سياقاتها التاريخية, كلها تحذر من دمار شامل ينتظر الجميع بسبب المناخ والبيئة والإحترار العالمي وتصفه بالكارثة.
وتنبؤات بزوال مدن بأكملها وهلاك ملايين البشر وانقراض كائنات حية وأنظمة بيئية حيوية نادرة وشهود البشرية طوفان وعصر جليدي جديد كذلك الذي أودى بحياة الديناصورات قبل 60 مليون سنة, بالتوازي مع تصاعد التحذيرات من اقتراب المناخ من نقطة الانقلاب الشامل واقتراب نهاية الأرض واقتراب يوم الآخرة. يأتي هذا في الوقت الذي صارت فيه السياسة الجامحة حقيقة واقعة على خلفية الجدل المحتدم حول المناخ وانفصال المفاوضات حول تقلباته المخيفة طوال الـ19 عاماً الماضية, عن الواقع ما جعلها أكثر خطورة على حاضر ومستقبل البشرية لاسيما وأنها وجدت لها من العلماء من يخدمها ويشيع التفاؤل تجاه البيئة وموادعتها إثر نجاح الكارتلات الرأسمالية الكبرى في اجتذابهم إلى صفها مقابل حفنة من المال.
إنه عاَلمٌ بلا روح وبلا أخلاق وبلا قِيم يسبح في بحر من ظلمات الحروب والأحقاد والأمراض النفسية والجسدية, رغم تأكد الجميع مما ينتظرهم من عواقب جراء تدميرهم البيئة والطبيعة, فالهوة تزداد عمقاً بين شمال الأرض الغني وجنوبها الفقير, وبين الموت والكفاح من أجل البقاء, وبين الرأسمالية المتوحشة والسماح لها بمواصلة عربدتها القاتلة ضد البيئة والحياة والروح, وتشعب الشرخ كالجرح العميق ليس فقط خلال مفاوضات يوم الأرض في كوبنهاجن نهاية العام الماضي وإنما خلال المجتمع المعولم على المستوى الدولي.
جرحٌ لا نملك معه سوى الارتجاف وجلاً ونحن نرى حفنة من أنصار الجينة الأنانية تقذف بالبشرية بأسرها في أتون الاحتراق الحراري مفرزة أشد المشاعر البشرية قبحاً: الطمع والغرور والخوف وانعدام الثقة، بيد أن اندمال هذا الجرح من العمق قبل تحوله إلى قرحة مليئة بالصديد لا يبدو أنه بات قريباً في ظل التزايد المطرد لحجم الظواهر والكوارث الطبيعية كماً ونوعاً وقوة.
في هذه الوقفة السريعة سنحاول مقاربة حقيقة ما يجري من حروب بشرية جائرة ضد الأرض وأنظمتها وماهية أسبابها ومخاطرها وتداعياتها على حاضر ومستقبل الأرض والبشرية وما إذا كان بالإمكان تلافي حدوث الانقلاب المناخي أم لا وإستشراف مستقبل علاقة الإنسان مع الأرض وأنظمتها؟.
المناخ الجامح: حقيقة أم خيال؟
تتميز الأرض عن سائر الكواكب بوجود الغلاف الجوي، وهو عبارة عن غلالة شفافة تحيط بالأرض
وتحفظها وتُؤَّمِن استمرار الحياة فيها ولذا فوجوده وثبات مكوناته يعني استمرار الحياة المتعارف عليها والعكس في حال شهدت هذه المكونات بعض الإضافات لما يترتب على ذلك من اختلال في توازن أنماط الأنظمة الحيوية الطبيعية كالحرارة والرطوبة والضغط الجوي والمتساقطات المطرية ومسارات التيارات الهوائية وأمواج البحار والمحيطات والمعادلة المناخية.
يتكون الغلاف الجوي من عدة غازات أهمها غازات الدفيئة, ورغم أن نسبتها لا تتجاوز الواحد بالمائة من إجمالي حجم الغلاف إلا أن زيارة متوسط تركيزها منذ انطلاق عجلة الثورة الصناعية (1860م), بات يشكل خطراً حقيقياً على المعادلة المناخية وبالتالي تحميل الدفيئة المسؤولية الأولى عن التغيرات والتقلبات المناخية المتطرفة والمسؤولية الأولى عن سخونة الأرض.
غازات الدفيئة الفتاكة
- ثاني أكسيد الكربون: وهو المتهم الرئيسي في سخونة الأرض رغم أنه لا يشكل سوى 0.035 بالمائة من حجم الغلاف الجوي إلا أن تزايد النشاط الإنساني والصناعي منذ بداية الثورة الصناعية وحتى اليوم, بالتوازي مع تزايد حجم الإنبعاثات الملوثة وتزايد متوسط تركيز الكربون تحديداً في الغلاف الجوي مقارنة بما كان عليه قبل الصناعية من 1000 طن إلى 6000 طن سنوياً أي أنه ارتفع من 275 إلى 380 جزء في المليون بزيادة سنوية قدرها 25 بالمائة والمتوقع أن يصل إلى 460- 560 جزء في المليون بحلول عام 2100 وأهم مصادره: حرق الوقود الأحفوري – النفط والغاز الطبيعي والفحم - والنفايات الصلبة والأخشاب والتفاعلات الكيميائية ورغم أن معالجته تحتاج إلى قرون عديدة إلا أن الحاجة ملحة اليوم لتثبيته عند مستوى 350 جزء في المليون منعاً لحدوث الكارثة.
- الميثان: ارتفع متوسط تركيزه من 700 إلى 1760 جزء في المليون بزيادة سنوية قدرها 0.09 جزء في المليون, وأهم مصادره: الماشية والزراعة وتفكيك النفايات العضوية ومعدل بقائه في الجو عشر سنوات.
- أكسيد النيتروز: زاد متوسط تركيزه من 270 إلى 316 جزء في المليون بفارق سنوي قدره 18 بالمائة وأهم مصادره: الأسمدة الصناعية المستخدمة في الزراعة ومعالجة مياه المجاري وحرق الوقود الاحفوري ومعدل بقائه في الجو عشرة آلاف سنة.
- مركبات كلوروفلوروكربون: وهي لم تكن موجودة قبل الثورة الصناعية وتكمن خطورتها في خلخلة طبقة الأوزون، والتي أخذت أهمية خاصة في العام 1985 إثر اكتشاف العلماء وجود ثقب في طبقة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية قطره 9 كم بسبب انخفاض كثافة الأوزون عن معدلها الطبيعي بنحو 50 بالمائة والآتي بعد مرور 15 عاماً فقط منذ بدء ظهور علامات الإحترار العالمي في العام 1970، مركبات الكلور يزداد تركيزها السنوي بواقع 4 بالمائة وأهم مصادرها:السيارات والمكثفات ومعدات التبريد والبخاخات وأجهزة الاستنشاق فيما تحتاج معالجتها إلى 50- 100 سنة.
- مركبات الكربون المشبعة بالفلور: والناجمة عن إنتاج الألمونيوم
- سادس فلوريد الكبريت: الناتج عن انتقال الطاقة الكهربائية وإنتاج الماغنيسيوم والألمونيوم.
ومعلومٌ أن 68 بالمائة من الانبعاثات الملوثة السنوية تأتي من استخدام الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء والطاقة و13 بالمائة من وسائل النقل (أثبتت الدراسات أن راكب القطار السريع يتسبب في انبعاث 14.2 كيلو جرام من الكربون مقارنة بـ 43.6 كجم لراكب السيارة و82.4 كجم لراكب الطائرة) ,و17.4 بالمائة بسبب إزالة الغابات والشعب المرجانية التي تُعد بمثابة مغسلة الكربون و14 بالمائة من استخدام المبيدات الكيميائية في الزراعة, 74 بالمائة من الانبعاثات الزراعية تنشأ في الدول النامية.
على مستوى الدول استحقت أميركا لقب أميرة التلوث فهي تصدر ربع انبعاثات العالم وتستهلك ربع إنتاجه من الوقود الأحفوري تليها الصين والهند حيث يتوقع أن تتحمل الأولى المسؤولية عن 35 بالمائة من الانبعاثات الملوثة والثانية 22 بالمائة بحلول العام 2020 والسبب في ذلك أن معظم الشركات والمصانع الأميركية والغربية الملوثة, موجودة في الصين والهند تم نقلها من موطنها الأم إما لوجود قوانين صارمة تحد من حرية التلويث أو لرخص الأيدي العاملة ولعل هذا كان كافياً لكشف خيوط المؤامرة التي قادت إلى فشل قمة كوبنهاجن خصوصاً وأن أميركا قد نجحت في فصل الصين والهند إلى جانب البرازيل وجنوب أفريقيا وهي الدول المسؤولية عن 30 بالمائة من الانبعاثات العالمية السنوية عن مجموعة الـ77 تحديداً (تضم 130 بلداً نامياً
المعادلة المناخية
وهي عبارة عن "تساوي معدل ما تكسبه الأرض من طاقة شمسية لما تفقده بالإشعاع الأرضي إلى الفضاء الخارجي" ولكن ذلك يتوقف في الأساس على ثبات الاتزان البيئي ومعدل حرارة سطح الأرض عند مقدار ثابت هو 15 درجة مئوية, وهو مالا يبدو متوفراً اليوم في ظل الارتفاع التدريجي لدرجة حرارة الطبقة السفلى للغلاف الجوي وتغير سيلان الطاقة الحرارية من البيئة وإليها بفعل الزيادة المطردة في متوسط تركيز غازات الدفيئة,بصورة فاقت قدرة الغلاف الجوي على التحمل, ما أدى إلى ارتفاع مماثل في متوسط درجة حرارة الأرض منذ العام 1860 والآخذ بالتسارع منذ العام 1970 مصحوباً بزيادة وتيرة الاحترار العالمي بسبب قيام غازات الدفيئة بالقسط الأكبر من حبس الأشعة المنبعثة من سطح الأرض وعدم السماح بتسريبها إلى الفضاء الخارجي, بفعل قيام الدفيئة بإحاطة الطبقة الداخلية للغلاف الجوي بطبقة عازلة أخرى من غازات الدفيئة متسببة بذلك في اختلال التوازن الطبيعي وبروز الكثير من الظواهر والكوارث الطبيعية التي لم تكن مألوفة منذ آلاف السنين.
وتزداد الصورة قتامة مع توقع علماء المناخ تجاوز متوسط الزيادة في تركيز غازات الدفيئة في عامنا الجاري ما نسبته 5.2 بالمائة مقارنة بما كانت عليه عام1990 ما ينذر بحدوث كارثة محققة إذا ما استمرت في التصاعد, مالم يبادر الإنسان إلى إيقاف كافة الانبعاثات قبل فوات الأوان, ناهيك عن أن تأثيراتها ستحتاج إلى قرون عديدة قبل أن يتمكن الإنسان من إعادة المناخ إلى توازنه الطبيعي الذي كان عليه قبل ظهور الثورة الصناعية وهو ما يؤكد صحة العلاقة الارتباطية الوثيقة بين الكوارث الطبيعية وبين ارتفاع سخونة سطح الأرض.
أزمة المناخ صحيح أنها ليست جديدة لكنها أصبحت ملحة حديثاً نتيجة الشره الأعمى للرأسمالية العالمية المتعاظم على حساب الطبيعة وتوجهها المتعمد منذ أن صارت القوة العالمية الوحيدة في العام 1990 إلى رفض إخضاع نموها الاقتصادي للتوازنات البيئية ومستلزماتها, وهذا الموقف ليس سوى صدى لقاعدة انطلاق الرأسمالية تاريخياً والتي أقامت على أساسها صرحها الكبير منذ القرن الثامن عشر, معتبرة الطبيعة "عدواً يجب مقاتلته وإخضاعه واستنزافه حتى الموت" واعتقادها بأن العالم يمكن فهمه وتغييره في المختبرات والمصانع وأنه لا يعدو عن كونه مجرد آلة مادية عملاقة يمكن تفكيكها وتركيبها كما يشاء الإنسان ولذا ليس من قبيل المبالغة أن هذه الفلسفة وليس الدول الغنية وحدها كانت المنتصر الحقيقي في كوبنهاجن
الآثار والتداعيات المرصودة
يمثل عامي 1860 و1911 مرحلة فاصلة في تاريخ المناخ حيث شهدت أوربا خلال الفترة (1300 - 1860) موجات من الفتور الحراري عُرفت بالصقيع الصغير تلتها موجات جديدة من الارتفاع الضئيل للحرارة مدمرة بالتدريج موجات الصقيع تلك, في حين كان المتوسط الثابت للارتفاع في حرارة الأرض 15 درجة مئوية حتى العام 1860, والذي مثَّل خاتمة فترة كان للمناخ فيها أهمية استثنائية, إذ كان يمكنه أن يؤدي إلى اندلاع الثورات في فترة القحط الكبير، غير أن فترة التصنيع 1895- 1940 شهدت ارتفاعاً ملحوظاً بلغت نسبته حتى العام 1990 نحو ستة أعشار الدرجة وثمانية أعشار الدرجة اليوم.
قياس التبدُلات المناخية قبل العام 1860 كان يتم بواسطة القمح ليحل محله النبيذ أو قِطّاف العنب بعدها, لكن ذلك تغير تماماً في العام 1911 عندما شهد العالم نقطة تحول كبيرة أرخت لمرحلة جديدة من التبدُلات المناخية, أبرز علاماتها حدوث إحدى أكبر موجات الحر الشديد في صيفه حصدت أرواح 40 ألف إنسان في أوربا وحدها ناهيك عن إثارتها اضطرابات اجتماعية كبيرة, ومن حينها تغيرت وسائل قياس التغير المناخي وزادت تعقيداتها تبعاً لتعقيدات التكنولوجيا إلى جانب خضوعها لتقديرات العلماء وحسابات الساسة.
الارتفاع في حرارة الأرض ترتب عليه ارتفاع مماثل في متوسط ارتفاع سطح المحيطات بلغت نسبته نحو 20 سم للفترة ( 1860- 2001 ) بما يعادل عُشري الميليمتر سنوياً فيما كان متوسطه الثابت خلال الفترة( 1961- 2003 ) نحو 1.7 ملم سنوياً كما شهدت حقبة التسعينات أسخن جو في شمال الأرض منذ ألف عام بينما كانت الفترة 2000- 2009 الأكثر سخونة منذ العام 1860 حيث احتل العام 2009 المرتبة الخامسة في هذه الفترة مصحوبة بتزايد حدوث الأعاصير في أماكن لم تكن متوقعة وظهور العنف المطري وتزايد وتائر حرائق الغابات والذوبان المفاجئ لمجالد القطب الجنوبي وتلوث البحار والمحيطات الكبرى وتدهور الأنظمة البيئية على الجزر والسواحل وتفاقم الأمراض والأوبئة وتزايد شبح الفيضانات مشردةً أكثر من 20 مليون إنسان خلال العام 2008 فقط في وقت تشير فيه الدراسات والإحصاءات العلمية إلى أن الكوارث الطبيعية تضاعفت إلى أكثر من الثلثين في العقدين الأخيرين وأن المناخ في العام الحالي سيكون أكثر وضوحاً , كما ارتفعت مستويات البحر إلى 4- 8 إنشات خلال العام الماضي فقط أي عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل 3 آلاف سنة وارتفعت حرارتها بواقع 0.06 بالمائة لكل ألف متر مسطح وارتفعت درجة حرارة الهواء بمعدل 1.2 درجة سلزيوس, إلى أخره, وجميع ذلك – طبعاً - تم التحقق منه علمياً والتحقق من ارتباطه الوثيق بالدفيئة.
الآثار والتداعيات المتوقعة
صحيح أن الشك لا يزال سيد الموقف في الأوساط العلمية حيال العديد من الظواهر التي تؤثر على سرعة التغير المناخي بما في ذلك الشك في مدى تغير الإشعاع الشمسي في السنوات والعقود المقبلة واتجاه العالم نحو المزيد من الدفء بشكل يفوق المستويات الراهنة, وهي ترى أيضاً في زيادة معدلات البخر وكميات السحب وتغير توزيعها وتغير توقيت سقوط الأمطار والضغط الجوي ومسارات الرياح السائدة وتزايد البرد القارص والحر القائض, مؤشرات لا تبعث على الاطمئنان خصوصاً إذا ما استمر الارتفاع في متوسط حرارة الأرض على ما هو عليه حالياً في ظل اللامبالاة والتجاهل من قادة وساسة أغنياء العالم واستمرارهم في إلقاء التبعة والمسؤولية على فقراء الأرض, وغياب الجِدِّية العملية للحد من الملوثات الصناعية.
كل هذا أبرز على السطح عدة مخاوف وتوقعات لما ينتظرنا منها على سبيل المثال:
دفع النسبة التي حددتها قمة كوبنهاجن فيما يتعلق بالحفاظ على مستوى الزيادة في متوسط حرارة الأرض عند مستوى درجتين مئويتين مقارنة بما كانت عليه في العام 1860, ليس إلى تقليص الزيادة وإنما إلى مضاعفتها والخوف هنا من أن تتجاوز 5.8 درجة بحلول نهاية القرن الحالي ما يعني التسبب في إنهاء الحياة البشرية في مناطق كثيرة من العالم وانقراض أكثر من 20 في المائة من الكائنات الحية وحلول عصر جليدي جديد, وحدوث طوفان واسع النطاق, وحدوث ارتفاع أكبر وأسرع في مستويات مياه المحيطات قد تتجاوز المتر إلى التسعة أمتار وذوبان المجالد والثلوج في القطبين وفوق قمم الجبال,وكل هذا سيتسبب حتماً في العديد من الآثار الكارثية, سواء كانت مباشرة كغرق جزر وبلدان وسواحل بكاملها وازدياد زحف الجفاف والتصحر وتهجير أكثر من مليار إنسان خلال العقود الأربعة المقبلة (مشردي المناخ ) وهو ما أطلق عليه العلماء اسم بؤر ساخنة في المستقبل قد تشهد نزوح بشري كبير كأفغانستان وبنجلاديش وجزر المحيط الهادي وأجزاء واسعة من أوربا أو غير مباشرة كانتشار المجاعات والأوبئة ونقص مياه الشرب ومعلوم أن سدس سكان الأرض يعيشون في مناطق ستتأثر بذلك أو أمنية كالصراعات المحلية والإقليمية والنزاعات العالمية على متطلبات الحياة الأساسية إلى درجة ما يسري عليها وصف الحروب المناخية المستقبلية أو بيولوجية كانقراض واسع النطاق للمخلوقات الحية وخسارة أنظمة بيئية فريدة.
يأتي هذا في الوقت الذي تحرص فيه الأطروحات الدولية على ألا يصل ارتفاع مستوى البحر وحرارة الأرض إلى درجة تهدد الدول الصناعية إلا بصورة محدودة ولتذهب الدول الفقيرة إلى الجحيم لكن الكارثة إذا ما حلت لن تستثني أحداً
السياسة الجامحة: المال قبل المناخ
تعود بدايات التعاطي السياسي مع قضية المناخ إلى 12 شباط/ فبراير 1979, إثر انعقاد أول مؤتمر دولي حول المناخ بجنيف, تتابعت بعد ذلك المؤتمرات والقمم وآخرها قمة كوبنهاجن 7- 19 كانون الأول/ ديسمبر 2009 بالتوازي مع توسع رقعة الجدل السياسي حول حقيقة ارتباط التبدلات المناخية بالكوارث الطبيعية من عدمه، في حين اقتصرت مفرزة العمليات التفاوضية الأممية على إخراج الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة حول المناخ عام 1992 بمصادقة 192 دولة وبروتوكول كيوتو 1997 المصادق عليه حتى الآن 194 دولة بعد انضمام العراق والصومال وتدشين المرحلة الأولى منه (2005- 2012) مصحوباً بحراك أممي غير مسبوق لإيجاد اتفاقية بديلة مع حلول بداية العام 2013 تكون ملزمة وشاملة وشرعية على خلفية التعثر المصاحب للمرحلة الأولى من كيوتو.
كيوتو رغم ماله من أهمية كأول خطوة عملية إدراكية لحجم المشكلة المناخية والأداة القانونية الوحيدة المتوفرة حتى الآن, التي تفرض إجراءات ملزمة على المصادقين عليها, لكنها بالمقابل شكلت انطلاقة لهيمنة موضوعي الطاقة والسوق – تسليع الأرض والهواء والمناخ- على مفاوضات الأمم المتحدة خصوصاً في الأعوام الثلاثة الأخيرة والتي قادتها بفشل منقطع النظير كما فشلت في انجاز هدف المرحلة الأولى من كيوتو المتعلق بخفض الانبعاثات الملوثة بواقع 5.7 بالمائة بحلول العام 2012, والمنعكس بدوره على قمة كوبنهاجن وما تمخض عنها من تداعيات وضعت العالم في مواجهة مباشرة مع احتمالات بنسبة 50 بالمائة لدخول المناخ دائرة الانقلاب التام.
أميركا والصين ومن خلفهما الكارتلات الاقتصادية والصناعية العالمية مايزالا حتى الآن خارج كيوتو كما أنهما يتربعان عرش إمارة التلوث العالمي في وقت لاتزال فيه سلطة القرار السياسي العالمي مجيرة لصالح وحساب الكارتلات الاقتصادية والرأسمالية, لذا لا تأخذنا الدهشة أمام ما نشهده من تحويل مخيف للأرض والهواء والمناخ إلى مجرد سلعة تجارية ووسيلة للثراء السريع على حساب الأرض والإنسان وأجيال المستقبل بعد أن تم تحويل قضية التغير المناخي إلى مجرد مشكلة تتعلق بالإدارة الاقتصادية الفعالة للطبيعة ومواردها.
في الاتجاه الآخر تقف الدول النامية وحيدةً بعد أن تخلت عنها الصين وتم تجاهل الاتحاد الأوربي ومن ثم إبداء الدول النامية مخاوفها من نقص الاهتمام بالمرحلة الثانية من كيوتو وسط غياب الاستعداد التاريخي لإنجاز اتفاقية دولية ملزمة قانونياً وتحد من حرية أمراء التلويث وبروز العديد من المؤشرات لسحب بساط مفاوضات المناخ وتمويل التكيف مع تقلباته من تحت أقدام الأمم المتحدة وتحويله إلى البنك الدولي, وصولاً إلى قتل كيوتو.
أوباما كان واضحاً عندما قال قبل أشهر "أن العلاقات الصينية- الأميركية هي من سيقرر مستقبل البشرية والأرض في القرن الحادي والعشرين", قمة كوبنهاجن لم يشفع لها الحضور العالي المستوى وغير المسبوق - شهدت مشاركة وفود من 193 دولة وحضور نحو 120 رئيس دولة وحكومة في فعالية الاختتام, مقارنة بغياب الرؤساء واقتصار المشاركة بقمة كيوتو على 37 دولة فقط - في أن تكون قمة الأرض بحق, بعد أن خيم عليها الفشل منذ اللحظة الأولى لانطلاقتها لولا توافقات الحدود الدنيا بين الصين وأميركا والتي انتشلتها في اللحظات الأخيرة بوثيقة مرتبكة وغير إلزامية بعد نزع صاعق التفجير البيئي ودون أن تحظى بالإجماع الدولي باستثناء30 دولة ناهضة وصناعية بعد ضمان حفظ مصالح الصين الرافضة خلال توسعها الاقتصادي أي التزامات جديدة على صناعتها المتوسعة ولو كانت لإنقاذ الأرض وضمان حفظ مصالح أميركا الرافضة أي أعباء جديدة على صناعاتها في فترة الأزمة المالية العالمية ولو كان على حساب الاتحاد الأوربي ومجموعة الـ77.
بيان كوبنهاجن على تواضعه اكتفى بالإشارة إلى التوجه للحفاظ على الزيادة في متوسط درجة حرارة الأرض بدرجتين مئويتين مقارنة بما كانت عليه قبل الثورة الصناعية وفيض من التعهدات المالية لدعم الدول الأكثر تضرراً من التغير المناخي ومساعدتها على التكيف حددها أوباما بفترتين تشمل الأولى 2010- 2012 وبحجم 25- 30 مليار دولار بواقع 10 مليارات دولار سنوياً, والثانية بعد عام 2020 بحجم 100 مليار دولار سنوياً وهي مبالغ رمزية لا تراعي الحدود الدنيا لأوضاع المجتمعات إلى جانب وعود بخفض الانبعاثات الملوثة إلى 40 بالمائة بحلول العام 2050م و 12 – 16 بالمائة حتى العام 2020 مقارنة بما كانت عليه في العام 1990.
اللافت هنا غياب صفة الإلزامية وبقاء المشروطية في كل ما سبق وترك المجال مفتوحاً أمام الدول الغنية لتعمل ما تريد وكيف تريد دون أي رقابة ودون الحاجة للعودة إلى الأمم المتحدة ومطالبة الدول النامية بخطوات عملية إستباقية وإلزامية كما لم يضع البيان أي جدول زمني فيما يتعلق بالمساعدات – ولا كيفية جمعها وآلية توزيعها - وتخفيضات الانبعاثات ولم يتضمن أي إشارة فيما يتعلق بضرورة مواصلة الدول العمل الجاد للتوصل إلى اتفاقية دولية شاملة وملزمة قانونيا باستثناء تحديد نهاية العام الجاري موعداً لانعقاد قمة أرض جديدة بمكسيكو لحسم الجدل حول الخطوط العريضة المعلقة منذ العام 2007م وقد يكون هذا متعمداً لسبب بسيط هو نجاح أوباما في بتر سيقان الاتفاقية الأممية الإطارية حول المناخ لعام 1992 وبروتوكول كيوتو لعام 1997 عندما أعلن أن بلاده ستفعل ما تفعله ولكنها لن تتورط في فوضى عمليات الأمم المتحدة الخاصة بالمناخ في عامنا الجاري لإدراكها مسبقا بأنها لن تحقق الكثير في قمة مكسيكو والمنسحب بدوره على الصين وعدد من الدول النفطية والصناعية والكارتلات الرأسمالية المنزعجة من عمليات الأمم المتحدة على أمل إحلال بيان كوبنهاجن محل القانون الدولي وتعطيل مفاعيل كيوتو ومقايضاتها بسياسات القوى الكبرى.
يأتي هذا في وقت لايزال الاتحاد الأوربي وهو الخاسر الأكبر في كوبنهاجن إلى جانب الدول النامية مصراً على رؤيته الجامدة القائمة على مقايضة الانبعاثات العالمية في أسواق الكربون رغم سقفها العالي وكلفتها الباهظة, وعدم ملائمتها للكثير من دول العالم خصوصاً النامية.
وعود وتعهدات وكلام كثير وكبير سمعناه في كوبنهاجن وما تمخض عنها من بيان هزيل غلبته مسحة الألغاز والطلاسم العصية على الفهم والتي لا تخدم الأرض بل تزيد من اشتعال الحرب البشرية الجائرة ضد البيئة وتُباعد الخطوات والآمال في خروج اتفاقية دولية ملزمة تضع حداً لهذه الحرب وتخفف من معانات فقراء العالم وتحد من عبثية ومظلومية استمرار دفعهم لفاتورة الطمع والغرور الرأسمالي وتحميلهم القسم الأعظم من تداعيات المناخ.
المشكلة المناخية بدأت اليوم تطرح مشاكل باتت تهدد الجميع وخصوصاً في عامنا الجاري ومع ذلك رغم مرور 19 عاماً من المفاوضات الأممية العقيمة ما يزال دور المال في السياسة يمثل عائقاً كبير أمام حل معضلة الاحتباس الحراري وما تزال الحكومات تستمع لمستشاريها السياسيين أكثر من استماعها للخبراء في العلوم وسط استمرار الكارتلات الرأسمالية في صم آذانها عما يحدق بها من مخاطر كونية كارثية وترفض التعايش مع المعطيات البيو- مناخية في الوقت الذي تشير فيه المعطيات إلى أن تقدميتها الرأسمالية قد تنقلب إلى رجعية مدمرة إذا ما بدأ نمط إنتاجها يتناقض ويتضارب مع قدرة الأرض على تحمل مضاعفاته.
الحاجة اليوم ماسة لمنح مركزية الأرض والمناخ الأولوية وليس الاقتصاد والإنسان والابتعاد عن التسويات السياسية لن الطبيعة والقوانين الفيزيائية لا تحتمل التسوية وتبقى كما هي, وكون ذلك لا يبدو قريباً في عالمٍ البقاء فيه للأقوى يبقى الخلاص والباب الوحيد أمام فقراء العالم هو الإكثار من الصلاة والدعاء بأن تكون الكوارث البيئية المقبلة وهي مقبلة حتماً محدودة وغير شاملة بحيث يتمكن من يتبقى من البشر من إعادة بناء علاقة سوية مع الطبيعة انطلاقاً من إدراك القيمة الكامنة في العالم الطبيعي والعمل على الحفاظ عليها وتبقى الألطاف الإلهية وحدها لا سواها أرحم بالبشر من أنفسهم.
مناخ الأرض الجامح لم يعد يتحمل المزيد من الملوثات الصناعية القاتلة التي يتسبب بها الإنسان, ولم يعد يتحمل المزيد من العبثية السياسية وغياب الوعي السياسي بوجود أزمة بيئية شاملة باتت تخترق أكثر الأذهان انغلاقا، ولم يعد يتحمل المزيد من العربدة البشرية الجامحة بحق الطبيعة, والتي حتماً سترد عاجلاً وليس آجلاً على هذه العربدة، على الأقل ذلك ما يعتقده البروفسور البريطاني (جيمس لافلوك) فـ " كوكب الأرض الغاضب سيحاول إعادة التوازن إلى الطبيعة، بيد أن ذلك سيعني إزالة الحضارة ومعظم الجنس البشري، إن جنسا وضع نفسه في حال حرب مع الأرض نفسها، وحدها الكوارث الآن بإمكانها وقف حروب الإنسان الانتحارية ضد بيئة الأرض، التي يدمر فيها التلوث البشري الأعمى, المناخ وتوازنات الرياح والمحيطات"، فهل يعني ذلك أن الإنسان أصبح العدو الأول لنفسه ولمحيطه, وأن زمن الوفاق البشري مع الطبيعة قد ولّى بلا رجعة؟ .
مئات الدراسات والتقارير العلمية شارك في إعدادها أكثر من2000 عالم مناخ من أكثر من 100 دولة حول التقلبات والانفلاتات المناخية التي شهدتها البشرية في العشرية الأخيرة بصورة غير مألوفة وخارجة عن سياقاتها التاريخية, كلها تحذر من دمار شامل ينتظر الجميع بسبب المناخ والبيئة والإحترار العالمي وتصفه بالكارثة.
وتنبؤات بزوال مدن بأكملها وهلاك ملايين البشر وانقراض كائنات حية وأنظمة بيئية حيوية نادرة وشهود البشرية طوفان وعصر جليدي جديد كذلك الذي أودى بحياة الديناصورات قبل 60 مليون سنة, بالتوازي مع تصاعد التحذيرات من اقتراب المناخ من نقطة الانقلاب الشامل واقتراب نهاية الأرض واقتراب يوم الآخرة. يأتي هذا في الوقت الذي صارت فيه السياسة الجامحة حقيقة واقعة على خلفية الجدل المحتدم حول المناخ وانفصال المفاوضات حول تقلباته المخيفة طوال الـ19 عاماً الماضية, عن الواقع ما جعلها أكثر خطورة على حاضر ومستقبل البشرية لاسيما وأنها وجدت لها من العلماء من يخدمها ويشيع التفاؤل تجاه البيئة وموادعتها إثر نجاح الكارتلات الرأسمالية الكبرى في اجتذابهم إلى صفها مقابل حفنة من المال.
إنه عاَلمٌ بلا روح وبلا أخلاق وبلا قِيم يسبح في بحر من ظلمات الحروب والأحقاد والأمراض النفسية والجسدية, رغم تأكد الجميع مما ينتظرهم من عواقب جراء تدميرهم البيئة والطبيعة, فالهوة تزداد عمقاً بين شمال الأرض الغني وجنوبها الفقير, وبين الموت والكفاح من أجل البقاء, وبين الرأسمالية المتوحشة والسماح لها بمواصلة عربدتها القاتلة ضد البيئة والحياة والروح, وتشعب الشرخ كالجرح العميق ليس فقط خلال مفاوضات يوم الأرض في كوبنهاجن نهاية العام الماضي وإنما خلال المجتمع المعولم على المستوى الدولي.
جرحٌ لا نملك معه سوى الارتجاف وجلاً ونحن نرى حفنة من أنصار الجينة الأنانية تقذف بالبشرية بأسرها في أتون الاحتراق الحراري مفرزة أشد المشاعر البشرية قبحاً: الطمع والغرور والخوف وانعدام الثقة، بيد أن اندمال هذا الجرح من العمق قبل تحوله إلى قرحة مليئة بالصديد لا يبدو أنه بات قريباً في ظل التزايد المطرد لحجم الظواهر والكوارث الطبيعية كماً ونوعاً وقوة.
في هذه الوقفة السريعة سنحاول مقاربة حقيقة ما يجري من حروب بشرية جائرة ضد الأرض وأنظمتها وماهية أسبابها ومخاطرها وتداعياتها على حاضر ومستقبل الأرض والبشرية وما إذا كان بالإمكان تلافي حدوث الانقلاب المناخي أم لا وإستشراف مستقبل علاقة الإنسان مع الأرض وأنظمتها؟.
المناخ الجامح: حقيقة أم خيال؟
تتميز الأرض عن سائر الكواكب بوجود الغلاف الجوي، وهو عبارة عن غلالة شفافة تحيط بالأرض
وتحفظها وتُؤَّمِن استمرار الحياة فيها ولذا فوجوده وثبات مكوناته يعني استمرار الحياة المتعارف عليها والعكس في حال شهدت هذه المكونات بعض الإضافات لما يترتب على ذلك من اختلال في توازن أنماط الأنظمة الحيوية الطبيعية كالحرارة والرطوبة والضغط الجوي والمتساقطات المطرية ومسارات التيارات الهوائية وأمواج البحار والمحيطات والمعادلة المناخية.
يتكون الغلاف الجوي من عدة غازات أهمها غازات الدفيئة, ورغم أن نسبتها لا تتجاوز الواحد بالمائة من إجمالي حجم الغلاف إلا أن زيارة متوسط تركيزها منذ انطلاق عجلة الثورة الصناعية (1860م), بات يشكل خطراً حقيقياً على المعادلة المناخية وبالتالي تحميل الدفيئة المسؤولية الأولى عن التغيرات والتقلبات المناخية المتطرفة والمسؤولية الأولى عن سخونة الأرض.
غازات الدفيئة الفتاكة
- ثاني أكسيد الكربون: وهو المتهم الرئيسي في سخونة الأرض رغم أنه لا يشكل سوى 0.035 بالمائة من حجم الغلاف الجوي إلا أن تزايد النشاط الإنساني والصناعي منذ بداية الثورة الصناعية وحتى اليوم, بالتوازي مع تزايد حجم الإنبعاثات الملوثة وتزايد متوسط تركيز الكربون تحديداً في الغلاف الجوي مقارنة بما كان عليه قبل الصناعية من 1000 طن إلى 6000 طن سنوياً أي أنه ارتفع من 275 إلى 380 جزء في المليون بزيادة سنوية قدرها 25 بالمائة والمتوقع أن يصل إلى 460- 560 جزء في المليون بحلول عام 2100 وأهم مصادره: حرق الوقود الأحفوري – النفط والغاز الطبيعي والفحم - والنفايات الصلبة والأخشاب والتفاعلات الكيميائية ورغم أن معالجته تحتاج إلى قرون عديدة إلا أن الحاجة ملحة اليوم لتثبيته عند مستوى 350 جزء في المليون منعاً لحدوث الكارثة.
- الميثان: ارتفع متوسط تركيزه من 700 إلى 1760 جزء في المليون بزيادة سنوية قدرها 0.09 جزء في المليون, وأهم مصادره: الماشية والزراعة وتفكيك النفايات العضوية ومعدل بقائه في الجو عشر سنوات.
- أكسيد النيتروز: زاد متوسط تركيزه من 270 إلى 316 جزء في المليون بفارق سنوي قدره 18 بالمائة وأهم مصادره: الأسمدة الصناعية المستخدمة في الزراعة ومعالجة مياه المجاري وحرق الوقود الاحفوري ومعدل بقائه في الجو عشرة آلاف سنة.
- مركبات كلوروفلوروكربون: وهي لم تكن موجودة قبل الثورة الصناعية وتكمن خطورتها في خلخلة طبقة الأوزون، والتي أخذت أهمية خاصة في العام 1985 إثر اكتشاف العلماء وجود ثقب في طبقة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية قطره 9 كم بسبب انخفاض كثافة الأوزون عن معدلها الطبيعي بنحو 50 بالمائة والآتي بعد مرور 15 عاماً فقط منذ بدء ظهور علامات الإحترار العالمي في العام 1970، مركبات الكلور يزداد تركيزها السنوي بواقع 4 بالمائة وأهم مصادرها:السيارات والمكثفات ومعدات التبريد والبخاخات وأجهزة الاستنشاق فيما تحتاج معالجتها إلى 50- 100 سنة.
- مركبات الكربون المشبعة بالفلور: والناجمة عن إنتاج الألمونيوم
- سادس فلوريد الكبريت: الناتج عن انتقال الطاقة الكهربائية وإنتاج الماغنيسيوم والألمونيوم.
ومعلومٌ أن 68 بالمائة من الانبعاثات الملوثة السنوية تأتي من استخدام الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء والطاقة و13 بالمائة من وسائل النقل (أثبتت الدراسات أن راكب القطار السريع يتسبب في انبعاث 14.2 كيلو جرام من الكربون مقارنة بـ 43.6 كجم لراكب السيارة و82.4 كجم لراكب الطائرة) ,و17.4 بالمائة بسبب إزالة الغابات والشعب المرجانية التي تُعد بمثابة مغسلة الكربون و14 بالمائة من استخدام المبيدات الكيميائية في الزراعة, 74 بالمائة من الانبعاثات الزراعية تنشأ في الدول النامية.
على مستوى الدول استحقت أميركا لقب أميرة التلوث فهي تصدر ربع انبعاثات العالم وتستهلك ربع إنتاجه من الوقود الأحفوري تليها الصين والهند حيث يتوقع أن تتحمل الأولى المسؤولية عن 35 بالمائة من الانبعاثات الملوثة والثانية 22 بالمائة بحلول العام 2020 والسبب في ذلك أن معظم الشركات والمصانع الأميركية والغربية الملوثة, موجودة في الصين والهند تم نقلها من موطنها الأم إما لوجود قوانين صارمة تحد من حرية التلويث أو لرخص الأيدي العاملة ولعل هذا كان كافياً لكشف خيوط المؤامرة التي قادت إلى فشل قمة كوبنهاجن خصوصاً وأن أميركا قد نجحت في فصل الصين والهند إلى جانب البرازيل وجنوب أفريقيا وهي الدول المسؤولية عن 30 بالمائة من الانبعاثات العالمية السنوية عن مجموعة الـ77 تحديداً (تضم 130 بلداً نامياً
المعادلة المناخية
وهي عبارة عن "تساوي معدل ما تكسبه الأرض من طاقة شمسية لما تفقده بالإشعاع الأرضي إلى الفضاء الخارجي" ولكن ذلك يتوقف في الأساس على ثبات الاتزان البيئي ومعدل حرارة سطح الأرض عند مقدار ثابت هو 15 درجة مئوية, وهو مالا يبدو متوفراً اليوم في ظل الارتفاع التدريجي لدرجة حرارة الطبقة السفلى للغلاف الجوي وتغير سيلان الطاقة الحرارية من البيئة وإليها بفعل الزيادة المطردة في متوسط تركيز غازات الدفيئة,بصورة فاقت قدرة الغلاف الجوي على التحمل, ما أدى إلى ارتفاع مماثل في متوسط درجة حرارة الأرض منذ العام 1860 والآخذ بالتسارع منذ العام 1970 مصحوباً بزيادة وتيرة الاحترار العالمي بسبب قيام غازات الدفيئة بالقسط الأكبر من حبس الأشعة المنبعثة من سطح الأرض وعدم السماح بتسريبها إلى الفضاء الخارجي, بفعل قيام الدفيئة بإحاطة الطبقة الداخلية للغلاف الجوي بطبقة عازلة أخرى من غازات الدفيئة متسببة بذلك في اختلال التوازن الطبيعي وبروز الكثير من الظواهر والكوارث الطبيعية التي لم تكن مألوفة منذ آلاف السنين.
وتزداد الصورة قتامة مع توقع علماء المناخ تجاوز متوسط الزيادة في تركيز غازات الدفيئة في عامنا الجاري ما نسبته 5.2 بالمائة مقارنة بما كانت عليه عام1990 ما ينذر بحدوث كارثة محققة إذا ما استمرت في التصاعد, مالم يبادر الإنسان إلى إيقاف كافة الانبعاثات قبل فوات الأوان, ناهيك عن أن تأثيراتها ستحتاج إلى قرون عديدة قبل أن يتمكن الإنسان من إعادة المناخ إلى توازنه الطبيعي الذي كان عليه قبل ظهور الثورة الصناعية وهو ما يؤكد صحة العلاقة الارتباطية الوثيقة بين الكوارث الطبيعية وبين ارتفاع سخونة سطح الأرض.
أزمة المناخ صحيح أنها ليست جديدة لكنها أصبحت ملحة حديثاً نتيجة الشره الأعمى للرأسمالية العالمية المتعاظم على حساب الطبيعة وتوجهها المتعمد منذ أن صارت القوة العالمية الوحيدة في العام 1990 إلى رفض إخضاع نموها الاقتصادي للتوازنات البيئية ومستلزماتها, وهذا الموقف ليس سوى صدى لقاعدة انطلاق الرأسمالية تاريخياً والتي أقامت على أساسها صرحها الكبير منذ القرن الثامن عشر, معتبرة الطبيعة "عدواً يجب مقاتلته وإخضاعه واستنزافه حتى الموت" واعتقادها بأن العالم يمكن فهمه وتغييره في المختبرات والمصانع وأنه لا يعدو عن كونه مجرد آلة مادية عملاقة يمكن تفكيكها وتركيبها كما يشاء الإنسان ولذا ليس من قبيل المبالغة أن هذه الفلسفة وليس الدول الغنية وحدها كانت المنتصر الحقيقي في كوبنهاجن
الآثار والتداعيات المرصودة
يمثل عامي 1860 و1911 مرحلة فاصلة في تاريخ المناخ حيث شهدت أوربا خلال الفترة (1300 - 1860) موجات من الفتور الحراري عُرفت بالصقيع الصغير تلتها موجات جديدة من الارتفاع الضئيل للحرارة مدمرة بالتدريج موجات الصقيع تلك, في حين كان المتوسط الثابت للارتفاع في حرارة الأرض 15 درجة مئوية حتى العام 1860, والذي مثَّل خاتمة فترة كان للمناخ فيها أهمية استثنائية, إذ كان يمكنه أن يؤدي إلى اندلاع الثورات في فترة القحط الكبير، غير أن فترة التصنيع 1895- 1940 شهدت ارتفاعاً ملحوظاً بلغت نسبته حتى العام 1990 نحو ستة أعشار الدرجة وثمانية أعشار الدرجة اليوم.
قياس التبدُلات المناخية قبل العام 1860 كان يتم بواسطة القمح ليحل محله النبيذ أو قِطّاف العنب بعدها, لكن ذلك تغير تماماً في العام 1911 عندما شهد العالم نقطة تحول كبيرة أرخت لمرحلة جديدة من التبدُلات المناخية, أبرز علاماتها حدوث إحدى أكبر موجات الحر الشديد في صيفه حصدت أرواح 40 ألف إنسان في أوربا وحدها ناهيك عن إثارتها اضطرابات اجتماعية كبيرة, ومن حينها تغيرت وسائل قياس التغير المناخي وزادت تعقيداتها تبعاً لتعقيدات التكنولوجيا إلى جانب خضوعها لتقديرات العلماء وحسابات الساسة.
الارتفاع في حرارة الأرض ترتب عليه ارتفاع مماثل في متوسط ارتفاع سطح المحيطات بلغت نسبته نحو 20 سم للفترة ( 1860- 2001 ) بما يعادل عُشري الميليمتر سنوياً فيما كان متوسطه الثابت خلال الفترة( 1961- 2003 ) نحو 1.7 ملم سنوياً كما شهدت حقبة التسعينات أسخن جو في شمال الأرض منذ ألف عام بينما كانت الفترة 2000- 2009 الأكثر سخونة منذ العام 1860 حيث احتل العام 2009 المرتبة الخامسة في هذه الفترة مصحوبة بتزايد حدوث الأعاصير في أماكن لم تكن متوقعة وظهور العنف المطري وتزايد وتائر حرائق الغابات والذوبان المفاجئ لمجالد القطب الجنوبي وتلوث البحار والمحيطات الكبرى وتدهور الأنظمة البيئية على الجزر والسواحل وتفاقم الأمراض والأوبئة وتزايد شبح الفيضانات مشردةً أكثر من 20 مليون إنسان خلال العام 2008 فقط في وقت تشير فيه الدراسات والإحصاءات العلمية إلى أن الكوارث الطبيعية تضاعفت إلى أكثر من الثلثين في العقدين الأخيرين وأن المناخ في العام الحالي سيكون أكثر وضوحاً , كما ارتفعت مستويات البحر إلى 4- 8 إنشات خلال العام الماضي فقط أي عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل 3 آلاف سنة وارتفعت حرارتها بواقع 0.06 بالمائة لكل ألف متر مسطح وارتفعت درجة حرارة الهواء بمعدل 1.2 درجة سلزيوس, إلى أخره, وجميع ذلك – طبعاً - تم التحقق منه علمياً والتحقق من ارتباطه الوثيق بالدفيئة.
الآثار والتداعيات المتوقعة
صحيح أن الشك لا يزال سيد الموقف في الأوساط العلمية حيال العديد من الظواهر التي تؤثر على سرعة التغير المناخي بما في ذلك الشك في مدى تغير الإشعاع الشمسي في السنوات والعقود المقبلة واتجاه العالم نحو المزيد من الدفء بشكل يفوق المستويات الراهنة, وهي ترى أيضاً في زيادة معدلات البخر وكميات السحب وتغير توزيعها وتغير توقيت سقوط الأمطار والضغط الجوي ومسارات الرياح السائدة وتزايد البرد القارص والحر القائض, مؤشرات لا تبعث على الاطمئنان خصوصاً إذا ما استمر الارتفاع في متوسط حرارة الأرض على ما هو عليه حالياً في ظل اللامبالاة والتجاهل من قادة وساسة أغنياء العالم واستمرارهم في إلقاء التبعة والمسؤولية على فقراء الأرض, وغياب الجِدِّية العملية للحد من الملوثات الصناعية.
كل هذا أبرز على السطح عدة مخاوف وتوقعات لما ينتظرنا منها على سبيل المثال:
دفع النسبة التي حددتها قمة كوبنهاجن فيما يتعلق بالحفاظ على مستوى الزيادة في متوسط حرارة الأرض عند مستوى درجتين مئويتين مقارنة بما كانت عليه في العام 1860, ليس إلى تقليص الزيادة وإنما إلى مضاعفتها والخوف هنا من أن تتجاوز 5.8 درجة بحلول نهاية القرن الحالي ما يعني التسبب في إنهاء الحياة البشرية في مناطق كثيرة من العالم وانقراض أكثر من 20 في المائة من الكائنات الحية وحلول عصر جليدي جديد, وحدوث طوفان واسع النطاق, وحدوث ارتفاع أكبر وأسرع في مستويات مياه المحيطات قد تتجاوز المتر إلى التسعة أمتار وذوبان المجالد والثلوج في القطبين وفوق قمم الجبال,وكل هذا سيتسبب حتماً في العديد من الآثار الكارثية, سواء كانت مباشرة كغرق جزر وبلدان وسواحل بكاملها وازدياد زحف الجفاف والتصحر وتهجير أكثر من مليار إنسان خلال العقود الأربعة المقبلة (مشردي المناخ ) وهو ما أطلق عليه العلماء اسم بؤر ساخنة في المستقبل قد تشهد نزوح بشري كبير كأفغانستان وبنجلاديش وجزر المحيط الهادي وأجزاء واسعة من أوربا أو غير مباشرة كانتشار المجاعات والأوبئة ونقص مياه الشرب ومعلوم أن سدس سكان الأرض يعيشون في مناطق ستتأثر بذلك أو أمنية كالصراعات المحلية والإقليمية والنزاعات العالمية على متطلبات الحياة الأساسية إلى درجة ما يسري عليها وصف الحروب المناخية المستقبلية أو بيولوجية كانقراض واسع النطاق للمخلوقات الحية وخسارة أنظمة بيئية فريدة.
يأتي هذا في الوقت الذي تحرص فيه الأطروحات الدولية على ألا يصل ارتفاع مستوى البحر وحرارة الأرض إلى درجة تهدد الدول الصناعية إلا بصورة محدودة ولتذهب الدول الفقيرة إلى الجحيم لكن الكارثة إذا ما حلت لن تستثني أحداً
السياسة الجامحة: المال قبل المناخ
تعود بدايات التعاطي السياسي مع قضية المناخ إلى 12 شباط/ فبراير 1979, إثر انعقاد أول مؤتمر دولي حول المناخ بجنيف, تتابعت بعد ذلك المؤتمرات والقمم وآخرها قمة كوبنهاجن 7- 19 كانون الأول/ ديسمبر 2009 بالتوازي مع توسع رقعة الجدل السياسي حول حقيقة ارتباط التبدلات المناخية بالكوارث الطبيعية من عدمه، في حين اقتصرت مفرزة العمليات التفاوضية الأممية على إخراج الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة حول المناخ عام 1992 بمصادقة 192 دولة وبروتوكول كيوتو 1997 المصادق عليه حتى الآن 194 دولة بعد انضمام العراق والصومال وتدشين المرحلة الأولى منه (2005- 2012) مصحوباً بحراك أممي غير مسبوق لإيجاد اتفاقية بديلة مع حلول بداية العام 2013 تكون ملزمة وشاملة وشرعية على خلفية التعثر المصاحب للمرحلة الأولى من كيوتو.
كيوتو رغم ماله من أهمية كأول خطوة عملية إدراكية لحجم المشكلة المناخية والأداة القانونية الوحيدة المتوفرة حتى الآن, التي تفرض إجراءات ملزمة على المصادقين عليها, لكنها بالمقابل شكلت انطلاقة لهيمنة موضوعي الطاقة والسوق – تسليع الأرض والهواء والمناخ- على مفاوضات الأمم المتحدة خصوصاً في الأعوام الثلاثة الأخيرة والتي قادتها بفشل منقطع النظير كما فشلت في انجاز هدف المرحلة الأولى من كيوتو المتعلق بخفض الانبعاثات الملوثة بواقع 5.7 بالمائة بحلول العام 2012, والمنعكس بدوره على قمة كوبنهاجن وما تمخض عنها من تداعيات وضعت العالم في مواجهة مباشرة مع احتمالات بنسبة 50 بالمائة لدخول المناخ دائرة الانقلاب التام.
أميركا والصين ومن خلفهما الكارتلات الاقتصادية والصناعية العالمية مايزالا حتى الآن خارج كيوتو كما أنهما يتربعان عرش إمارة التلوث العالمي في وقت لاتزال فيه سلطة القرار السياسي العالمي مجيرة لصالح وحساب الكارتلات الاقتصادية والرأسمالية, لذا لا تأخذنا الدهشة أمام ما نشهده من تحويل مخيف للأرض والهواء والمناخ إلى مجرد سلعة تجارية ووسيلة للثراء السريع على حساب الأرض والإنسان وأجيال المستقبل بعد أن تم تحويل قضية التغير المناخي إلى مجرد مشكلة تتعلق بالإدارة الاقتصادية الفعالة للطبيعة ومواردها.
في الاتجاه الآخر تقف الدول النامية وحيدةً بعد أن تخلت عنها الصين وتم تجاهل الاتحاد الأوربي ومن ثم إبداء الدول النامية مخاوفها من نقص الاهتمام بالمرحلة الثانية من كيوتو وسط غياب الاستعداد التاريخي لإنجاز اتفاقية دولية ملزمة قانونياً وتحد من حرية أمراء التلويث وبروز العديد من المؤشرات لسحب بساط مفاوضات المناخ وتمويل التكيف مع تقلباته من تحت أقدام الأمم المتحدة وتحويله إلى البنك الدولي, وصولاً إلى قتل كيوتو.
أوباما كان واضحاً عندما قال قبل أشهر "أن العلاقات الصينية- الأميركية هي من سيقرر مستقبل البشرية والأرض في القرن الحادي والعشرين", قمة كوبنهاجن لم يشفع لها الحضور العالي المستوى وغير المسبوق - شهدت مشاركة وفود من 193 دولة وحضور نحو 120 رئيس دولة وحكومة في فعالية الاختتام, مقارنة بغياب الرؤساء واقتصار المشاركة بقمة كيوتو على 37 دولة فقط - في أن تكون قمة الأرض بحق, بعد أن خيم عليها الفشل منذ اللحظة الأولى لانطلاقتها لولا توافقات الحدود الدنيا بين الصين وأميركا والتي انتشلتها في اللحظات الأخيرة بوثيقة مرتبكة وغير إلزامية بعد نزع صاعق التفجير البيئي ودون أن تحظى بالإجماع الدولي باستثناء30 دولة ناهضة وصناعية بعد ضمان حفظ مصالح الصين الرافضة خلال توسعها الاقتصادي أي التزامات جديدة على صناعتها المتوسعة ولو كانت لإنقاذ الأرض وضمان حفظ مصالح أميركا الرافضة أي أعباء جديدة على صناعاتها في فترة الأزمة المالية العالمية ولو كان على حساب الاتحاد الأوربي ومجموعة الـ77.
بيان كوبنهاجن على تواضعه اكتفى بالإشارة إلى التوجه للحفاظ على الزيادة في متوسط درجة حرارة الأرض بدرجتين مئويتين مقارنة بما كانت عليه قبل الثورة الصناعية وفيض من التعهدات المالية لدعم الدول الأكثر تضرراً من التغير المناخي ومساعدتها على التكيف حددها أوباما بفترتين تشمل الأولى 2010- 2012 وبحجم 25- 30 مليار دولار بواقع 10 مليارات دولار سنوياً, والثانية بعد عام 2020 بحجم 100 مليار دولار سنوياً وهي مبالغ رمزية لا تراعي الحدود الدنيا لأوضاع المجتمعات إلى جانب وعود بخفض الانبعاثات الملوثة إلى 40 بالمائة بحلول العام 2050م و 12 – 16 بالمائة حتى العام 2020 مقارنة بما كانت عليه في العام 1990.
اللافت هنا غياب صفة الإلزامية وبقاء المشروطية في كل ما سبق وترك المجال مفتوحاً أمام الدول الغنية لتعمل ما تريد وكيف تريد دون أي رقابة ودون الحاجة للعودة إلى الأمم المتحدة ومطالبة الدول النامية بخطوات عملية إستباقية وإلزامية كما لم يضع البيان أي جدول زمني فيما يتعلق بالمساعدات – ولا كيفية جمعها وآلية توزيعها - وتخفيضات الانبعاثات ولم يتضمن أي إشارة فيما يتعلق بضرورة مواصلة الدول العمل الجاد للتوصل إلى اتفاقية دولية شاملة وملزمة قانونيا باستثناء تحديد نهاية العام الجاري موعداً لانعقاد قمة أرض جديدة بمكسيكو لحسم الجدل حول الخطوط العريضة المعلقة منذ العام 2007م وقد يكون هذا متعمداً لسبب بسيط هو نجاح أوباما في بتر سيقان الاتفاقية الأممية الإطارية حول المناخ لعام 1992 وبروتوكول كيوتو لعام 1997 عندما أعلن أن بلاده ستفعل ما تفعله ولكنها لن تتورط في فوضى عمليات الأمم المتحدة الخاصة بالمناخ في عامنا الجاري لإدراكها مسبقا بأنها لن تحقق الكثير في قمة مكسيكو والمنسحب بدوره على الصين وعدد من الدول النفطية والصناعية والكارتلات الرأسمالية المنزعجة من عمليات الأمم المتحدة على أمل إحلال بيان كوبنهاجن محل القانون الدولي وتعطيل مفاعيل كيوتو ومقايضاتها بسياسات القوى الكبرى.
يأتي هذا في وقت لايزال الاتحاد الأوربي وهو الخاسر الأكبر في كوبنهاجن إلى جانب الدول النامية مصراً على رؤيته الجامدة القائمة على مقايضة الانبعاثات العالمية في أسواق الكربون رغم سقفها العالي وكلفتها الباهظة, وعدم ملائمتها للكثير من دول العالم خصوصاً النامية.
وعود وتعهدات وكلام كثير وكبير سمعناه في كوبنهاجن وما تمخض عنها من بيان هزيل غلبته مسحة الألغاز والطلاسم العصية على الفهم والتي لا تخدم الأرض بل تزيد من اشتعال الحرب البشرية الجائرة ضد البيئة وتُباعد الخطوات والآمال في خروج اتفاقية دولية ملزمة تضع حداً لهذه الحرب وتخفف من معانات فقراء العالم وتحد من عبثية ومظلومية استمرار دفعهم لفاتورة الطمع والغرور الرأسمالي وتحميلهم القسم الأعظم من تداعيات المناخ.
المشكلة المناخية بدأت اليوم تطرح مشاكل باتت تهدد الجميع وخصوصاً في عامنا الجاري ومع ذلك رغم مرور 19 عاماً من المفاوضات الأممية العقيمة ما يزال دور المال في السياسة يمثل عائقاً كبير أمام حل معضلة الاحتباس الحراري وما تزال الحكومات تستمع لمستشاريها السياسيين أكثر من استماعها للخبراء في العلوم وسط استمرار الكارتلات الرأسمالية في صم آذانها عما يحدق بها من مخاطر كونية كارثية وترفض التعايش مع المعطيات البيو- مناخية في الوقت الذي تشير فيه المعطيات إلى أن تقدميتها الرأسمالية قد تنقلب إلى رجعية مدمرة إذا ما بدأ نمط إنتاجها يتناقض ويتضارب مع قدرة الأرض على تحمل مضاعفاته.
الحاجة اليوم ماسة لمنح مركزية الأرض والمناخ الأولوية وليس الاقتصاد والإنسان والابتعاد عن التسويات السياسية لن الطبيعة والقوانين الفيزيائية لا تحتمل التسوية وتبقى كما هي, وكون ذلك لا يبدو قريباً في عالمٍ البقاء فيه للأقوى يبقى الخلاص والباب الوحيد أمام فقراء العالم هو الإكثار من الصلاة والدعاء بأن تكون الكوارث البيئية المقبلة وهي مقبلة حتماً محدودة وغير شاملة بحيث يتمكن من يتبقى من البشر من إعادة بناء علاقة سوية مع الطبيعة انطلاقاً من إدراك القيمة الكامنة في العالم الطبيعي والعمل على الحفاظ عليها وتبقى الألطاف الإلهية وحدها لا سواها أرحم بالبشر من أنفسهم.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)